المبحث الرابع عشر: التحنث في غار حراء
كان رسول الله ﷺ ينفرد إلى نفسه متقربًا إلى الله عز وجل في غار معروف بغار حراء. وقد حبب الله إليه ذلك، لم يأمره بذلك أحد. فكان يبقى في هذا الغار الأيام والليالي إلى أن أتاه الوحي فيه [كما في البخاري]، وكانت سنه آنذاك أربعين سنة.
وكان يمكث في حراء شهرًا من كل سنة، وكان ذلك مما تتحنث به قريش في الجاهلية، كما ذكر ابن إسحاق، ويطعم من جاءه من المساكين. وإذا قضـى جواره من شهره هذا، كان أول ما يبدأ به الطواف بالكعبة، وكان ذلك الشهر رمضان.
وقد اختلف العلماء في تعبده ﷺ قبل البعثة، هل كان على شرع أم لا؟ وما ذلك الشرع؟ فقيل شرع نوح، وقيل شرع إبراهيم، وهو الأشبه الأقوى، وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به. ولبسط هذه الأقوال ومناسبتها مواضع أخرى، مثل كتاب البداية. وذكر ابن حجر - في الفتح - عن بعض المشايخ أنه كان يتعبد بالتفكر.
وذكر قول ابن أبي جمرة - في بهجة النفوس - أن الحكمة في تخصيصه بالتخلي في حراء أن المقيم فيه كان يمكنه رؤية الكعبة فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت الحرام.
ولم تنازع قريش النبي ﷺ في غار حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره، لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته وكبر سنه، فتبعه على ذلك من كان يتأله. [الفتح].