اشتهر عند أهل المغازي والسير أن ممن أرضعنه حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، حين أخذته معها إلى بادية قومها، فأقام معها نحو أربع سنين، ثم ردته إلى أمه.
لقد تفرد ابن إسحاق برواية خبر إرضاع حليمة الرسول ﷺ وإقامته معها ببادية بني سعد. وحكم محققا سيرة ابن هشام (د.همام وزميله) والشيخ الألباني بضعف إسناد هذا الخبر. ونص رواية ابن إسحاق:
(كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، أم رسول الله ﷺ التي أرضعته، تحدث: أنها خرجت به من بلدها مع زوجها، وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شهباء [فيها قحط] لم تبق لنا شياءً فخرجت على أتان [أنثى الحمر] لي قمراء [بيضاء]، معنا شارف [الناقة المسنة] لنا، والله ما تَبِضُّ [تسيل] بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبيِّنا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثدييِّ ما يغنيه، وما في شَارِفِنا ما يغذّيه، ولكنّا كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أَدَمْتُ [أطلت السفر] بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفًا وعَجَفًا [هزالًا]، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عُرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنَّا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي زوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه؛ قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، ولما وضعته في حجري أقبل عليه ثديايَ بما شاء من لبن، فشرب حتى رَوِيَ، وشرب معه أخوه حتى رَوِيَ، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل [ممتلئة حليبًا]، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا رِيًّا وشِبعًا، فبتنا بخير ليلة. قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسَمةً مباركة. قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني، وحملت عليها معي. فوالله لقطعتْ بالركب ما يقدر عليها شيء من حُمُرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب، ويحك! اربعي [انتظرينا] علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي؛ فيقلن: والله إن لها لشأنًا. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شِباعًا لُبَّنًا [غزيرات الحليب]، فنحلب ونشرب، وما يحلُب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرُعيانهم: ويلكم اسْرَحُوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنًا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته [فطمته]، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جَفْرًا [قويًا]. قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرصُ على مكثه فينا، لِما كنا نرى من بركته. فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركتِ بُنَيَّ عندي حتى يغلُظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا).
ثم ذكرت حليمة قصة شق صدره وما فيها من معجزة.
ومع ما قيل في إسناد هذا الخبر إلا أن مما لا شك فيه ثبوت استرضاع الرسول ﷺ في بادية بني سعد، وذلك لأن رواية الصحيح [مسلم] تتفق مع رواية ابن إسحاق في أن حادثة شق الصدر قد وقعت للرسول ﷺ وهو صغير مسترضع في بادية بني سعد، وكذلك رواية الحاكم [صحيح]، وأحمد وابن إسحاق [في السيرة، جيد] في حديث: «أنا دعوة أبي إبراهيم.... واسترضعت في بني سعد بن بكر....»، وفي الحديث الذي رواه ابن إسحاق بإسناد حسن، قال وفد هوازن للرسول ﷺ وهو بالجعرانة حين منصـرفه من حنين: (إنما في الحظائر -أي: الأسْر- عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك...). في هذا الخبر إشارة إلى رضاعة النبي ﷺ في أهل مناطق الطائف، أي في هوازن، التي منها بنو سعد، قوم حليمة بنت أبي ذؤيب [ابن حبان: السيرة؛ ابن هشام].
وروى ابن سعد [برجال ثقات، مرسلًا] أن النبي ﷺ كان مسترضعًا في بني سعد بن بكر.
وفي رواية أخرى لابن سعد: أن أم النبي ﷺ دفعته إلى السعدية التي أرضعته فالروايات تعتضد.
ويضاف إلى هذا الآثار التي تدل على مجيء أبوَي الرسول ﷺ من الرضاعة إليه وتعرفه على الشيماء - أخته من الرضاعة - التي جيء بها ضمن أسرى غزوة حنين وسيأتي ذكرها في أحداث حنين.
وخلال حياته في رعاية حليمة السعدية وقعت للنبي ﷺ إرهاصات دلت على بركته وعناية الله تعالى به، وحفظه له. وأشهر ما روي في ذلك حديث حليمة السعدية الطويل المشهور، الذي فيه أنه بحلول محمد ﷺ عليها، در ثديها اللبن، فارتوى منه محمد وابنها الذي كانت تحمله بعد أن كان يبكي من الجوع لجفاف ثدي أمه، ولا ينام هو وأهله، وامتلأ ضرع راحلتها باللبن بعد أن كان يابسًا، فشبعت منها مع زوجها وأضحت الراحلة نشطة قوية، تسير في مقدمة الركب، بعد أن كانت عاجزة تسير في مؤخرة الركبان. وحيثما حلَّت أغنام حليمة، تجد مرعى خصبًا، فتشبع ولا تجد أغنام غيرها شيئًا، وكان ينمو نموًا سريعًا، لا يشبه نمو الغلمان [ابن هشام].
كانت عادة الحضر من العرب أن يسترضعوا أبناءهم في البدو، ابتعادًا بهم عن أمراض المدن، ورغبة في تقوية أجسادهم، وتعويدًا وتربية لهم على الاعتماد على النفس منذ الصغر، بعيدًا عن تدليل الأمهات والجدات وبقية الأقارب، وتقويمًا لألسنتهم من اللحن وغيره من مفسِدات اللغة في المدن [البداية؛ الذهبي: السيرة، صحيح].