حجم الخط:

المبحث الخامس: سرية قتل كَعب بن الأشرف

ينتسب كعب إلى بني نبهان، وهم عشيرة من طيء، وكان أبوه قد أصاب دمًا في الجاهلية، فأتى المدينة، فحالف بني النضير، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعب بن الأشرف. [ابن إسحاق، مرسلًا صحيحًا؛ الطبري: التاريخ؛ ابن حجر: الفتح].

كان كعب شاعرًا. وقد غاظه انتصار المسلمين ببدر، فسافر إلى مكة ليواسي المشركين في قتلاهم ويحرضهم على أخذ الثأر، ويهجو الرسول . وعندما سأله أبو سفيان قائلًا: «أناشدك الله! أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدى إلى ربك وأقرب إلى الحق؟ قال كعب: أنتم أهدى منهم سبيلًا»، فأنزل الله على رسوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴿٥١﴾ [النساء:51].

وعندما عاد إلى المدينة أخذ يقرض الشعر متشببًا بنساء المسلمين، فأهدر الرسول دمه. وتصدى لمهمة إنزال العقاب الرادع به: محمد بن مَسْلَمَة وأبو نائلة، أخو كعب من الرضاع! ووضع ابن مسلمة خطة محكمة لذلك. فاستأذن الرسول أن يقول فيه ما يطمئن اليهودي، أي يبدي تبرمه بمحمد . وعندما جاءه طلب منه أن يقرضه تمرًا ليدفعه للرسول ، مبديًا تذمره منه لما يكلفهم به، فطلب كعب رهينة من النساء أو الأبناء، فاعتذر ابن مسلمة، لما يجر عليهم ذلك من عار، واقترح عليه أن يرهن عنده بدل هذا سلاحًا، فرضي كعب. فجاءه ابن مسلمة ليلًا ومعه أبو نائلة - سَلْكَان ابن سَلَامة بن وَقْش - وعَبَّاد بن بِشْر والحارث بن بشـر وأبو عبس بن جبر، من الأوس، فنادوه، فنزل، إليهم، على الرغم من تحذير امرأته له من مغبة ذلك، ومشى معهم، فاحتالوا لقتله، متظاهرين بشم عطر شعره، فاستمكنوا منه ثم قتلوه، حتى إن أحدهم أصيب بسيوف أصحابه. [البخاري].

وعندما احتجت اليهود على هذا الفعل، بين لهم الرسول ما صدر من كعب من أفعال. وعندما فزعت يهود وبقايا المشركين مما حدث وخافوا على أنفسهم، دعاهم الرسول إلى كتابة معاهدة بينهم، فكتب صحيفة عامة كما تذكر رواية لأبي داود. والراجح أن كتابة هذه الصحيفة جاء تأكيدًا لما في المعاهدة التي كتبت قبل بدر بين المسلمين واليهود، والمشهورة بصحيفة المدينة. [د. العمري: المجتمع المدني].

وكان مقتله بعد بدر وقبل غزوة بني النضير، وحدده الواقدي بالسنة الثالثة لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرًا من الهجرة.

عظات وعبر:

1- إن في قتل ابن الأشرف دليلًا على مشـروعية الاحتيال على قتل من وجب قتله لغدره وخيانته.

2- جواز الكذب على الأعداء وخداعهم، لأن الحرب خدعة.

3- إن في قتل الغادر الخائن تخويفًا لمن وراءه حتى لا يسلك مسلكه غيره ممن هم على شاكلته.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة