ثبت في الصحيح [البخاري] أن الرسول ﷺ أجلى بني النضير عندما حاربوا، وفصلت الكتب الأخرى، وخاصة كتب المغازي والسير، كيفية هذا الجلاء ونوعية الحرب التي حاربوها.
وصح أن الرسول ﷺ حاصرهم بالكتائب، وقال لهم: «إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك، هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب، وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلْقة - السلاح - فجاءت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم، فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها». [عبد الرزاق؛ أبو داود؛ البيهقي في الدلائل].
وقد ثبت بنص القرآن ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ روى البخاري أنها نزلت عندما حرق وقطع الرسول ﷺ نخل بني النضير، [وهي البويرة]. أن النبي ﷺ حرق وقطع بعض نخل بني النضير خلال مدة الحصار، وثبت في الحديث الشريف [أحاديث البخاري في باب بني النضير، المصدر نفسه، وسنن الترمذي (5/157- 158/ تحفة الأحوذي)، وسنن ابن ماجه] أن النبي ﷺ حرق وقطع بعض نخل بني النضير خلال مدة الحصار.
وتذكر بعض الروايات أنهم أُجْلُوا إلى الشام [عبد الرزاق، بسند صحيح] والبعض الآخر يذكر أنهم توجهوا إلى خيبر [ابن هشام]. وفي رواية ابن إسحاق ما يجمع بين هذه الروايات، حيث قال: «فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم من سار منهم إلى خيبر: سَلَّام بن أبي الحُقَيْق وكِنَانَة بن الربيع بن أبي الحُقَيْق وحُيَيّ ابن أَخْطَب. فلما نزلوها دان لهم أهلها». ويؤيده في ذلك الأحداث اللاحقة الثابتة بالمرويات القوية، مثل أخبار قتالهم في غزوة خيبر، وقتل كنانة وأسر صفية، وخبر سلام ابن أبي الحقيق. [انظر د. العمري: المجتمع المدني].
وقد أسلم منهم اثنان، هما: يَامِين بن كعب وأبو سعد بن وهب، ولذا أحرزا أموالهما. [ابن إسحاق].
أما الأموال والنخيل فكانت لرسول الله ﷺ وذلك بنص الآية: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ﴾[الحشر:6] ونزول سورة الحشر في بني النضير [كما روى البخاري]، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكُرَاع عُدَّة في سبيل الله. [البخاري].
وقسم الرسول ﷺ أرضهم بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار أحدًا سوى سهل ابن حَنِيف وأبي دُجَانَة، وذلك لفقرهما. [عبد الرزاق؛ أبو داود؛ ابن إسحاق].
ولم يتوقف زعماء بني النضير عن مكائدهم بعد كل هذا، فقد حرضوا الأحزاب، فكانت غزوة الخندق. [يأتي ذكره].