حجم الخط:

ثانيًا: الإذن بالهجرة، والتخطيط لها ثم الشروع فيها:

بعد اتخاذ هذا القرار، أتى جبريل رسول الله وأخبره به، وأمره بعدم المبيت على فراشه هذه الليلة، والهجرة.

روى البخاري والطبري [في التاريخ، بسند حسن]، من حديث ابن إسحاق أنه عندما أذن للرسول وأمر بالهجرة جاء متقنعًا إلى منزل أبي بكر رضي الله عنه في وقت لم يعتد أن يزوره فيه، في نحر الظهر - أو النهار - وهو أشد ما يكون في حرارة النهار. وعندما أخبر أبو بكر بقدومه، علم أن قدومه في تلك الساعة وبتلك الكيفية، إنما هو لأمر خطير.

وعندما أذن له أبو بكر بالدخول، طلب أن يخرج من عنده حتى لا يعرف ما يقول له، وطمأنه أبو بكر بأن من عنده هم أهل الرسول ، ثم أخبر أبا بكر بأن الله قد أذن له بالهجرة، وطلب أبو بكر أن يصحبه، فأكد له ما سبق أن ألمح له به من قبل. وأراد أبو بكر من الرسول أن يأخذ إحدى الراحلتين، فوافق الرسول ، ولكن على أن يدفع ثمنها.

إن قول أبي بكر للرسول بأن من عنده هم أهل الرسول يريد بذلك عائشة وأسماء رضي الله عنهما، وهما مسلمتان، وعائشة رضي الله عنها قد عقد عليها الرسول ، فهي زوجته، فلا خوف منهما. وقد صرح بهذا المعنى موسى بن عقبة في روايته، [عند ابن حجر في الفتح]، فقال: «أخرج من عندك، قال: لا عين عليك، إنما هما ابنتاي»، وفي روايته عن ابن شهاب، قال: «قالت عائشة: وليس عند أبي بكر إلا أنا وأسماء» - وفي رواية ابن إسحاق [في السيرة، ووصلها الطبري في تاريخه، بسند حسن]: «إنما هما ابنتاي».

عند لقاء الرسول بأبي بكر أخذا في وضع خطة للهجرة تبطل كيد الكافرين. وكانت الخطة كالآتي، كما ذكرها البخاري وابن إسحاق:

1- أن يخرجا ليلًا إلى غار ثَوْر [البخاري]، في الجهة الجنوبية الغربية من مكة، وفي هذا تمويه على الكفار، لأن أنظارهم ستتجه للبحث عن الرسول في الجهة الشمالية - جهة المدينة.

2- أن يمكثا في الغار لمدة ثلاثة أيام [المصدر نفسه، وغيره]، حتى يخف الطلب عنهما.

3- استأجرا دليلًا ماهرًا عارفًا بمسلك طرق الصحراء، ليقودهما إلى المدينة، وهو عبد الله بن أُرْقُد [و: أريقط تصحيف] الدَّيْلي، وكان مشركًا. واستكتماه الخبر. واتفقا معه على أن يلحق بهما في غَار ثور بعد ثلاثة أيام. ودفعا إليه بالراحلتين اللتين اشتراهما أبو بكر، وكان يعلفهما لهذا اليوم [البخاري].

4-أعدت لهما أسماء زادًا ووضعته في جراب، وقطعت من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق، وفي رواية: ذات النطاقين [البخاري؛ ابن إسحاق: السيرة؛ ابن سعد].

5- وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقوله الناس عنهما في النهار، فيأتيهما به بالليل في الغار، ثم يرجع إلى مكة في السَّحَر، ليصبح مع قريش. [البخاري وابن إسحاق في السيرة].

6- وأمر مولاه عامر بن فُهَيْرَة أن يرعى غنمه نهاره ثم يُريحَها عليهما في الغار إذا أمسى، ليطعما من ألبانها [البخاري]، ويذبحا منها للأكل، ويزيل بها آثار أقدام عبد الله ابن أبي بكر. [ابن إسحاق: السيرة].

7- وأمر أسماء أن تأتيهما من الطعام بما يصلحهما في كل مساء [المصدر نفسه].

8- وانطلق رسول الله إلى علي بن أبي طالب،فأمره أن يتخلف بعده بمكة ريثما يؤدي عن رسول الله الودائع والأمانات التي كانت عنده للناس، إذ لم يكن أحد من أهل مكة له شيء يخشى عليه إلا استودعه عند رسول الله لما يعلمون من صدقه وأمانته. [ابن إسحاق في السير معلقًا، ووصله الطبري في تاريخه بسند حسن].

9- وأمره أن ينام على فراشه ويتسجى ببرده الخضرمي الأخضر، الذي ينام فيه، وطمأنه بأنه لن يصل إليه منهم شيء يكرهه، وذلك للتمويه [أحمد: المسند، بسند حسن؛ الحاكم؛ ابن إسحاق: السيرة، وهو حسن بشواهده].

10- وأمر أبو بكر عامر بن فُهَيْرَة أن يصحبهما في هجرتهما ليخدمهما ويعينهما في الطريق [البخاري].

لقد أمر الله الرسول بهذه الهجرة بعد أن مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه [البخاري]. وعندما أمره بالهجرة، أنزل عليه قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴿٨٠﴾ [الإسراء:80] [أحمد: المسند، بسند صحيح]. وكان ما أراده من الله له في هذا الدعاء الموجز المعبر، والذي اختاره له الله ليجعله مفتاحًا للطمأنينة.

أما في الجانب الآخر، فقد اختار زعماء قريش في ندوتهم أحد عشـر زعيمًا يمثلون قبائل قريش المعادية للإسلام، فقضوا نهار يومهم ذاك في الإعداد لتنفيذ القرار الذي اتخذوه في دار الندوة.

ومع علم الرسول بهذا القرار، لم ينس أن يقوم بعمل إيماني بطولي، يعد بمفهومنا المادي اليوم (مغامرة)، بل قال عنه الذهبي (منكر)، أي غير منطقي. وهو أنه ذهب في تلك الليلة مع علي إلى الكعبة، وأمره أن يصعد على منكبه إلى فوق الكعبة، ليرمي صنم قريش الذي كان من نحاس وموتد بأوتاد من حديد. وعندما كان علي يعالج الصنم ليفكه، كان الرسول يقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا».

وتمكن علي من فكه ورميه وتكسيره، وانطلقا ولم يرهما أحد، ولم يرفع الصنم بعد ذلك [الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي وأنكر متنه].

وهذا التصرف عندنا لمن المعجزات الدالة على عناية الله سبحانه وتعالى برسوله .

فلما كانت عَتْمَةٌ من الليل اجتمع القوم المنوط بهم تنفيذ الخطة على باب الرسول يترقبون نومه، ليثبوا عليه، وكان معهم أبو جهل، ليطمئن على سير الخطة، ويشجعهم على التنفيذ. ومما كان يفعله بهذا الصدد:السخرية من محمد والتشكيك في دعوته، فتراه يقول لهم: «إن محمدًا يزعم أنكم إذا تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم،ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها» [ابن إسحاق: السيرة، وسنده مرسل حسن].

وبينما هم على هذه الحالة خرج عليهم رسول الله ، وقد سمع كلام أبي جهل، فأخذ حفنة من تراب، ثم قال: «أنا أقول ذلك، أنت أحدهم، فجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهم لا يرونه، لأن الله قد أخذ على أبصارهم، وهو يتلو الآيات من سورة (يس): ﴿ يس ﴿١﴾ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [يس:1-9]. وتركهم على هذه الحالة، ثم خرج» [ابن إسحاق: السيرة].

قال السهيلي: (...فذكر بعض أهل التفسير السبب المانع لهم - أي الكفار - من التقحم عليه في الدار مع قصر الجدار، وأنهم إنما جاءوا لقتله، فذكر في الخبر أنهم هموا بالولوج عليه، فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها للسبة في العرب أن يتحدث عنا أنَّا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا، فهذا هو الذي أقامهم بالباب حتى أصبحوا ينتظرون خروجه، ثم طمست أبصارهم عنه حين خرج..). وعبارة الشامي [في السبل]: (..أن بعض أهل السير ذكروا السبب المانع من ذلك مع قصـر الجدار)، فذكر هنا أن المصدر هو أهل السير وليس أهل التفسير كما عند السهيلي.

وعندما خرج أبو بكر كان يحمل معه كل ماله، وقدره خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم [ابن إسحاق في السيرة، بسند حسن].

وفي طريقهما إلى الغار، وقبل أن تختفي مكة عن الأنظار، نظر إليها الرسول بعاطفة مشحونة بالذكريات، تدل على حبه لها لما بها من رموز في حياته. فكيف لا يحبها وقد أحبها الله عز وجل وجعل بها بيته المقدس، وفيها أرسله الله إلى العالمين.

وقف ينظر إليها وهو يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك لما خرجت» [الألباني: صحيح الترمذي].

وقال عنها في رواية أخرى: «ما أطيبك من بلد وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك».

أما المتآمرون، فعندما رآهم أحد الناس أمام الباب، سألهم عن سبب وجودهم أمامه، فأخبروه الخبر، فأعلمهم أن النبي قد خرج فلم يصدقوه، لأنهم يرون عليًا نائمًا على فراش النبي ، فظنوه محمدًا . ولم يكتشفوا الحقيقة إلا عندما قام علي من الفراش في الصباح [ابن إسحاق: السيرة، مرسلًا، يعتضد بغيره].

وعند هذا أخذوا في وضع الخطط للعثور عليه، ومن ذلك:

1- إلقاء القبض فورًا على علي وضربه وسحبه إلى الكعبة، ثم اعتقاله بعضًا من الوقت، لحين التحقيق معه، للوصول إلى معلومات تفيدهم في العثور على الرسول . ولكنهم فشلوا معه [المباركفوري والمنصورفوري ولم يحددا المصدر].

2- جاء نفر منهم إلى منزل أبي بكر رضي الله عنه وفيهم أبو جهل، لعلهم يجدونه هناك ويفعلون به مثلما فعلوا بعلي. فخرجت إليه ابنته أسماء، فسألوها عن والدها، فقالت: إنها لا تدري أين هو، فغضب أبو جهل لهذا الجواب، فلطمها لطمة طرح منها قُرْطَها [ابن إسحاق: السيرة].

3- وضعوا جميع الطرق النافذة من مكة تحت المراقبة الدقيقة.

4- قرروا منح جائزة مقدارها دية كل من الرسول وأبي بكر رضي الله عنه لمن يعثر عليهما حيين أو ميتين [البخاري، ابن إسحاق: السيرة، وقال إن الجائزة مئة ناقة لمن يرد الرسول إليهم].

5- استأجروا قصاص الآثار، ليتبعوا آثارهما حيثما حلا [ابن حجر: الفتح. وقال ابن حجر في الإصابة (3/293): (ذكر أبو سعيد -في شرف المصطفى- أن المشركين كانوا استأجروا كُرْز ابن علقمة لما خرج النبي مهاجرًا، فقفا أثره حتى انتهى إلى غار ثور، فرأى نسج العنكبوت على باب الغار، فقال: «إلى هنا انتهى أثره، ثم لا أدري أخذ يمينًا أو شمالًا أو صعد الجيل»]).

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة