حجم الخط:

في الغار:

وعندما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر للرسول : «مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار»، فدخل فاستبرأه، ثم تذكر أنه لم يستبرئ الجحر الذي فيه، فقال: «مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ»، فدخل فاستبرأ، ثم قال: «انزل يا رسول الله»، فنزل الرسول إلى الغار [البيهقي في الدلائل، مرسلًا؛ الحاكم، مرسلًا، صححه ووافقه الذهبي]. [والاستبراء: التأكد من سلامة المكان من الآفات الضارة].

ركبت قريش في كل وجه يطلبون النبي . وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم، ويجعلون لهم الجعل العظيم، وأتوا على جبل ثور الذي فيه الغار، الذي فيه النبي ، وصعدوا فوقه، وسمع الرسول وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر وأقبل عليه الهم والخوف والحزن، وقال: «يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصـرنا تحت قدميه». فقال النبي : «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما»[متفق عليه]. وفي هذا نزل قول الله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ [التوبة:40] [متفق عليه].

وحمى الله نبيه في الغار من كل سوء. ومن أدلة حماية الله له ولصاحبه: ما روى أحمد [في المسند، بسند حسن] أن قريشًا اقتفوا أثرهما، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت. فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه. وروي مثله عن الحسن البصري، وزاد فيه أن النبي كان يصلي في تلك اللحظات وأبو بكر يرتقب [ابن كثير: البداية، حسن بشواهده].

ومرت أيام الغار بسلام، إلا ما ذكر من أن حجرًا أصاب يد رسول الله فقال:

«هل أنت إلا أصبع دميت

وفي سبيل الله ما لقيت»

وقد رويت بعض الأخبار الواهية فيما يتعلق بفترة وجود النبي وأبي بكر رضي الله عنه بغار ثور، ومن أشهرها:

1- ما رواه ابن سعد والبزار [في كشف الأستار] من أن الله أمر شجرة فنبتت في وجه النبي فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت على وجهه فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، وأن فتيان قريش عندما وصلوا إلى قدر أربعين ذراعًا من فم الغار، نظر أولهما فرأى الحمامتين، فرجع فقال له أصحابه: «مالك لم تنظر في الغار؟» قال: «رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد»، فسمع النبي قوله، فعرف أن الله قد درأ عنه بهما فَسَمَّتَ [أي بارك بالدعاء] عليهن وفرض جزاءهن وانحدرتا في حرم الله فأفرختا، وأن نسل حمام الحرم منهما.

2- روى بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال للرسول : «لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا تحت قدميه»،قال النبي : «لو جاؤونا من ههنا لذهبنا من هنا», فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحرقد اتصل به، وسفينة مشدودة إلى جانبه [ابن كثير: البداية].

3- ما روي من أن أبا بكر قال لابنه عبد الله: «يا بني إن حدث في الناس حدث فأت الغار الذي رأيتني اختبأت فيه أنا ورسول الله فكن فيه، فإنه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية [البزار، كما في البداية]».

4- ما روي من أن رجلًا من المشركين جاء حتى استقبل رسول الله بعورته يبول، فقال أبو بكر: «يا رسول الله: أليس الرجل يرانا؟» قال: «لو رآنا لم يستقبلنا بعورته». [الهيثمي: المجمع].

5- ما روي أن أبا بكر عطش في الغار، فقال له رسول الله : «اذهب إلى صدر الغار فاشرب»، فانطلق أبو بكر إلى صدر الغار فشرب منه ماء أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأذكى رائحة من المسك، ثم عاد، فقال رسول الله : «إن الله أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن أخرق نهرًا من جنة الفردوس إلى صدر الغار لتشرب». [السيوطي: الخصائص].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة