حاك المنافقون في هذه الغزوة حادثة الإفك، بعد أن فشل كيدهم في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية، وخلاصتها:
كان قدر عائشة رضي الله عنها أن تخرج في هذه الغزوة مع الرسول ﷺ [البزار، بسند حسن كما في المجمع]. وفي طريق العودة، وقرب المدينة، نزل المسلمون للراحة، فنزلت من هَوْدَجِهَا لبعض شأنها، فلما عادت افتقدت عقدًا لها، فرجعت تبحث عنه. وعندما عادت وجدت الرجال قد حملوا هودجها ووضعوه على بعيرها وهم يحسبونها داخله، لأنها كانت حينذاك خفيفة الوزن. فانتظرت في مكانها، فمر بها صَفْوَان بن المُعَطَّل السُّلَمِي، [كان ثقيل النوم، ولذا تأخر في الرحيل مع الجيش] وعرفها، لأنه كان رآها قبل أن يفرض الحجاب، فحملها على بعيره وانطلق بها إلى المدينة ودخلها بعد دخول الرسول ﷺ.
لقد استغل المنافقون هذه الحالة ونسجوا حولها قصة الإفك، وتولى كبر ذلك عبدالله بن أبي بن سلول. وأغرى بالخوض فيه رجالاً ونساء أمثال: مِسْطَح بن أُثَاثَة وحَمْنة بنت جَحْش وحسان بن ثابت.
واغتم الرسول ﷺ بهذه الإشاعة، وأعلن على الملأ وفي المسجد ثقته بزوجته وبصاحبه ابن المعطل، وأبدى سعد بن معاذ استعداده لقتل من يخوض في هذا الافتراء إن كان من الأوس، ولم يرض سعد بن عبادة الخزرجي هذا القول من سعد، لأن أصابع الاتهام كانت تشير إلى واحد من قوم عبادة، فكادت تقع الفتنة بين الحيين، كما يريدها المنافقون. ولكن الرسول ﷺ فوت عليهم الفرصة مرة أخرى وأطفأ نيران الفتنة.
واستأذنت عائشة النبي ﷺ لتمرض في بيت أبيها عندما لحظت فتور العلاقة بينها وبين الرسول ﷺ، وهناك علمت بخبر الإفك، ففارقها النوم، وهي تنتظر إعلام الله نبيه ببراءتها برؤيا صادقة، وترى أنها أقل شأنًا من أن ينزل في أمرها وحي.
وبعد شهر من معاناتها ومعاناة الرسول ﷺ من هذا الحديث، نزل الوحي بآيات في براءتها وموقف الناس من هذه الفرية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ ﴾[النور:11].
وكان أبو بكر ينفق على قريبه مِسْطَح بن أُثَاثَة - ابن خال أبي بكر- فعندما خاض في تلويث سمعة عائشة أقسم ألا ينفق عليه، فنزلت الآية: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ ﴾[النور:22] إلى قوله: ﴿ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور:22]، فعاد أبو بكر إلى النفقة عليه، رغبة في المغفرة. [متفق عليه].
وعاتب القرآن أولئك النفر الذين وقعوا في حبائل المنافقين: حمنة ومسطح وحسانًا، فقال: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴿١٢﴾ ﴾[النور:12].
وسجل القرآن ذلك الموقف الرائع لأولئك النفر من المؤمنين الذين وقفوا من هذا الإفك موقف المؤمن اليقظ والواثق ثقة كبيرة بآل بيت النبوة الذين طهروا من الدنس والأرجاس، منهم أبو أيوب الأنصاري وأم أيوب، فقد نزل في هؤلاء قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿١٦﴾ ﴾[النور:16].
روى الواحدي [وابن الجوزي في تفسيريهما] بإسناد متصل إلى عائشة رضي الله عنها في سبب نزول هذه الآية: «كان أبو أيوب الأنصاري حين أخبرته امرأته وقالت: يا أبا أيوب ألم تسمع بما تحدث الناس؟ قال: وما يتحدثون؟ فأخبرته بقول أهل الإفك، فقال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، قالت: فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿١٦﴾ ﴾.
وروى البخاري أن رجلًا من الأنصار عندما سمع هذه الفرية، قال: «سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم».
وقال ابن حجر في الشرح: (وقع عند ابن إسحاق أنه أبو أيوب الأنصاري، وأخرجه الحاكم من طريقه، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين، وأبو بكر الآجري في طرق الإفك من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة... ويلحظ أن الآية التي أشار إليها ابن إسحاق هي التي فيها: سبحانك ﴿ هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴿١٢﴾ ﴾[النور:12]، وليست التي فيها: ﴿ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿١٦﴾ ﴾[النور:16]. وعمومًا فالمعنى واحد، وقد نزلتا في وقت واحد وبمناسبة واحدة، فليس ببعيد أن من بين أسباب نزولها موقف أبي أيوب وأم أيوب. وقد وافق الواقدي ابن إسحاق، وزاد بصيغة التمريض أنها نزلت في أم الطفيل وزوجها أُبَي بن كعب.
وفي تفسير سُنَيد من مرسل سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة، قال: «﴿ سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿١٦﴾ ﴾[النور:16]» [ابن حجر: الفتح].
وخلاصة الأمر أن رواية الواحدي تتقوى برواية الآجري وابن إسحاق والواقدي، ويكون الخبر على أقل تقدير حسنًا لغيره [قريبي: مرويات غزوة بني المصطلق].
وأقام الرسول ﷺ حد القذف على حسان ومسطح وحمنة، أما عبد الله بن أبي ابن سلول الذي تولى كبر الإفك فلم يقم عليه الحد، لأنه لم يترك دليلًا ضده، إذا كان يستوشيه - أي يستخرجه بالبحث والمسألة ثم يفشيه ويشيعه ويحركه، ولا يدعه يخمد. [مسلم].
وعندما عاد الرسول ﷺ جاءته جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وذكرت له مكانتها في قومها، وطلبت منه أن يعينها في قضاء كتابها لعتق رقبتها من ثابت بن قيس ابن الشَّمَّاس، الذي وقعت في سهمه. فعرض عليها الرسول ﷺ أن يقضـي عنها كتابتها ويتزوجها فقبلت.
فلما علم الناس بذلك أعتقوا من بأيديهم من السبي، وهم مائة أهل بيت، إكرامًا لإصهار الرسول ﷺ فيهم، «فما كانت امرأة أعظم على قومها بركة منها» [ابن إسحاق؛ بسند حسن]. وكان عتقها صداقها، كما هو واضح من الخبر.
وقدم والدها الحارث إلى المدينة وطلب من الرسول ﷺ أن يخلي سبيلها، فأذن له أن يخيرها، فاختارت البقاء مع رسول الله ﷺ. [تاريخ ابن خياط، بسند مرسل رجاله ثقات].
وأسلم الحارث بن أبي ضرار وقومه، وولاه الرسول ﷺ على صدقات قومه. [أحمد: المسند، بسند حسن].