المبحث السادس: الرضاعة في بادية بني سعد وحادثة شق الصدر
وقعت للرسول ﷺ وهو في بادية بني سعد حادثة شق الصدر، كما جاء ذلك صريحًا في رواية أبي نعيم عند ابن كثير [في البداية، بإسناد صحيح]، ونصها: قال رسول الله ﷺ: «... كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بَهَمٍ [صغار الغنم] لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ فقال نعم! فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني للقفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء بَرَد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة فذرها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه، وختم على قلبي بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخر عليَّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلقا فتركاني وفرقت فرقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد لبس بي، فقالت: أعيذك بالله، فرحَّلت بعيرًا لها وحملتني على الرحل وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها، وقالت: إني رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام».
وروى قصة هذا الشق مسلم، باختصار، ولم يصرح بمكان وقوعها، ونصه عن أنس رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصـرعه فشق عن قلبه. فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لَأَمه، ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئره - مرضعته) فقالوا: إن محمدًا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره».
لقد سكتت بعض المصادر - منها مسلم - عن تحديد سنه ﷺ حين وقعت له هذه الحادثة لأول مرة. أما البعض الذين حددوا سنه، فلم يتفقوا على سن محددة. فيفهم من رواية ابن إسحاق [في السيرة] أن ذلك كان وعمره ﷺ نحو السنتين إذ تقول حليمة: «فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا... فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا...» وفي رواية ابن سعد أن القصة وقعت وللرسول ﷺ أربع سنين، وقال بهذا أبو نعيم من طريق ضعيفة أيضًا. ويذكر آخرون أنه كان في الخامسة [دلائل البيهقي] أو بعدها [المواهب].
ونحن نميل مع الزرقاني [في شرحه على المواهب] ونرجح رواية ابن سعد في أنه كان في الرابعة، لأنها السن التي يمكن أن يمارس فيها رعي البهم، ويفهم شيئًا مما يدور حوله.
ولقد تكرر حادث شق صدر الرسول الله ﷺ مرات أخرى غير هذه التي في بادية بني سعد. فقد روى أحمد وغيره أن شق الصدر قد وقع له وهو ابن عشر سنين وأشهر. وروى البخاري ومسلم وغيرهما أن شقَّا لصدره قد وقع له وقد تجاوز الخمسين من العمر، حين أسري به إلى بيت المقدس. وذكر الذهبي [في السيرة]، الروايات الدالة على أن شق صدره كان مرتين: في صغره ووقت الإسراء به. وهناك من ذكر وقوعها مرة رابعة [دلائل البيهقي].
لقد ذهب بعض أصحاب المدرسة العقلية من المستشـرقين والمتأثرين بهم من المسلمين إلى تأويل حادث شق الصدر. فمنهم من قال إنها أسطورة، ومنهم من قال إنها أمر معنوي، و... و... إلخ.
ومن أوجز ما قيل في حادثة شق الصدر قول ابن حجر [في الفتح]: (إن جميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك).
وينبغي على المسلم أن يعلم بأن ميزان قبول الخبر إنما هو صحة الرواية، فإذا صحت فلا يجدي البحث بعد هذا عن صرف الكلام إلى غير حقيقته أو تأويله تأويلًا عقليًا ممجوجًا كما يفعل أصحاب المدرسة العقلية.
1- يبدو أن هذه الحادثة كانت إعلانًا لرفعة شأن الرسول ﷺ والتهيئة للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية، ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته. إنها إذًا عملية تطهير معنوي، ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي، ليكون فيه ذلك الإعلان الإلهي برفعة الشأن بين أبصار الناس وأسماعهم - كما قال البوطي.
2- فيها بيان إعداد الله تعالى عبده ورسوله محمدًا ﷺ لتلقي الوحي عنه.
3- تشير الحادثة إلى تعهد الله عز وجل نبيه عن مزالق الطبع الإنساني، ووساوس الشيطان، وهي حصانة أضفاها الله عز وجل على نبيه محمدًا ﷺ.