تذكر كتب السيرة سببين لهذه الغزوة، الأول: أن يهود بني قينقاع أظهروا الغضب والحسد عندما انتصر المسلمون ببدر، ويظهر ذلك في موقفهم من الرسول ﷺ عندما جمعهم في سوقهم بعد بدر، وقال لهم: «يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا، فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا في قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا»، فأنزل الله: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٢﴾ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴿١٣﴾ ﴾[آل عمران:12-13][أبو داود، وحسنها ابن حجر في الفتح].
والسبب الثاني: هو أن أحدهم عقد طرف ثوب امرأة مسلمة في سوق بني قينقاع، فلما قامت انكشفت، فصاحت مستنجدة، فقام أحد المسلمين فقتل اليهودي، وتواثب عليه اليهود فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود. فغضب المسلمون، ووقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. [ابن هشام، برواية يستأنس بها كما ذكر الألباني في دفاع].
وإذا قبلنا تحسين ابن حجر لرواية ابن إسحاق في السبب الأول، فهذا لا يعني أن سبب إجلائهم يعود إلى رفضهم الدخول في الإسلام، لأن الإسلام في هذه المرحلة كان يقبل التعايش السلمي معهم، وأن نصوص صحيفة المدينة تؤكد إعطاء اليهود حريتهم الدينية في المدينة، وإنما يعود سبب الإجلاء إلى ما أظهروه من روح عدائية ضد المسلمين، انتهت إلى الإخلال بالأمن داخل المدينة، ومن ذلك قصة المرأة المسلمة معهم. [د. العمري: المجتمع المدني].
وكذلك قصة شاس بن قيس القينقاعي الذي مر على نفر من أصحاب الرسول ﷺ من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم، فغاظه ما رأى من ألفتهم في الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فأمر أحد شباب اليهود ليجلس معهم ويذكرهم بحروبهم في الجاهلية، مثل يوم بعاث. [ابن إسحاق؛ الطبري: التفسير، وأسانيدهم تعتضد].