حجم الخط:

جـ- قريش تسعى لإعادة المهاجرين:

روى ابن إسحاق [في السيرة والسير، بسند حسن]، من حديث أم سلمة رضي الله عنها في هجرة الحبشة، أنها قالت: «لما نزلنا أرض الحبشة جَاوَرْنا بها خَيْرَ جَارٍ النجاشيّ، أَمِنَّا على ديننا، وَعَبْدنا الله تعالى لا نُؤْذَى ولا نسمع شيئًا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جَلْدَين، وأن يَهْدُوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأَدَمُ [الجلود]، فجمعوا له أَدَمًا [جلودًا] كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية. ثم بعثوا بذلك عبد الله ابن أبي ربيعة [أحمد: المسند، بسند حسن] وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. فخرجا حتى قدما على النجاشي... فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلِّما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضَوَى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم...».

وفي الحديث أن الوفد اتفق مع البطارقة أن يشيروا على النجاشي بأن يسلمهم إليهم ولا يكلمهم. ولكن النجاشي عندما أشير إليه بذلك رأى أن يدعو المسلمين ويستمع بنفسه إلى ما يقولونه. وعندما حضروا أمامه تكلم نيابة عنهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فأوضح للنجاشي حقيقة الدين الذي جاء به محمد ﷺ، وموقف قومهم منه.

وعندما طلب النجاشي شيئًا مما جاء به ﷺ قرأ عليه جعفر صدر سورة مريم. فبكى النجاشي حتى ابتلت لحيته، وبكى أساقفته حتى ابتلت كتبهم التي يحملونها.

ثم قال النجاشي مخاطبًا سفيري قريش: «إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، والله لا أسلمهم إليكما أبدًا».

وعندما خرجا، قال عمرو لعبد الله: «والله لآتينه غدًا بما يبيد خضراءهم».

فلما كان الغد جاء عمرو إلى النجاشي وقال له: «إن هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا». فأرسل النجاشي إليهم، وعندما جاؤوه سألهم عن قولهم في المسيح، فقال جعفر: «نقول فيه الذي جاءنا به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول».

فأخذ النجاشي عودًا من الأرض، وقال لجعفر: «ما عدا عيسى ما قلت قدر هذا العود». ولم يأبه لا متعاض بطارقته، فأعطى المسلمين الأمان في بلاده، ورد هدية قريش [ابن إسحاق: السير والمغازي، حديث أم سلمة].

أخفقت سفارة قريش في مهمتها، ولم تجد قريش أمامها غير التشفي ممن هم تحت أيديها.

أما الإسلام فقد كسب إلى جانبه النجاشي وعمرو بن العاص، كما سيأتي ذكره.

ومكث المسلمون ما شاء الله لهم، فعاد من عاد منهم بعد هجرة المسلمين إلى المدينة وقبل وقعة بدر، وهم ثلاثة وثلاثون رجلًا وثماني نسوة [البخاري وغيره]. وعاد الباقون مع جعفر رضي الله عنه عندما فرغ الرسول ﷺ من فتح خيبر في العام السابع الهجري [البخاري وغيره].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة