حجم الخط:

شهوده حلف الفضول أو المطيبين

[المطيبون: هاشم، وزهرة، ومخزوم. قاله بعض رواة حديث أبي هريرة عند البيهقي في الدلائل (2/38)]. وقال البيهقي: (كذا روي هذا التفسير من رجال الحديث، ولا أدري قائله...) وقد سبق القول: إن ابن إسحاق [ابن هشام 1/ 179- 181]، أشار إلى حلف المطيبين، وهو اختلاف قريش بعد قصي: بني عبد مناف ومن حالفهم، وبني عبد الدار ومن حالفهم... فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبًا عند الكعبة... ثم غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدًا على أنفسهم فسموا بالمطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة على أن لا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضًا لعدو، فسموا الأحلاف...

روى أحمد [في المسند بسند صحيح] أن الرسول قال: «شهدت حلف المُطَيَّبِين مع عمومتي وأنا غلام، وما أحب أنَّ لي حمر النعم وأني أنكثه». وقال في رواية البيهقي [في الدلائل بسند قوي]: «ما شهدت حلفًا لقريش إلا حلف المطيبين، وما أحب أن لي حمر النعم وأني كنت نقضته».

قال البيهقي [في دلائله] معلقًا على هذا الحديث: (زعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول، فإن النبي لم يدرك حلف المطيبين». والراجح عندي قول أهل السير.

والبيهقي نفسه يقول في السنن الكبرى إن الرسول لم يدرك حلف المطيبين).

ذكر ابن الأثير [في النهاية] أنه يمكن الجمع بين رواية أحمد والبيهقي ورواية أهل السير أن حلف المطيبين قد تجدد في حياة الرسول وعرف باسم آخر هو (حلف الفضول)، والله أعلم.

وروى الحميدي [كما في البداية لابن كثير، بسند صحيح]، أن رسول الله قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعز ظالم مظلومًا». وروى ابن إسحاق [في السيرة، بسند مرسل صحيح]، أن الرسول قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت».

لقد عقد هذا الحلف بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم، على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، [كما روى ابن إسحاق في السيرة]. وكان ذلك في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة، منصرف قريش من حرب الفجار، ولرسول الله يومئذ عشرون سنة. وكان أول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب، عم رسول الله .

وكان سببه، أن رجلًا من زبيد، قدم مكة ببضاعة له، فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي، وكان ذو شرف، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار ومخزومًا وجمحًا وسهمًا، فأبوا أن يعينوه على العاص، وزجروه. فلما رأى الزبيدي الشر، رقى على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فقال بأعلى صوته:

«يا آل فهر لمظلوم بضاعته

ومحرم أشعث لم يقض عمرته

إن الحرام لمن تمت مكارمه

ببطن مكة نائي الدار والنفر

يا للرجال وبين الحِجْر والحَجَرِ

ولا حرام لثوب الفاجر الغدر»

فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: «ألهذا مترك؟» فاجتمعت قريش وزهرة وتيم، في دار عبد الله بن جدعان، فتحالفوا وتعاهدوا في ذي القعدة الحرام ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم.

حتى يؤدي إليه حقه ما بلَّ بحر صوفة[1]، وما رسا ثبير وحراء مكانهما، وعلى التأسي في المعاش. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر. ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها إليه [رواه ابن سعد].

ومن أبرز الحكم والعبر من خبر شهوده حلف الفضول:

1- إذا كان بعض أهل الجاهلية يرفضون الظلم بدوافع فطرية أو انسانية فأولى بأهل الإسلام رفضه بدوافع عقدية، لأن الإسلام، جاء حاثَّا على عدم الظلم ومتمشيًا مع الفطرة ومقومًا لها من أي انحراف.

ولا غرابة أن يؤكد الرسول على أهمية ذلك الحلف لأن مضمونه هو مضمون ما دعا إليه الإسلام في أمر إحقاق الحق وإبطال الظلم.

2- إن الدور الذي قام به الزبير في هذا الحلف لدليل على مروءة رجال البيت الهاشمي، وبيان فضلهم على غيرهم في مثل هذه المواطن، وحسبهم فضلًا وشرفًا أن الرسول كان منهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة