لم يثبت المشركون طويلًا في هذه الجولة الثانية من القتال، ففروا في نهاية اليوم مخلفين وراءهم كثيرًا من القتلى والأموال [ابن إسحاق، حسن]، وكان الرسول ﷺ قد أمر بتعقب الفارين وجزِّهم [البزار، برجال ثقات] لكسر شوكتهم حتى لا يجتمعوا للحرب مرة أخرى، ولذا عندما فرغ من حنين بعث أبا عامر - عُبَيْد بن سليم بن حضار الأسلمي - على جيش إلى أَوْطَاس [واد في بلاد هوازن] لقتال الكفار الذين عليهم دريد ابن الصمة، فجالدهم أبو عامر الأشعري حتى استُشهد، وطلب من أبي موسى الأشعري، الذي خلفه في القيادة أن يبلغ الرسول ﷺ سلامه، وأن يطلب منه أن يستغفر له، فأكمل الأشعري المهمة وهزم الله على يديه الأعداء، وبلغ رسالة أبي عامر، فدعا الرسول ﷺ لأبي عامر. [متفق عليه].
وفي رواية أنه عندما انهزم المشركون انحاز دريد بن الصمة في ستمئة نفس إلى جبيل أو أكمة، فلحق بهم الزبير بن العوام وجماعة من المسلمين فقضوا على ثلاثمئة منهم، منهم دريد بن الصمة نفسه. [البزار، حسن].
والذي نرجِّحه أن الزبير بن العوام كان في جماعة أبي عامر، فباشر قتل ابن الصمة، لأن رواية البخاري لم تبين القاتل، وقيل: إن الذي قتله رَبِيْعة بن رُفَيْع [ابن إسحاق]، وقيل عبد الله بن قُنَيْع بن أُهْبَان بن ثَعْلَبَة بن رَبِيعَة. [نفسه].
لقد انجلت المعركة عن نصر مبين للمسلمين، ومقتل وجرح عدد كبير هوازن وثقيف. فقد روي أن قتلى بني مالك من ثقيف لوحدها قد بلغ سبعين قتيلًا [البيهقي، الدلائل]، ولم يقتل من الأحلاف سوى رجلين، أحدهما من بني غِيَرَة والآخر من بني كُبَّة [ابن إسحاق]. وقتل بأوطاس من بني مالك ثلاثمئة، ومعهم دريد بن الصمة، كما ذكرنا، وقتل خلق كثير من بني نصر بن معاوية ثم من بني رِئاب، حيث استحر فيهم القتل، حتى قال عبد الله بن قيس - وكان مسلمًا-: يا رسول الله، هَلَكَتْ بنو رِئَاب، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اجبر مُصِيْبَتَهُم». [ابن إسحاق، ابن سعد].
وعندما لجأ المشركون إلى أوطاس ولحق بهم المسلمون، قتل أبو عامر وحده تسعة إخوة منهم قبل أن يستشهد، وقتل أبو موسى الأشعري أخوين من بني جُشَم ابن معاوية [ابن هشام]. وقتل أبو طلحة وحده يوم حنين عشـرين رجلًا من المشـركين وأخذ سلبهم، لأن رسول الله ﷺ قد أباح سلب المشرك لقاتله. [أبو داود، حسن].
ونهى رسول الله ﷺ يومذاك عن قتل النساء والأطفال والأجراء وكل من لا يحمل السلاح، وذلك عندما مرَّ بامرأة قتلها خالد بن الوليد [ابن إسحاق] والناس متزاحمون عليها، وقال: «ما كانت هذه تقاتل». [الحاكم صحيح، أحمد، صحيح، أبو داود، صحيح].
أما بالنسبة للسبي والغنائم، فقد روي أن سبي حنين قد بلغ ستة آلاف من النساء والأبناء [عبد الرزاق؛ ابن سعد؛ الطبري: التاريخ]، وأن الأموال كانت أربعة آلاف أوقية فضة، وأن الإِبل كانت أربعة وعشرين ألفًا، وأن الشياه أكثر من أربعين ألف شاه. [ابن إسحاق، ابن سعد].
وحبس الرسول ﷺ هذا السبي والغنائم بالجِعْرَانَة ليتصرف فيها بعد الفراغ من أمر الطائف، كما سنرى.
وروي أن الشِّيماء بنت الحارث كان ممن وقع في الأسر، فادعت أنها أخت الرسول ﷺ من الرضاعة، فقال لها الرسول ﷺ: «وما علامة ذلك؟»، قالت: عَضَّة عَضِضْتَنيها في ظهري وأنا مُتَوَرِّكَتُكَ، فعرف الرسول ﷺ العلامة، فمتعها وردها إلى أهلها كما طلبت. [ابن إسحاق، الذهبي: المغازي، من مرسل قتادة - حسن].
وروي أن أمه من الرضاعة - حليمة السعدية - جاءته، فأكرمها وبسط لها ثوبه لتجلس عليه [الطبري: التفسير، من مرسل قتادة - حسن، من مرسل عطاء].
وكانت خسارة المسلمين طفيفة جدًا، فقد استشهد أربعة منهم، هم: أبو عامر الأسلمي، وأيمن بن عُبَيد، ويزيد بن زمْعَة بن الأسود، وسُرَاقَة بن الحارث [ابن إسحاق]. وجرح عدد منهم، منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي [البزار، حسن]، وعبدالله ابن أبي أوفى [البخاري]، وخالد بن الوليد. [الحميدي: المسند، حسن].
عندما انهزمت هوازن وثقيف وأحلافهم تفرقوا في الأودية والجبال، فلجأت ثقيف بقيادة مالك بن عوف إلى حصونها بالطائف، ولجأ آخرون إلى وادي أوطاس، وانحاز بنو غيرة إلى نخلة. وقد تبعت خيل المسلمين من سلك إلى نخلة، ولم تتبع من سلك إلى الثنايا. [ابن إسحاق].