المبحث الثاني: سرية محمد بن مَسْلَمَة إلى القُرْطَاء
أرسل النبي ﷺ محمد بن مسلمة في ثلاثين راكبًا لشن الغارة على القرطاء, وهم بطن من بني بكر بن كلاب, وذلك في العاشر من المحرم من السنة السادسة, على رأس تسعة وخمسين شهرًا من الهجرة [ابن سعد؛ الواقدي]. فسار إليهم يكمن النهار ويسير الليل حتى دهمهم على غِرَّة, فقتلوا منهم عشرة, وفر الباقون. واستاقوا الإبل والشاء.
ولقيهم ثُمَامَة بن أُثَال الحنفي, سيد بن حنيفة, وهم في طريق عودتهم إلى المدينة, فأسروه, وهم لا يعرفونه. فقدموا به المدينة, وربطوه بسارية من سواري المسجد. فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: «ما عندك؟ قال: عندي يا محمد, إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر, وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد قال له ما قال بالأمس, فأجابه ثمامة بمثل ما أجاب. فأمر رسول الله ﷺ بإطلاقه. فانطق إلى نخل قريب من المسجد, فاغتسل ثم دخل المسجد وتلفظ بالشهادتين, وذكر للرسول ﷺ أن وجهه أصبح أحب الوجوه إليه, وأن دينه أصبح أحب الدين كله إليه, وأن بلده أصبحت أحب البلاد كلها إليه, بعد أن كان ذلك كله أبغض الأشياء إليه. وقال إنه كان في طريقه إلى العمرة عندما أسر, فبشـره رسول الله ﷺ وأذن له بالعمرة. فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت يا ثمامة. قال: لا, ولكن أسلمت, وأقسم ألا يأتيهم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ [البخاري]. وأبر بقسمه. فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة ليخلي لهم حمل الطعام, فأذن النبي ﷺ في ذلك». [ابن هشام].
وكان له دور إيجابي في حركة الردة حين ثبت على الإسلام مع قومه بني سُحَيم, وكانوا ثلاثمئة رجلًا كما ذكر السهيلي.
1- قال ابن حجر [في الفتح]: (وفي قصة ثمامة من الفوائد: ربط الكافر في المسجد, والمن على الأسير الكافر, وتعظيم أمر العفو عن المسـيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًا في ساعة واحدة لما أسداه النبي ﷺ إليه من العفو والمن بغير مقابل. وفيه الاغتسال عند الإسلام, وأن الإحسان يزيل البغض ويثبت الحب, وأن الكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم شرع له أن يستمر في عمل ذلك الخير. وفيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه من الأسرى، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام, ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه. وفيه بعث السـرايا إلى بلاد الكفار, وأسر من وجد منهم, والتخيير بعد ذلك في قتله أو الإبقاء عليه).