حجم الخط:

المبحث الثالث: قريش تهدد المهاجرين والأنصار

كان عبد الله بن أبي بن سلول أكبر زعماء المدينة. وعندما جاءها الرسول مهاجرًا كان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ملكًا عليهم، ولم يتم ذلك لأن الرسول أصبح زعيمًا بتاج النبوة. ولذا تأخر في إسلامه؛ لأنه كان يرى أن الرسول قد سلبه ملكه، فأخذ يناصبه العداء. وبعد أن أعلن إسلامه ظل على عدائه للرسول ، ولكن بأسلوب آخر، وهو أسلوب النفاق. وله مواقف تدل على نفاقه كما سيأتي.

ففي أحد هذه المواقف، روى البخاري ومسلم وأحمد [المسند، بسند صحيح]، ثلاثتهم من حديث الزهري بإسناده إلى أسامة بن زيد،أن سعد بن عبادة قال: «يا رسول الله، اعف عنه، واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرةِ على أن يتوجوه فَيُعَصِّبُوهُ بالعِصَابَة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شَرِقَ بذلك، فلذلك فَعَلَ به ما رأيت...».

وفي رواية ابن إسحاق [السيرة، حسن] قال سعد: «يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فوالله إنه ليرى أنه قد سلبته ملكًا».

لقد وجد مشركو مكة ضالتهم في ابن سلول هذا، لأنه على ملتهم، فكاتبوه ليكيد للمسلمين ويقوم بالدور الذي كانوا يقومون به ضد الرسول وأصحابه في مكة. قالوا له في كتبهم إليه: «إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم». [أبو داود، بسند صحيح].

وامتثل ابن أبي لأمر الكفار، فجمع كفار المدينة لمحاربة الرسول . وعندما بلغ الرسول أمره، قال لهم: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم»، فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا. [نفسه].

وأرسل كفار مكة إلى مسلمي المدينة يقولون لهم: «لا يغرنكم أنكم أفلتمونا إلى يثرب، سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضـراءكم في عقر داركم» [المنصورفوري: رحمة للعالمين، ولم يذكر مصدره].

واحترازًا من مكائد قريش حرص المسلمون على حراسة الرسول ليلًا حتى نزل قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ [المائدة:67]، فقال لأصحابه: «يا أيها الناس، انصرفوا عني، فقد عصمني الله عز وجل». [الألباني: صحيح الترمذي، وحسنه].

وقد دعا رسول الله لسعد بن أبي وقاص عندما جاء يحرسه ذات ليلة، خوفًا عليه [متفق عليه].

ولم يكن الخطر مقتصـرًا على الرسول فقط، بل تعداه إلى أصحابه. فقد قال أبي ابن كعب: «لما قدم رسول الله وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه». [الحاكم (3/165-166/علوش), وصححه, الشوكاني: الفتح (4/49)- وصححه, الطبراني في الأوسط مختصـرًا- كما في المجمع (7/83), ووثق رجاله وعزاه في الدر المنثور (5/100) لابن مردويه وابن المنذر في الضياء و(المختارة), والبيهقي في الدلائل].

وكجزء من مخططات قريش وأساليبها للصد عن سبيل الله عز وجل، فقد حاولت صد الأنصار عن المسجد الحرام. وقد ظهر هذا جليًا في قصة سعد بن معاذ وأبي جهل. وخلاصتها عند البخاري، أن سعد بن معاذ جاء مكة معتمرًا، وطلب من مضيفه أمية ابن خلف أن ينظر له ساعة خلوة ليطوف بالبيت آمنًا. فأخذه أمية ليطوف في منتصف النهار حين غفلة الناس، ومع ذلك لقيه أبو جهل وسأل عنه أمية، فأخبره به، فقال له: «تطوف بالكعبة آمنًا وقد آويتم محمدًا وأصحابه؟ وتشاجرا؛ ومما قاله سعد له: «والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام...» وهدده بأن الرسول سيقتله، وقد كان أن قتله الله عز وجل ببدر [البخاري].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة