وخلاصة القول: إن أمهات المؤمنين اللائي توفي عنهن رسول الله ﷺ كن معلمات ومفتيات لنساء الأمة الإسلامية ورجالها في القضايا النسائية والأحكام الشـرعية والآداب الزوجية والحكم النبوية، وكن قدوة صالحة في الخير والبر والإحسان، كما كان الرسول ﷺ المثل الأعلى في حسن الخلق وطيب العشـرة مع نسائه. فقد عاشرهن بالمعروف، وعدل بينهن وعلمهن الأحكام الشرعية الخاصة بالنساء. وسياسة النبي ﷺ في تعدد الزوجات هي السياسة الرشيدة التي اقتضتها ظروف الدعوة الإسلامية في ذلك الوقت، ومن الصعب أن تقوم زوجة واحدة بمهام تبليغ تلك الأحكام إلى الناس». [الصواف: زوجات النبي ﷺ].
ولم يكن هناك ما يغريهن بالبقاء في بيت الرسول ﷺ سوى هذه المهمة الجليلة، لأن الأخبار قد تواترت لتقطع بأن زوجات الرسول ﷺ كن يعشن في شظف من العيش إلى الحد الذي طالبنه فيه بزيادة النفقة عليهن، فخيرهن الرسول ﷺ بين الطلاق وبين قبول هذه المعيشة الصعبة معه. [متفق عليه]، وذلك في قصة طويلة وثابتة بنص القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿٢٨﴾ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾ ﴾[الأحزاب:28-29].
ويلحظ أن من بين زوجات الرسول ﷺ، الصغيرة التي ما تزال تلعب مع أترابها بلعب الأطفال، والمسنة، وابنة عدو لدود، وابنة صديق حميم، ومنهن من كانت تشغل نفسها بتربية الأيتام، ومنهن من تميزت على غيرها بكثرة الصيام والقيام... إنهن نماذج لأفراد الإنسانية، ومن خلالهن قدم رسول الله ﷺ للمسلمين تشـريعًا فريدًا في كيفية التعامل السليم مع كل نموذج من هذه النماذج البشرية.
وعندما انتقل الرسول ﷺ إلى المدينة لم يكن أمر العداء قاصرًا على قريش، بل تعداها إلى غيرها من قبائل العرب، فاقتضت الحكمة أن يجمد الرسول ﷺ بعض أطراف هذا العداء، وذلك بالإصهار إلى قبائل شتى، لأن أعراف العرب كانت تقضي بأن يحمي أهل المرأة زوج امرأتهم، كما تفيد ذلك لغتهم، إذ يسمون أنفسهم بالأحماء - من الحماية -.
ولما كانت هذه المصلحة يمكن أن تستغل استغلالًا سيئًا، نظرًا لأن الأمور الجنسية تتبعها النفوس اللاهثة، فقد جعل الله تعالى ذلك التعدد بتلك الكيفية خاصًا برسول الله ﷺ، وحدد عدد الزوجات لغيره بأربع زوجات كحد أقصى. [رواس: قراءة جديد للسيرة].
وتجدر الإشارة هنا أيضًا إلى أن من دلائل سمو أهداف تعدد زوجات الرسول ﷺ ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ خطب امرأة من قومه يقال لها سودة، فاعتذرت [وهي غير سودة بنت زمعة أم المؤمنين، لم يعرف نسبها، ولذلك ترجمها الحافظ في الإصابة (4/ 339) باسم سودة القرشية]، وكانت مُصْبِيَة، لها خمسة صبية أو ستة، من بعل لها مات، فقال رسول الله ﷺ عندما اعتذرت: «ما يمنعك مني؟»، قالت: والله يا نبي الله، ما يمنعني منك أن لا تكون أحبَّ البَرِيَّة إليَّ، ولكني أكرمك أن يَضْغُوَ هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية، قال: «فهل منعك مني غير ذلك؟» قالت: لا والله، قال لها رسول الله ﷺ: «يَرْحَمُكِ الله، إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل صَالِحُ نساء قريش، أحناه على ولد في صِغَرٍ، وأرعاه على بَعْلٍ بذات يد». [أحمد، حسن] وقال ابن حجر. [الفتح] بعد سياقه هذا الحديث: (وأصله في البخاري من وجه آخر، لكن لم يسمها). وأشار كذلك إلى أصله عند مسلم.