نتائج وعبر من بيعة العقبة الثانية:
لقد كان لهذه البيعة نتائج عظيمة قريبة وأخرى بعيدة. فمن النتائج القريبة:
1- إن الأنصار قد فهموا أن حماية الرسول ﷺ سوف تعرضهم لعداوة واعتداء أعداء الرسول ﷺ من المشركين واليهود.
وهذا يعني الجهاد، على الرغم من أن بنود البيعة لم تنص صراحة على أبعد من ذلك، أي التصدي لمن يقف في طريق الدعوة الإسلامية.
2- إن سعي مشركي مكة للقبض على مسلمي المدينة عندما اتضح لهم أن هناك ثمة تدبيرًا منهم لحماية رسول الله ﷺ، يدل على أن عداء الشرك والكفر للإيمان في كل مكان.
3- إن السرية التي أحيطت بهذه البيعة وغيرها دليل على مشـروعية أخذ الحذر والحيطة عند تدبير الأمور، لا سيما الأمور التي تتعلق بمستقبل الدعوة.
4- لقد كانت هذه البيعة الأساس الذي هاجر عليه المسلمون - بمن فيهم الرسول ﷺ - إلى المدينة المنورة.
5- أضحى الإسلام عزيزًا في المدينة، فاستعلن بإسلامه من كان قد استخفى به.
6- ضيق كفار مكة الخناق على المسلمين عندما عرفوا خطورة اتصال الرسول ﷺ بمسلمي المدينة. وكان هذا التضييق سببًا في تعجيل الرسول ﷺ بأمر هجرتهم إلى المدينة.
7- أما على المدى البعيد، فقد كانت هذه البيعة الأساس الذي قامت عليـه الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وانطلاقها من هناك إلى أنحاء الدنيا [الشامي: المعين؛ البوطي: السيرة].
8- ولأهمية هذه البيعة، ولما ترتب عليها من نتائج عظيمة قريبة وبعيدة، فقد كان للمبايعين فيها وفي التي قبلها فضل لا يكاد يقل عما لأهل بدر والهجرتين - هجرة الحبشة وهجرة المدينة - وبيعة الرضوان، من شرف وفضل.
9- إن عداوة الشيطان للحق وتألمه من علو نجمه ظاهرة ماضية، فهو دائمًا ما يغري أعداء الإسلام بالمؤمنين من أهل المدينة والرسول ﷺ.
10- كانت بيعة العقبة الثانية شاملة للمبادئ التي سيتم مشروعيتها بعد الهجرة إلى المدينة، وفي مقدمتها الجهاد والدفاع عن الدعوة، وهو حكم وإن لم يكن قد أذن الله عز وجل بشرعيته في مكة إلا أن الله عز وجل قد ألهم نبيه محمدًا ﷺ أن ذلك سيشـرع في المستقبل القريب؛ والدليل على ذلك رد الرسول ﷺ على العباس بن عبادة الذي أبدى الاستعداد على حرب أهل منى، فقال له الرسول ﷺ: «لم نؤمر بذلك...».
ومن المتفق عليه أن أول آية نزلت في مشـروعية الجهاد قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ ﴾[الحج:39]، حيث نزلت عندما قال أبو بكر رضي الله عنه مستنكرًا إخراج قريش الرسول ﷺ من مكة: «أخرجوا نبيهم! إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن». وعندما نزلت الآية، قال أبو بكر: «فعرفت أن سيكون قتال» [الترمذي، وحسنه وصححه الألباني].
11- اقتضت رحمة الله عز وجل بعباده أن لا يحملهم واجب القتال، إلى أن توجد لهم دار إسلام، تكون لهم بمثابة معقل يأوون إليه، ولقد كانت المدينة أول دار في الإسلام [البوطي]. هذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى يتربوا التربية التي تؤهلهم للجهاد.
12- ومن هنا تعلم أن مشروعية القتال في الإسلام لم تكن إلا بعد هجرته على الصحيح، وليس كما يفهم من كلام ابن إسحاق [في السيرة]، إنه إنما شرع قبل الهجرة عند بيعة العقبة الثانية [ابن هشام، بسند حسن]، من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه.
روى ابن إسحاق [في السيرة، بسند حسن]، أن البراء بن معرور رضي الله عنه، عندما جاء إلى مكة لمبايعة الرسول ﷺ في العقبة الثانية، كان يصلي - في تلك السفرة - إلى الكعبة، وعندما التقى بالرسول ﷺ قال: يا نبي الله، إني خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البَنيَّة مني بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ، وصلى رضي الله عنه إلى الشام...».
وبذلك يكون البراء أول من صلى إلى الكعبة في الإسلام.