حجم الخط:

الموقف الأول:**

حكى زيد بن أرقم رضي الله عنه وجابر بن عبد الله هذا الموقف. قال زيد: «كنت في غَزَاةٍ، فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله ، حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت لعمي - أو لعمر- فذكره للنبي ، فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا. فكذبني رسول الله وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ، ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ [المنافقون:1] فبعث إليَّ رسول الله ، فقال: «إن الله قد صَدَّقَكَ يا زيد» [البخاري]، ولهذا قال رسول الله عن زيد: «هذا الذي أوفى الله بِأُذُنِهِ» [نفسه]، وفي رواية: «وَفَّتْ أُذُنُكَ يا غُلام». [ابن حجر: الفتح، من مرسل البصري].

أما رواية جابر رضي الله عنه فهي أكثر تفصيلًا، وقد أشارت إلى سبب ما قاله ابن أُبي. قال جابر: «كنا في غزاة فَكَسَعَ[المشهور فيه: ضرب الدبر باليد أو بالرجل] رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة. فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي : «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد». [متفق عليه]. [والمهاجري: جهجاه بن مسعود الغفاري - أجير عمر، وقيل: والأنصاري: سنان بن وبر الجهني ابن قيس و: ابن سعيد. انظر الفتح].

وقد وردت روايات قوية [عند الترمذي والنسائي] أخرى تفيد أن ابن أُبي قال هذا الكلام في غزوة تبوك، وهو وهم، والصحيح أنه لم يشهد تبوك. [ابن كثير: التفسير؛ ابن حجر: الفتح].

وأراد الرسول أن يعالج هذا الموقف علاجًا عمليًا، فلذا أمر بالرحيل فورًا، وسار بهم بقية يومهم ذلك والليل كله، ثم نهار اليوم التالي، حتى آذتهم الشمس، ثم نزلوا، وناموا من فورهم من شدة الإجهاد، وكل ذلك ليشغل الناس عن الخوض في حديث يمكن أن يؤدي إلى فتنة. [ابن إسحاق، بسند حسن لغيره].

وعندما بلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ما قاله والده، أتى النبي فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسـي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتل رجلًا مؤمنًا بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله : بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا [ابن إسحاق وغيره]. ومنع عبد الله أباه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله بدخولها. [الترمذي، بسند صحيح].

وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله لعمر حين بلغه ذلك من شأنهم: «كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت، لَأَرْعَدَتْ له آنُفٌ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله أعظم بركة من أمري». [ابن إسحاق؛ الواقدي].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة