حجم الخط:

ب- بيعة العقبة الثانية:

وفي موسم الحج التالي من العام الثالث عشر للبعثة، قدم مكة لأداء مناسك الحج مجموعة كبيرة من مسلمي المدينة، ضمن حجاج كثيرين من مشـركي المدينة، وكان زعيمهم جميعًا البَرَاء بن مَعْرُور [ابن إسحاق: السيرة، بسند حسن].

وقد تساءل مسلمو الأنصار فيما بينهم حتى متى يتركون رسول الله يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف [أحمد: المسند، وسنده صحيح].

وجرت بينهم وبين الرسول اتصالات سرية أدت إلى الاتفاق على تحديد زمان ومكان اللقاء؛ لإبرام اتفاق من أعظم وأهم الاتفاقيات في تاريخ الإسلام.

وقد روى ابن إسحاق [في السيرة، بسند حسن] قصة هذا اللقاء عن كعب بن مالك، قال رضي الله عنه: «... ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله العقبة من أوسط أيام التشريق. فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله لها... فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا في رحالنا لميعاد رسول الله نتسلل تسلل القَطَا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشِّعْب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نَسِيبَةُ بنت كَعْب - أمُّ عُمَارَة - وأسماء بنت عمرو بن عدي... وهي أُمُّ مَنِيع.

«فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله حتى جاءنا ومعه عمه العباس ابن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: «يا معشـر الخزرج - وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها - إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن رأيهم مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وأنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإذا كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. فإنه في عِزٍّ وَمَنَعَةٍ من قومه وبلده». قال: فقلنا له: «قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت».

فتكلم رسول الله ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغَّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم»، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: «والذي بعثك بالحق نبيًا لنمنعنك مما نمنع منه أُزْرَنَا، فَبَايِعْنَا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحَلْقَةِ[السلاح]، ورثناها كَابِرًا عن كابر». فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ، أبو الهَيْثَم بن التَّيِّهان، فقال: «يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حِبَالًا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عَسَيْتَ إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتَدَعَنَا؟»، فتبسم رسول الله ثم قال: «بَلِ الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الهَدْمُ [أي: ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم]، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم».

بعد الاتفاق على شروط هذه البيعة، وقبل الشـروع في عقدها، أراد اثنان من الأنصار، ممن أسلم في مواسم حج عام إحدى عشرة واثنتي عشرة من المبعث، وهما: العباس بن عُبَادة بن نَضْلَة وأسعد بن زرارة، أرادا أن يبينا لقومهما حقيقة وخطورة الالتزام بهذه البيعة، حتى يبايعوا على علم ويقين تام، وليعرفا ويتأكدا من مدى استعداد الأنصار للجهاد والاستشهاد.

قال العباس بن نضلة: [كما روى ابن إسحاق في السيرة بسند مرسل] «هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟» قالوا: «نعم»، قال: «إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإذا كنتم ترون أنكم إذا نَهَكَتْ أموالُكُم مُصِيبَةٌ، وأشرافُكُم قتلًا، أَسْلَمْتُمُوه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَةِ الأموال، وقَتْلِ الأشراف، فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة»، قالوا: «فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فمالنا بذلك يا رسول الله إنْ نحن وفَّينا بذلك؟»، قال: «الجنة»، قالوا: «أبسط يدك»، فبسط يده فبايعوه».

وقال أسعد بن زرارة عندما قام الناس للبيعة: «رويدًا يا أهل يثرب، إنا لم نضـرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإمَّا أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإمَّا أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله»، فقالوا له: «يا أسعد، أَمِطْ عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها» [أحمد: المسند، بسند صحيح].

وعندما تأكد لأسعد موقف قومه، ضرب على يد الرسول - أي صافحه - مبايعًا، ثم تتابع القوم رجلًا رجلًا لمبايعة الرسول ، مبشرًا بالجنة من وفى بها [المصدر نفسه]. وذكر ابن إسحاق [في السيرة بسند حسن]، أن أول من ضرب على يد الرسول البراء بن معرور.

وأما عن كيفية مبايعة المرأتين فقد قال ابن إسحاق [في السيرة]: )يزعمون أنهما قد بايعتا - يعني صافحتا - وكان رسول الله لا يصافح النساء، إنما كان يأخذ عليهن، فإذا أقررن قال: «اذهبن فقد بايعتكن»(.

وعندما تمت البيعة قال لهم رسول الله [كما روى ابن إسحاق في السيرة]: «أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا، ليكونوا على قومهم بما فيهم» فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وهم:

عبادة بن الصامت، البراء بن معرور، عبد الله بن رواحة، سعد بن الربيع، أبو أمامة أسعد بن زرارة، سعد بن عبادة، المنذر بن عمرو، أسيد بن حضير، سعد بن خيثمة، عبد الله بن حَرَام، رَافع بن مالك، أبو الهيثم ابن التيهان. وذكر ابن إسحاق [في السيرة] جميع من حضر البيعة.

وروى ابن إسحاق [في السيرة بسند مرسل حسن] أن رسول الله قال للنقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي - يعني المسلمين - قالوا: نعم».

لقد روى البخاري ومسلم وابن إسحاق [في السيرة بسند حسن] بنود هذه البيعة. ولكن رواها أحمد [في المسند، بسند حسن] من حديث جابر، والبيهقي [في الدلائل بسند جيد] من حديث جابر وعبيد بن رفاعة بتفصيل أكثر مما جاء عند البخاري ومسلم وابن إسحاق.

قال جابر: «قلنا يا رسول الله علام نبايعك؟ قال:

1- على السمع والطاعة في النشاط والكسل.

2- وعلى النفقة في العسر واليسر.

3- وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

4- وعلى أن تقولوا في الله، ولا تأخذكم في الله لومة لائم.

5- وعلى أن تنصـروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة»، وهو لفظ أحمد والبيهقي مع اختلاف يسير.

أما لفظ ابن إسحاق المشار إليه فهو، قال ابن الصامت: «بايعنا رسول الله على السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وَأَثَرة علينا، وأن لا نُنازع الأمر أَهْلَهُ، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم».

بعد أن تمت البيعة وتعين النقباء، كان القوم على وشك مغادرة مكان اللقاء، فإذا بالشيطان يكتشف هذا اللقاء. وليتمكن زعماء المشـركين من المجيء والقبض على المسلمين قبل أن ينفضوا، صرخ الشيطان على العقبة بأنفذ صوت سُمع، قائلًا: «يا أهل الجَباجِب [منازل منى]، هل لكم في مُذَمَّم [المذموم] والصُّباة معه، قد اجتمعوا على حربكم؟» فقال رسول الله : «هذا أَزَبُّ [اسم شيطان] العقبة، هذا ابن أَزْيَبِ، اسمع أي عَدُوَّ الله، أما والله لَأَفْرُغَنَّ لك». ثم قال رسول الله : «أَرْفِضُّوا [تفرقوا] إلى رحالكم» [ابن إسحاق في السيرة بسند حسن]. [ويقال: ابن أُزَيب].

وعند سماع صراخ وقول هذا الشيطان، قال العباس بن عبادة بن نضلة: «والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا». فقال لهم رسول الله : «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم». فرجعوا وناموا حتى أصبحوا [المصدر نفسه].

قال كعب بن مالك: «فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه - والله - ما من حي من العرب أبغض إلينا إن نشبت الحرب بيننا وبينهم منكم. قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه. قال: وقد صدقوا، لم يعلموه. قال: وبعضنا ينظر إلى بعض... قال: ونفر الناس من منى فَتَنَطَّسَ [بالغوا في التحري عنه] القوم الخبر، فوجدوه قد كان».

وتقول الرواية: إنهم خرجوا في طلب القوم، ولم يدركوا غير سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو. فأفلت منهم المنذر وقبضوا على سعد، وعادوا به، مغلولة يداه إلى عنقه، ويجذبونه من شعره، ويلكزونه، حتى أنقذه الله منهم بجبير بن مطعم والحارث بن حرب، إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة المنورة في طريقها من الشام وإليها [المصدر نفسه].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة