المبحث الثالث: سرية بئر مَعُونَة
وفي الشهر ذاته الذي أرسل فيه الرسول ﷺ سرية الرجيع، أرسل الرسول ﷺ سرية بئر معونة [ابن إسحاق؛ ابن سعد؛ الواقدي].
فقد ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ أرسل إلى نجد سبعين من خيار الصحابة رضي الله عنهم عُرِفُوا بالقراء، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل [البخاري]، وينفقون ثمن حطبهم على أهل الصُّفَّة [مسلم].
وذكر مسلم: أن سبب إرسالهم هو أن أناسًا جاءوا إلى رسول الله ﷺ وطلبوا منه أن يبعث معهم رجالًا يعلِّمونهم القرآن والسنة.
وذكر البخاري سببًا آخر لا يختلف عن هذا في جوهره، وهو: أن بطونًا من بني سُلَيم، هم: رِعْل وذَكْوان وعُصَيَّة وبني لِحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدو، فأمدهم بأولئك السبعين، وقد وافق البخاري ابن سعد في هذا السبب.
وذكر بعض أئمة المغازي [ابن هشام؛ ابن سعد؛ الواقدي]: أن أبا براء عامر بن مالك، المدعو «مُلَاعِبُ الأَسِنَّة» قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدعاه إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال: «يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك، لرجوت أن يجيبوهم، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا جارٌ لهم».
ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأن يكون كلا من الأمرين قد وقعا، أي إرسال الرسول ﷺ هؤلاء السبعين بناء على طلب أبي براء وبني سليم.
عندما نزلوا ببئر معونة بين أرض عامر وحرة بني سُلَيم، بعثوا حرام بن مِلْحَان - أخا سليم - بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطُّفَيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلًا - إيماءً - فطعن حرامًا بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم، قال حرام: «الله أكبر، فُزْتُ وَرَبَّ الكعبة» [هنا يتفق أهل المغازي مع رواية الصحيحين].
وعندما خرج الدم من حرام رضي الله عنه نَضَحَهُ على وجهه ورأسه [البخاري]، وكأنه يريد أن يلقى ربه وكل جسمه ملطخ بدم الشهادة، فيزيده الله من الأجر.
ثم استنفر ابن الطفيل بني عامر إلى قتال المسلمين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سُلَيم فأجابته عُصَيَّة ورِعل وذَكْوَان، وخاضوا مع المسلمين معركة ضارية، قتل فيها المسلمون جميعًا، إلا كعب بن زيد بن النجار، الذي ترك وبه رَمَق، فعاش حتى استشهد في غزوة الخندق، وعمرو بن أمية، الذي كان قد تأخر عنهم هو والمُنْذِر عُقْبَة ابن عامر، وعندما وجدا أصحابهما قد صرعوا قاتلا المشـركين، فقتلوا المنذر وأسروا عمرًا، ثم أعتقه عامر عن رقبة كانت على أمه.
وعاد عمرو بن أمية بالخبر الأليم إلى الرسول ﷺ بالمدينة، وفي الطريق فتك برجلين من بني كِلَاب، هو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله ﷺ، لم يعلم به، ولذا التزم الرسول ﷺ بأداء ديتهما، فأخذ في تحصيل الدية من المسلمين وأهل الصحيفة من اليهود.
وعندما ذهب إلى اليهود للإعانة في دية الكلابيين حاولوا قتله، مما كان من أسباب غزوة بني النضير - كما سنرى.
وقد تألم الرسول ﷺ لهاتين الفاجعتين - معونة والرجيع - فأخذ يدعو في صلاة الصبح ثلاثين صباحًا على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة والرجيع: رعل وذكوان ولحيان وعصية. [خلاصة البخاري ومسلم].
وظهرت لعامر بن فُهَيْرَة كرامة في هذه الموقعة. فقد روى البخاري أنه لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو الضمري، قال له ابن الطفيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة، فقال: «لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إنّي لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع». وكان الذي قتله جَبَّار بن سَلْمَى الكِلابي، وقد أسلم نتيجة ما رأى من حال عامر بن فهيرة رضي الله عنه [الواقدي؛ ابن سعد]. ولم نقف على كيفية نجاة كعب بن زيد رضي الله عنه. تقول المصادر إنه ارْتُثَّ من بين القتلى. وارتُثَّ: أي حُمل رثيثًا - أي جريحًا - وبه رمق.