حجم الخط:

المبحث الثامن: رعيه الغنم في صباه، والحكم من ذلك

روى البخاري بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قَرَارِيط لأهل مكة». [والقيراط جزء من الدينار أو الدرهم، أو اسم موضع بمكة] (الفتح10/5).

وروى البخاري ومسلم من حديث جابر أن الرسول رعى الغنم.

ومن أبرز الحكم والعبر في هذا الرعي:

1- قال ابن حجر [في الفتح]: (قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسـرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها، وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة...) ثم قال:

(وفي ذكر النبي لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله، ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء).

2- يتجلى لنا في رعيه الغنم الذوق الرفيع والإحساس الدقيق اللذان جمل الله سبحانه وتعالى بهما نبيه محمدًا . إذ أن الرسول ما أن آنس في نفسه القدرة على الكسب حتى أقبل يكتسب لرفع بعض ما يمكن رفع من مؤنة الإنفاق على عمه الذي وفر له وسائل العيش الكريم، على الرغم من أنه كان ذو عيال كثيرين.

3- إن الله عز وجل لا يعجزه أن يهيّئ لمحمد كل وسائل الرفاهية ويغنيه عن الكدح سعيًا وراء القوت، ولكن اقتضت حكمة الله أن تعلمنا أن خير مال الإنسان ما اكتسبه بجهده، وأن قيمة الإنسان هي فيما يقدمه لمجتمعه من خدمات قدر طاقته.

4- لن تكون لأصحاب الدعوات قيمة معتبرة عند الناس إذا كان كسبهم من عطايا الناس وصدقاتهم، ولذا فإن صاحب الدعوة أحرى الناس باعتماد على نفسه وجهده الشخصي في معيشته، والابتعاد عن الاستجداء، حتى لا يكون لأحد عليه منة أو فضل في دنياه، فيعيقه ذلك عن أن يصدع بكلمة الحق في وجهه [البوطي: فقه السيرة].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة