حجم الخط:

نشأة مكة:

هاجر إبراهيم عليه السلام من العراق إلى الشام، ثم من الشام إلى مصـر. وكان يحمل معه في ترحاله هذا رسالة التوحيد، وكانت ترافقه زوجته سارة. وكانت امرأة جميلة، وكان من عادة ملك مصر آنذاك أن يستأثر لنفسه بكل امرأة جميلة. وشاء الله عز وجل أن يصرفه عن سارة. وتنقلب منه بجارية لتخدمها، وهي هاجر أم إسماعيل عليه السلام [البخاري].

ولما كانت سارة عقيمًا، وطعن إبراهيم عليه السلام في السن، وابيض شعره، رأت أن تهب له الجارية هاجر ليتزوجها، لعل الله يرزقه منها ذرية صالحة. وشاء الله عز وجل أن تلد له هاجر ابنه الأول، فسماه إسماعيل [فتوح مصر؛ الأزرقي].

واشتدت الغيرة بسارة عندما ولدت هاجر إسماعيل، فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء [الفتح]. فاتخذت هاجر منطقًا له ذيل. فشدت به وسطها، وهربت مع زوجها، وهي تجر ذيلها لتخفي أثرها عن سارة. ثم جاء بها إبراهيم عليه السلام وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند مكان البيت الحرام، عند دوحة فوق مكان زمزم، في أعلى مكان المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء. ووضع عندها جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل راجعًا، فتبعته هاجر، فقالت: «يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟» فقالت له ذلك مرارًا، وهو لا يلتفت إليها، فقالت له أخيرًا: «آلله الذي أمرك بهذا؟» قال: «نعم»، قالت: «إذن لا يضيعنا». ثم رجعت. فانطلق إبراهيم عليه الصلاة والسلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرى، استقبل بوجهه مكان البيت، ثم دعا الله عزوجل قائلًا: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ، حتى بلغ: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿ ٣٧ [إبراهيم:37].

لم يلبث أن نفذ ما عند هاجر من ماء، فعطشت هي وابنها، فكرهت أن تنظر إلى ابنها وهو يتلوى من العطش، فانطلقت حتى قامت على أقرب جبل منها، وهو الصفا، ثم استقبلت الوادي لتنظر، هل ترى أحدًا. فلما لم تر أحدًا هبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا. فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، وذلك سعي الناس بينهما كما قال الرسول . وفي نهاية المرة السابعة جاءها الملك جبريل عليه السلام وأخذ يبحث بعقبه أو بجناحه عند موضع زمزم، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه، ثم تغرف منه في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف منه، وفي ذلك يقول النبي : «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم»، أو قال: «لو لم تغرف من زمزم لكانت زمزم اليوم عينًا معينًا» [البخاري]. فشـربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: «لا تخافوا الضيعة، فإن هذا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله» [البخاري].

وبينما هي على هذه الحال، مر بهم أهل بيت من قبيلة جرهم اليمنية القحطانية؛ وعندما وجدوا الماء، استأذنوها في النزول عندها، فأذنت لهم بشـرط أن لا يكون لهم حق في الماء، فوافقوا، وأرسلوا إلى بقية أهليهم فنزلوا معهم، وشب الغلام اسماعيل بينهم، وتعلم اللغة العربية منهم، وأعجبهم حين شب، فلما كبر زوجوه امرأة منهم. [وقيل إن زوجته الأولى كانت من العماليق] [البداية].

وعندما ماتت هاجر جاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولم يجد حينها ولده إسماعيل بالبيت، فأخبرته زوجه أنه خرج في حاجتهم، وعندما سألها عن عيشهم، شكت إليه مر الشكوى مما يلاقيانه من شدة، فأوصاها أن تقرئه السلام، وتقول له: أن يغير عتبة بيته. فعندما عاد إسماعيل أخبرته زوجته بالذي حدث، فعرف من وصفها أنه أبوه، وفهم الوصية، وفهم أن العتبة تعني زوجته، فطلقها، وتزوج امرأة أخرى. وبعد فترة من الزمان عاد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - مرة أخرى فلم يجد إسماعيل بالمنزل، وسأل زوجه عن عيشهم، فحمدت الله، وأثنت عليه بما وسع عليهم في الرزق، فأوصاها بأن تقرئه السلام وتقول له أن يثبت عتبة بيته. فعندما عاد إسماعيل وأخبر بما حدث، عرف أباه وفهم وصيته، فأمسك عليه زوجه.

ثم غاب إبراهيم عليه السلام ما شاء الله، ثم عاد، ووجد ابنه من وراء زمزم يصلح نبلًا له، تحت دوحة عظيمة قريبة من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد مع الولد - أي تعانقا -.

فطلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ابنه أن يعينه بما أمره الله تعالى به، وهو بناء الكعبة على مكان مرتفع قرب زمزم، ففعل, فكان إبراهيم عليه السلام يبني، ويأتيه إسماعيل بالحجارة، حتى ارتفع البناء، فجاءه بحجر المقام فوضعه له، فقام عليه، وكانا يقولان وهما يبنيان-: ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127] [البخاري].

ليست هذه هي المرة الأولى التي يعين فيها إسماعيل عليه السلام أباه على طاعة الله تعالى وتنفيذ أمره. فقد ثبت أن إبراهيم عليه السلام عاد إلى مكة عندما شب إسماعيل، وقد أوحى الله تعالى إليه منامًا أن يذبحه قربانًا لله تعالى.

فاستشار إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل في ذلك قائلًا: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ [الصافات:102] فأجاب إسماعيل قائلًا: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿ ١٠٢ [الصافات:102] [انظر الصافات: 102- 107].

وخرج به إلى منى لتنفيذ أمر ربه، ولما تله للجبين - والسكين بيده - ناداه ربه: ﴿ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿ ١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ . وفداه الله تعالى بذبح عظيم ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿ ١٠٧ [الصافات: 102-107]، أي بكبش أملح كبير، فترك الولد وذبح الكبش، وفاز الوالد والولد برضا الله تعالى [زاد المسير].

وعندما فرغ إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام من بناء البيت، أمر الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿ ٢٧ [الحج:27]، فقيل: صعد عليه السلام جبل أبي قبيس أو الحِجر أو الصفا، ونادى باسم الله تعالى قائلًا: «أيها الناس! إن ربكم بنى لكم بيتًا فحجوه». فأسمع الله نداءه كل مخلوق، ومن كتب الله تعالى أنه يحج إلى يوم القيامة، فلبى قائلًا: «لبيك اللهم لبيك» [تفسير ابن كثير].

ودعا إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام ربهماعزوجل بما حكاه عنهما القرآن الكريم: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ ١٢٩ [البقرة:129] [تفسير الطبري]. قال الطبري [التفسير]: (وهذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد خاصة، وهي الدعوة التي كان نبينا محمد يقول عنها: «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى...»). وعاش إسماعيل بجوار البيت الحرام مع أصهاره جرهم إلى أن بعثه الله رسولًا إليهم وإلى كافة من بالحجاز من قبيلة العماليق وأهل اليمن [البداية]. قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴿ ٥٤ [مريم:54].

وأنجب اثني عشر ولدًا ذكرًا. وقد سماهم محمد بن إسحاق، ونقل ذلك عنه ابن كثير [في البداية]، وأولهما نابت وقيذار. ونابت هو الذي اختير لأن يكون من آباء دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام. واختفت حلقات السلسلة الذهبية فيما بين نابت وعدنان لظروف غامضة غير معروفة. وكان عدد الآباء ما بين نابت وعدنان يقدر بستة آباء، وقد عاشوا جميعًا بالحرم المكي، ومع هذا لم تضبط أسماء هؤلاء الآباء الستة.

وقد جزم الرسول بنسبه إلى عدنان، أما أجداده ما بين عدنان وإسماعيل فمختلف فيهم. [ابن عساكر].

وعندما مات إسماعيل عليه السلام دفن مع أمه في الحجر، وكان عمره مائة وسبعًا وثلاثين سنة. وينتسب كل عرب الحجاز إلى ولديه نابت وقيذار [البداية].

هذا وتجدر الإشارة هنا إلى أن عهد إبراهيم عليه السلام كان في القرن التاسع عشـر قبل الميلاد [أحمد سوسة: العرب واليهود في التاريخ].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة