حجم الخط:

ب- إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

لقد كان عمر رضي الله عنه من ألد خصوم الإسلام، وكان معروفًا بحدة الطبع وقوة الشكيمة، وكثيرًا ما لقي بعض المسلمين منه صنوفًا من الأذى والتنكيل.

قال سعيد بن زيد رضي الله عنه، قريبه وزوج أخته [من رواية أحمد في الفضائل، بسند صحيح]: «والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي وأخته على الإسلام قبل أن يسلم...». وفي رواية: «لو رأيتني موثقي عمر على الإسلام أنا وأخته وما أسلم...» [البخاري].

وروى ابن إسحاق [في السيرة والسير، بسند حسن] أن ليلى - أم عبد الله - زوجة عامر ابن ربيعة، قالت: «والله إنا لنرتحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر - وهو على شركه - حتى وقف عليَّ، وكنا نلقى منه البلاء، فقال: أتنطلقون يا أم عبد الله؟ قالت: نعم والله لنخرجن في أرض الله، فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجًا. قالت: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا... قال: أطمعت في إسلامه؟ قلت: نعم. فقال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب»، وذلك لما كان يراه عامر من شدة عمر وغلظته على المسلمين.

وفي هذا الخبر دليل على نوازع الفطرة السليمة التي كانت تصطرع في نفسه مع غشاوات الجاهلية، إلى أن حانت ساعة جلاء هذه الغشاوة عن فطرته السليمة، فدخل في الإسلام، وتحولت شدته من شدة في الباطل إلى شدة في الحق.

وعندما شرح الله عز وجل صدره للإسلام قال: «أي قريش أَنْقَلُ للحديث؟» فقيل له: جَمِيل بن مَعْمَر الجُمَحِيّ، فجاءه عمر فأخبره بإسلامه. فأسرع جميل إلى الكعبة، وصرخ في القوم بأعلى صوته، قائلًا: «ألا إن عمر صبأ»، وعمر خلفه يقول: «كذب، ولكن قد أسلمت...» ودخلوا معه في عراك طويل حتى أنقذه الله عز وجل منهم بالعاص بن وائل السهمي [أحمد: الفضائل؛ ابن إسحاق: السيرة والسير، بسند حسن].

أما القصة المشهورة في سبب إسلامه والتي تقول إنه كان في طريقه إلى محمد ﷺ لينال منه، فلقيه رجل علم منه ما يريد فتعجب منه لأن لا يعلم بإسلام أخته وزوجها. فغضب عمر وذهب إلى أخته وزوجها ووجد معهما خبَّابًا... فضربها حتى سال الدم منها، ثم وجد معهم آيات من سورة طه، فقرأها بعد أن أمرته أخته بالاغتسال إذا أراد مسَّها... ثم أسلم وذهب إلى الرسول ﷺ ليعلن إسلامه... ورد جوار خاله العاصي ليَضرب ويُضرب كما هو حال المستضعفين من المسلمين إلى أن أعز الله الإسلام... هذه القصة لم ترد بإسناد صحيح مقبول عند المحدثين، وإن كان بعض أجزائها قد ورد بأسانيد حسنة. فقد ضعَّفها وصي الله [حاشية الفضائل لأحمد]، وهمام، وأبو صعيليك، [حاشية سيرة ابن هشام] وغيرهم.

لقد كان إسلام عمر استجابة من الله تعالى لدعاء النبي ﷺ الذي كان يدعو به، وهو: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل، أو بعمر ابن الخطاب» [أحمد: المسند، بسند حسن].

فقد أعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب. وفي هذا روى البخاري عن ابن مسعود أنه قال: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب».

ورويت آثار كثيرة في إعزازه الإسلام، دلت على دوره الكبير في نصـرة الإسلام، من ذلك:

روى ابن إسحاق [في السيرة] عن عمر رضي الله عنه، قال: «لما أسلمت تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله ﷺ عداوة، قال: قلت: أبو جهل، فأتيت حتى ضربت عليه بابه، فخرج إليَّ، وقال: أهلًا وسهلًا، ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد ﷺ، وصدقت بما جاء به. قال: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به».

وروى ابن مسعود قال: «إن إسلام عمر كان فتحًا وإن هجرته كانت نصـرًا وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه» [ابن إسحاق: السيرة].

وروي عن صهيب الرومي أنه قال: «لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعا إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به» [ابن سعد].

وروي عن ابن عباس أنه قال: «لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم منا» [أحمد: فضائل الصحابة].

وروى ابن سعد من حديث محمد بن عبيد: «لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر، قاتلهم حتى تركونا نصلي».

وروي أن رسول الله ﷺ سماه الفاروق، أي الذي فرق بين الحق والباطل. [الذهبي: السيرة؛ ابن سعد].

ومع أن هذه الآثار لا تقبل بميزان المحدثين إلا أنه لا بأس من الاستئناس بها فيما لا يترتب عليه حكم شرعي أو لا يمس العقيدة.

ومما لا خلاف فيه أن إسلام عمر كان إعزازًا للإسلام، لقول الرسول ﷺ: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب».

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة