لم تضع الحرب أوزارها بين مشركي مكة والمسلمين إلا بعد فتح مكة في العام الثامن الهجري, ولذا فمن البدهي أن تحاول قريش في كل مرة القضاء على قوة المسلمين التي ترى فيها تهديدًا مستمرًا لطرق قوافلها وخطرًا على مكانتها بين العرب.
أرادت قريش في هذه المرة أن تحسم هذا الصراع مع المسلمين لصالحها, فحشدت له أكبر قوة ممكنة، حيث لجأت إلى التحالف مع كل من له مصلحة في القضاء على المسلمين. ووجدوا أكبر ضالة لهم في يهود بني النضير الذين أجلوا عن المدينة, ووجد اليهود ضالتهم في قريش, فقد التقت أهداف الفريقين, وهو القضاء على المسلمين.
كان أول ما فكر فيه زعماء بني النضير الذين خرجوا إلى خيبر أن يتصلوا بقريش والقبائل الأخرى للثأر لأنفسهم والطمع في العودة إلى ديارهم وأملاكهم في المدينة. فخرج وفد منهم إلى مكة, منهم: سلام بن أبي الحقيق, وحيي بن أخطب, وكنانة بن أبي الحقيق النضريون, وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان, في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل, فدعوا قريشًا إلى حرب رسول الله ﷺ ووعدوهم بالقتال معهم, حتى يستأصلوه, وأفتوهم بأن دينهم خير من دين محمد ﷺ, وأنهم أولى بالحق منه, وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴿٥١﴾ ﴾[النساء:51] [ابن إسحاق, والبداية وتفسير الطبري]. ثم اتجهوا بعد هذا إلى قبيلة غطفان النجدية الكبرى، وأغروها بالتحالف معهم ومع قريش على حرب المسلمين [ابن كثير في التفسير من حديث ابن إسحاق بسند حسن], على أن يكون لهم نصف ثمر خيبر, إذا اشتركت معهم في الحرب, [الواقدي]. وكان وافدهم إلى غطفان كِنَانة بن الرَّبيع بن أبي الحُقَيق, فأجابه عُيَينَة ابن حِصْن الفَزَاري إلى ذلك. [البيهقي في الدلائل, وابن حجر في الفتح من حديث ابن عقبة].
وكتب المشركون إلى حلفائهم من بني أسد, فأقبل إليهم طلحة بن خويلد فيمن أطاعه, وخرج أبو سفيان بقريش ومن اتبعه من قبائل العرب, فنزلوا بمر الظهران؛ فجاءهم من أجابهم من بني سليم مددًا لهم بقيادة سفيان بن عبد شمس، والد أبي الأعور [المصدرين نفساهما], وبنو مرة بقيادة الحارث بن عوف, وأشجع بقيادة مِسْعَر بن رُخَيْلَة [ابن إسحاق]. وسارت مع قريش الأحابيش [قبائل تحالفت عند جبل حبشي] ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة [نفسه], فصاروا في جمع عظيم, فهم الذين سماهم الله تعالى الأحزاب [ابن هشام], وذكر ابن إسحاق أن عدتهم عشـرة آلاف بينما كان المسلمون ثلاثة آلاف.
تحرك هذا الجيش العرمرم من مر الظهران في طريقه إلى المدينة. فنزلت قريش ومن سار معها بمجتمع الأَسْيَال من رُومة, بين الجُرُف وزُغابة. ونزلت غطفان بذَنب نَقْمِي إلى جانب أحد [ابن إسحاق], ونزل معهم بنو أسد. [البيهقي في الدلائل وابن حجر في الفتح من حديث ابن عقبة].
فلما سمع بهم رسول الله ﷺ وما أجمعوا له من الأمر, استشار الصحابة, وقد أشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق [ابن سعد؛ الواقدي, ابن حجر: الفتح من حديث أبي معشر] في المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الغزاة, أما الجهات الأخرى فكانت كالحصن تتشابك فيها الأبنية وأشجار النخيل وتحيطها الحَرَّات التي يصعب على الإبل والمشاة التحرك فيها. [البيهقي: الدلائل؛ ابن حجر: الفتح من حديث ابن عقبة مرسلًا].
ووافق الجميع على هذه الفكرة لعلمهم بكثرة الجموع القادمة لحربهم, وشرعوا في حفر الخندق الذي يمتد من أجم الشيخين طرف بن حارثة شرقًا حتى المَذاذ غربًا, وكان طوله خمسة آلاف ذراع, وعرضه تسعة أذرع, وعمقه من سبعة أذرع إلى عشـرة. وكان على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعًا [تفسير الطبري؛ المجمع, فتح الباري, تعتضد]. حفر المهاجرون من ناحية حِصْن رَاتِج في الشرق إلى حصن ذُباب, والأنصار من حصن ذُباب إلى جبل بني عُبَيْد في الغرب. [أحمد: المسند؛ ابن سعد؛ الواقدي].
وكان طعامهم أثناء الحفر القليل من الشعير يخلط بدهن متغير الرائحة لقدمه, ويطبخ فيأكلونه على الرغم من بشاعة طعمه في الحلق ورائحته المُنْتِنَة, وذلك لشدة جوعهم [البخاري]. وحتى هذا لا يجدونه أحيانًا فيأكلون التمر [ابن إسحاق], وأحيانًا لا يجدون هذا ولا ذاك لمدة ثلاثة أيام متتالية, إلى الحد الذي يعصب فيه النبي ﷺ بطنه بحجر من شدة الجوع [البخاري].
وشارك جميع المسلمين في الحفر, لا فرق بين غني وفقير ومولى وأمير, وأسوتهم في ذلك الرسول ﷺ الذي حمل التراب حتى اغبر بطنه ووارى التراب جلده؛ وكان الصحابة يستعينون به في تفتيت الصخرة التي تعترضهم ويعجزون عنها, فيفتتها لهم [متفق عليه].
ويردد معهم الأهازيج والأرجاز لتنشيطهم للعمل, فيقول:
| «اللهم لولا أنت ما اهتدينا فأنزلن سكينة علينا إن الأُلى قد بغوا علينا |
| ولا تصدقنا ولا صلَّينا وثبِّت الأقدام إن لاقينا وإن أرادوا فتنة أبينا» |
وكان يمد بها صوته بآخرها [متفق عليه].
ويرتجز المسلمون وهم يعملون:
| «نحن الذين بايعوا محمدا |
| على الإسلام ما بقينا أبدا» |
فيجيبهم بقوله:
«اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة, فبارك في الأنصار والمهاجرة» [متفق عليه]. وربما يبدؤهم بقوله فيردون عليه بقولهم. [نفسه].