المبحث الثاني: إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ب
روى أحمد [المسند، حسن] وابن إسحاق [السيرة، حسن]، أن عمرو بن العاص عندما رأى علو شأن الرسول ﷺ تحدث مع من يسمعون له من رجال قريش في أمر محمد ﷺ وأقنعهم بالخروج معه إلى النجاشي، فهو أحب إليهم أن يكونوا عنده من أن يكونوا تحت يدي محمد إذا ظهر، وإن ظهر قومهم فلن يأتيهم منهم إلا الخير لمعرفتهم بهم. وجمعوا جلودًا ليهدوها إلى النجاشي، لأن ذلك أحب ما يهدي إليه من أرض الحجاز. واتفق أن جاؤوا النجاشي وعنده عمرو بن أمية الضمري رسولًا من النبي ﷺ، فعندما خرج من عند النجاشي دخل عليه عمرو وطلب منه أن يعطيه إياه ليقتله لأنه من عدوه، فغضب منه النجاشي وضربه على أنفه، فخاف واعتذر، ثم قذف الله في قلبه الإسلام لما رأى حماسة الناس حتى العجم في الإيمان بمحمد والدفاع عنه. ولم يتردد عمرو في مبايعة النجاشي على الإسلام عندما اقترح عليه النجاشي ذلك، ثم خرج وكتم إسلامه عن أصحابه وعاد إلى بلاده.
وخرج عمرو بن العاص قُبيل الفتح [الواقدي] عامدًا إلى رسول الله ﷺ بالمدينة ليسلم، فلقيه خالد بن الوليد يريد ما يريد عمرو، فقدما سويًا على الرسول ﷺ، فبايعا على الإسلام.
ومما يؤكد أن إسلام عمرو وخالد كان في التاريخ الذي ذكره ابن إسحاق والواقدي أن اسم خالد ظهر في سرية مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وأن اسم عمرو ابن العاص ظهر في سرية ذات السلاسل في جمادى الثانية سنة ثمان من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك في المبحث الخاص بهما.
أما قصة إسلام خالد فقد رواها الواقدي، وخلاصتها أن خالدًا عندما أراد الله به ما أراد من الخير وقذف في قلبه الإيمان، كان ينصرف بعد كل موطن شهده ضد رسول الله ﷺ ويفكر، فيرى في نفسه أنه في موضع غير موضعه، وأن محمدًا سيظهر، وفي غزوة الحديبية بالذات، تأكد له أن الرسول ﷺ، لأنه عندما هم أن يغير بخيله على رسول الله ﷺ بعسفان، أطلع الله رسوله ﷺ على ما في أنفسهم، فصلى بأصحابه صلاة الخوف، ولم يترك لهم فرصة. وعندما تم الصلح بالحديبية، رأى أنه لم يبق شيء، ففكر في الذهاب إلى النجاشي وهرقل، وبينما هو يقلِّب هذا الأمر في ذهنه، دخل رسول الله ﷺ في عمرة القضاء، فتغيب، ودخل أخوه الوليد في الإسلام في هذه العمرة، وطلبه فلم يجده، فكتب إليه كتابًا فيه تعجبه من مثله في ذهاب عقله عن الإسلام، وذكر له سؤال الرسول ﷺ عنه وقوله عنه: «ما مثله جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين كان خيرًا له ولقدَّمناه على غيره...». فلما جاءه كتاب أخيه نشط للهجرة، وزاده رغبة في الإسلام أنه رأى في المنام كأنه في بلاد ضيقة جدبة، فخرج منها إلى بلاد خضراء واسعة، فقال: إن هذه لرؤيا، ذكرها لأبي بكر عندما قدم المدينة، فقال: هو مَخْرَجُكَ الذي هداك الله للإسلام والضيق هو الشرك.
وعندما أجمع الهجرة أراد أن يرافقه رجال في مكانته، فاتصل بصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، فرفضا، فتركهما فخرج، وعند خروجه التقى بصديقه عثمان بن أبي طلحة، فذكر له ما يريد، فعلم منه أنه يريد ما يريد، فاتَّعدا بيأجج، وخرجا سَحَرًا والتقيا عند الفجر بيأجج وسارا حتى انتهيا إلى الهَدَّة، فوجدا عمرو بن العاص بها، فتعارفوا، ثم ساروا سويًا إلى المدينة فأسلموا، وكان ذلك في صفر سنة ثمان من الهجرة.