حجم الخط:

هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن معه من المسلمين:

روى ابن إسحاق [في السيرة، بسند حسن] عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «اتَّعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي التَّنَاضُبَ من أضَاةِ بني غِفَار، [وقال البلاذري: (التَّناضُب وأضاة بني غفار، موضع واحد. الأضاة: أرض تمسك الماء فيتكون فيها الطين. والتناضب: شجرات في هذه الأضاة، وهي لا زالت مشاهدة على جانب وادي سرف الشمالي إلى جوار قبر أم المؤمنين ميمونة، وقام بجانبها الغربي حي على بعد ثلاثة عشر كيلًا من مكة، نحو الشمال)، وانظر محمد شراب: المعالم الأثيرة،مادة: التناضب.] فوق سَرِف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حُبِسَ فليمض صاحباه. فأصبحت أنا وعياش عند التناضب، وحبس عنا هشام، وفتن فافتتن». [وهذا الأثر أو الخبر الصحيح في قصة هجرة عمر رضي الله عنه يخالف الأثر الضعيف المشهور عند كثير من الناس من أن عمر رضي الله عنه أعلن هجرته، وقال للمشركين: من أراد أن تثكله أمه، وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ألأثر، وأصل ألأثر عند ابن الأثير: أسد الغابة (4/ 58)، وقد خرجه الألباني في دفاع، ص 43، وحكم عليه الضعف. ورواه كذلك ابن عساكر: مختصر تاريخ دمشق (18/ 278)].

وعندما نزلت الآية: ﴿ ۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿٥٤ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥ [الزمر:53- 55]، كتبها عمر وأرسل [ابن إسحاق، بسند حسن] بها إلى هشام بن العاص بمكة، فوجد صعوبة في فهمها، فدعا الله أن يفهمه إياها، فألقى الله في قلبه أنها نزلت في أمثاله، فلحق برسول الله بالمدينة. وعند ابن عبد البر [في الاستيعاب] أنه هاجر بعد الخندق.

وقد ثبت أنه كان يقنت في صلاته بعد الركوع الأخير داعيًا: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة...» الحديث، وفي رواية: «... اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين...» [البخاري]. وقد أنجا الله هؤلاء الثلاثة وغيرهم.

وروى البخاري أن عمر بن الخطاب قدم مهاجرًا إلى المدينة في عشـرين راكبًا من أصحاب النبي . وقد سمَّى ابن إسحاق [في السيرة] جماعة منهم، وصَدَّر الرواية بقوله: «ونزل عمر بن الخطاب حين قدم المدينة ومن لحق به من أهله وقومه...»، وختمها بقوله: «... وقد كان منزل عياش بن أبي ربيعة معه حين قدما المدينة». قلت: فرواية ابن إسحاق تفسر رواية البخاري، وتدل على أن هؤلاء العشرين من أهل عمر، من غير عياش، لحقوا به ولم يرافقوه ابتداء، إذ أن من رافقه عياش. وبهذا يزول التعارض الظاهر بين الروايتين.

أما أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فعندما أراد أن يهاجر، استبقاه الرسول ليصحبه في هجرته عندما يؤذن له بذلك. وظل يستعد لذلك اليوم، فاشترى راحلتين، وأخذ يعلفهما لمدة أربعة أشهر [ابن هشام].

وقد روى الحاكم [وصححه، وقال الذهبي: (صحيح غريب)]، أن الرسول قال لجبريل : «من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق».

وتتابعت مواكب المؤمنين إلى دار الهجرة، دار الإسلام، ولم يبق أحد في دار الكفر، دار الحرب، إلا مستضعف مغلوب على أمره، أو صاحب عذر.

وكان آخر من بقي ممن هاجر عبد الله بن جحش رضي الله عنه. وكان قد كف بصـره، فلما أجمع على الهجرة كرهت امرأته ذلك، وجعلت تشير عليه أن يهاجر إلى غير المدينة، فهاجر بأهله وماله سرًا، حتى قدم المدينة، وسطا أبو سفيان على داره بمكة فباعها. ومر بها بعد ذلك أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والعباس بن عبد المطلب وحويطب بن عبد العزى، وفيها أُهُبٌ [جلود غير مدبوغة] معطوبة، فذرفت عينا عتبة، وتمثل ببيت من شعر، هو:

وكل دار وإن طالت سلامتها

يومًا سيدركها النكباء والحوب

وأقبل أبو جهل على العباس قائلًا: «هذا ما أدخلتم علينا» [الطبراني].

وروى هذه القصة ابن إسحاق [في السيرة] بنحو رواية الطبراني عند الهيثمي، ولكن في روايته أن الكفيف هو عبد بن جحش وكنيته (أبو أحمد)،وهو أخو عبد الله بن جحش، وأن زوجته هي الفرعة ابنة سفيان بن حرب، وأن أخاه عبد الله حمله معه عندما هاجر إلى المدينة مع أهله. ويبدو أن رواية ابن إسحاق هي الأقرب إلى الصواب، فقد ذكرها ابن حجر [في الإصابة]، ولم يذكر غيرها.

وفي هذه القصة وغيرها دليل على أن كثيرًا من الدور بمكة قد خلت من أصحابها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة