ذكروا أن الله تعالى فرض الحج في العام العاشر أو التاسع أو السادس، وقبل الهجرة، وهو غريب. وجزم ابن القيم بأن فرضه كان في العام العاشر لقوة الأدلة على ذلك، وهو اللائق بهديه في عدم تأخير ما هو فرض، لأن الله يقول: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ ﴾[آل عمران:97]. وقد نزلت عام الوفود، أواخر سنة تسع.
ولم يحج الرسول ﷺ من المدينة غير حجته التي كانت في العام العاشر، وعرفت هذه الحجة بحجة البلاغ، وحجة الإسلام، وحجة الوداع، لأنه عليه الصلاة والسلام ودع الناس فيها ولم يحج بعدها، وحجة البلاغ، لأنه ﷺ بلغ الناس شرع الله في الحج قولًا وعملًا، ولم يكن بقي من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه، فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل الله عليه وهو واقف بعرفة: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ ﴾[المائدة:3] [البخاري؛ البداية]
وعندما أعلن الرسول ﷺ عزمه على الحج في العام العاشر، قدم المدينة بشـر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله. [مسلم].
وخرج من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة [ابن إسحاق، حسن]، ووقعت له في مسيره هذا ورجوعه أحداث كثيرة [البداية]، مكانها أبواب الحج من كتب فقه العبادات، وقد أفرد لها العلماء قديمًا وحديثًا كتبًا خاصة، تناولوا ما جاء فيها من مناسك الحج وأحكامه، ووصايا الرسول ﷺ للأمة. ومن أشهر خطبه في هذه الحجة تلك الخطبة التي ألقاها في وسط أيام التشريق، ومما قاله فيها: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث - (كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل) - وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعد إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، وأديت، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك، فقال اللهم اشهد» - ثلاث مرات. [مسلم].
وقال ﷺ في خطبة خلال تلك الحجة: «...ويلكم أو ويحكم انظروا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» [متفق عليه]، وقال: «... إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاورون من أعمالكم، فاحذروا أيها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله، وسنة نبيه، إن كل مسلم أخو المسلم، المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفس...». [الترمذي، حسن؛ ابن ماجه، أحمد، صحح؛ الحاكم، صحيح؛ دلائل البيهقي].
فائدة: روي أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: «ذهبت لقبر أمي، فسألت الله أن يحييها لي، فأحياها، فآمنت بي». ضعف العلماء هذا الحديث كما جاء في تحقيق (حدائق الأنوار) [لمحمد بن بحرق].
قلت: وصح أنه زار قبر أمه وقال: «استأذنت ربي أن أزور قبرها فأذن لي، فاستأذنته أن استغفر لها فلم يأذن لي». [مسلم].