حجم الخط:

الحكم على الحديث:

الحديث في الصحيحين من طريق نافع، وفي صحيح البخاري معلقا وصحيح مسلم من طريق سالم بن عبد الله، وفي صحيح البخاري معلقا من طريق عمرو بن دينار، ثلاثتهم عن ابن عمر.

فأما طريق نافع؛ فيرويه: مالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر العمري، وأيوب السختياني، ويونس بن يزيد الأيلي، وأسامة بن زيد الليثي، وهشام بن سعد، وعبد الله بن عون، وجويرية بن أسماء، وزيد بن محمد العمري، وعمر بن راشد، وعبد الله بن عمر العمري، وخالد بن زياد الترمذي، وهشام بن الغاز، وسليمان بن موسى الأشدق، وحفص بن قيس، وعبد القدوس بن حبيب الكلاعي، وعمر بن عبد الله بن عمر، وأيوب بن موسى الأموي، وبرد بن سنان، وابن جريج، وعمر بن محمد بن زيد العدوي، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي، وعبد الله بن سليمان الحميري، وموسى بن عقبة، وصخر بن جويرية.

وقد اختلف في متن هذا الحديث على نافع، وفي إسناده على عبد الله بن عون، وعبد الله بن عمر العمري، كما اختلف في إسناده أيضا في بعض الطريق إلى أيوب.

فأما أيوب فيرويه عنه: حماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي، وحماد بن سلمة.

ويرويه عن ابن علية: زهير بن حرب، وأحمد بن حنبل، وداود بن رشيد، ومحمود بن خداش.

وقد اختلف في إسناده على ابن عيينة، وعلى راويه عن داود بن رشيد: أبي القاسم البغوي.

فأما أبو القاسم البغوي؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين:

الوجه الأول: البغوي، عن داود بن رشيد، عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.

وهو رواية: الدارقطني، وابن أخي ميمي محمد بن عبد الله الدقاق، ومحمد بن علي بن سويد المؤدب.

الوجه الثاني: البغوي، عن داود بن رشيد، عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.

وهو رواية: أبي طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص.

والوجه الأول هو الراجح؛ لأنه رواية الأكثر، وكلهم من الأئمة الثقات([1])، وكذلك أبو طاهر المخلص صاحب الوجه الثاني([2])، فإن سلم الإسناد من السقط يكون وقف الحديث هو السبب في اختيار هذا الحديث ضمن أجزاء الفوائد المنتقاة الحسان العوالي التي انتخبها أبو الفتح بن أبي الفوارس من حديث المخلص.

وأما ابن عيينة؛ فروي إسناد الحديث عنه على وجهين:

الوجه الأول: ابن عيينة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.

وهو رواية: محمد بن أبي عمر العدني، والشافعي، وأبو بكر الحميدي.

الوجه الثاني: ابن عيينة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.

وهو رواية: أحمد بن حنبل.

والوجه الأول ثابت بلا شك عن ابن عيينة؛ لأنه رواية الأكثر، وكلهم من الأئمة الثقات، وكذلك صاحب الوجه الثاني وهو الإمام أحمد، فلعل ابن عيينة لم ينشط لرفع الحديث فوقفه، قال الخطيب البغدادي: "وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرًا في حديثه، فيرويه تارة مسندًا مرفوعًا، ويقفه مرة أخرى قصدًا واعتمادًا"([3]).

وأما عبد الله بن عون؛ فروي إسناد الحديث عنه على ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.

وهو رواية: عبد الله بن المبارك.

الوجه الثاني: ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.

وهو رواية: روح بن عبادة، وعبد الوهاب بن عطاء.

الوجه الثالث: ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر أظنه عن النبي .

وهو رواية: محمد بن إبراهيم ابن أبي عدي.

وجميع الأوجه رواها ثقات، وهي بمجموعها تفيد أن ابن عون كان يشك في رفع الحديث، وهو ثقة ثبت إلا أنه ربما يشك فيقصر بالإسناد، حتى قال شعبة: "شك ابن عون أحب إليَّ من يقين غيره"([4]).

وأما عبد الله بن عمر العمري، فروي إسناد الحديث عنه على وجهين:

الوجه الأول: عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب.

وهو رواية: يونس بن محمد المؤدب.

الوجه الثاني: عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر.

وهو رواية: عبد الله بن وهب.

ولعل الوجه الأول هو الراجح عن العمري؛ فمع أن صاحبه ثقة في مقابل ثقة مثله في الوجه الثاني، إلا أن رواية ابن وهب جاءت مقرونة، جمع فيها ابن وهب مع عبد الله العمري عددًا من شيوخه، منهم مالك، ويونس، فلعلَّه ساق الإسناد والمتن على رواية أحدهما، فيكون حمل رواية عبد الله على رواية غيره من الثقات، وعبد الله بن عمر العمري ضعيف الحديث([5])، فإن كان ذلك كذلك يكون عبد الله العمري أخطأ في سنده، وخالف الجماعة عن نافع، الذين جعلوه من مسند ابن عمر، ويكون أخطأ كذلك في المتن؛ حيث رواه بلفظ: (يبيت ليلتين سوداوين)، ولم يأت وصفهما عن غيره من رواة الحديث عن نافع.

وأما نافع؛ فقد اختلف عليه في متن الحديث في موضعين:

الأول: في مبدأ الحديث، حيث رُوي عنه على ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: بلفظ: (ما حق امرئ مسلم).

وهو رواية: مالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر العمري، وأيوب السختياني، ويونس بن يزيد، وأسامة بن زيد، وهشام بن سعد، وجويرية بن أسماء، وزيد بن محمد العمري، وعمر بن راشد، وعبد الله بن عمر العمري، وعبد القدوس بن حبيب، وعمر بن عبد الله بن عمر، وأيوب بن موسى، وابن جريج، وعمر بن محمد، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن سليمان، وصخر بن جويرية.

وعبد الله بن عون فيما يرويه روح بن عبادة.

وسليمان بن موسى الأشدق فيما يرويه أبو معيد حفص بن غيلان في رواية الوليد بن مسلم.

الوجه الثاني: بلفظ: (لا يحل لامرئ مسلم).

وهو رواية: حفص بن قيس، وعبد الله بن عون فيما يرويه عبد الوهاب بن عطاء.

الوجه الثالث: بلفظ: (لا ينبغي لامرئ مسلم).

وهو رواية: خالد بن زياد، وهشام بن الغاز، وبرد بن سنان، وموسى بن عقبة، وسليمان بن موسى الأشدق فيما يرويه محمد بن راشد، وأبو معيد حفص بن غيلان في رواية عمرو بن أبي سلمة.

ومن خلال هذا يظهر أن اثنين من الرواة عن نافع قد اختلف عليهما كذلك، وهما: عبد الله بن عون، وسليمان بن موسى الأشدق.

فأما ابن عون، فروي عنه الوجهين الأول والثاني، والوجه الأول هو الأصوب عنه، حيث رواه روح بن عبادة وهو ثقة([6])، بينما رواه على الوجه الثاني عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وهو متكلم في حفظه، قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ([7])، وقد أعلَّ ابن عبد البر هذه اللفظة في حديث ابن عون، فقال: "وقال ابن عون عن نافع، عن ابن عمر، قال رسول الله : (لا يحل لامرئ مسلم له مال يوصي فيه) الحديث، هكذا قال: (لا يحل)، ولم يتابع على هذه اللفظة"([8])، وقال ابن الملقن: "قال الشيخ زكي الدين: ويؤيد الأول أنه جاء في رواية: (لا يحل لامرئ مسلم له مال...) الحديث، لكن هذه اللفظة شاذة، قلت: رواها ابن عون عن نافع، عن ابن عمر، ولم يتابع عليها"([9]).

وأما سليمان بن موسى؛ فأصل الاختلاف واقع على تلميذه: أبي معيد حفص بن غيلان، فقد روي متن الحديث عنه على الوجهين الأول والثالث، والراجح عنه هو الوجه الثالث؛ لأن الوليد بن مسلم راوي الوجه الأول مدلس([10])، ولم يصرح بالسماع من شيخه، وأيضًا رواه عن الأشدق على هذا الوجه محمد بن راشد الخزاعي، وهو صدوق([11]).

بعد تصفية الاختلاف على من دون نافع، يظهر أن الراجح عنه هو: الوجه الأول، فقد رواه بضعة عشر راويًا من أصحابه على اختلاف طبقاتهم، ومنهم أصحاب الطبقة الأولى فيه: مالك، وعبيد الله بن عمر العمري([12]).

وأما الوجه الثاني فلا يثبت؛ راويه أبو سهل حفص بن قيس الخراساني، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير، وقال الذهبي: لين([13]).

وأما الوجه الثالث فجاء عن خمسة من الرواة عن نافع جلهم ثقات: خالد بن زياد الترمذي، وثقه النسائي، وسعيد بن سويد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروى عن نافع صحيفة مستقيمة([14])، وكذا موسى بن عقبة، وهشام بن الغاز، ثقتان معروفان من أصحاب نافع، إلا أنهما من الطبقات المتأخرة فيه([15])، أما برد بن سنان فصدوق([16])، وأما سليمان بن موسى الأشدق، فمختلف فيه، ولخصَّ ابن حجر حاله بقوله: صدوق فقيه في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل([17]).

وقد يُقال بأن الاختلاف على نافع أو من دونه ناتج عن الاختلاف في معنى قوله: (ما حق امرئ)، فقد اختلف أهل العلم في معناها على قولين: فقال بعضهم المقصود بها: ما الأحوط والأحزم للمسلم إلا هذا، أو ما المعروف في الأخلاق الحسنة إلا هذا، لا على سبيل الفرض، قال بهذا الشافعي وغيره، وهذا المعنى يتوافق مع اللفظ الذي جاء به أصحاب الوجه الثالث: (لا ينبغي)، بينما ذهب داود الظاهري وآخرون: إلى أن قوله: (ما حق امرئ) دال على وجوب الوصية، وهذا التفسير يتوافق مع اللفظ الذي جاء به حفص بن قيس في الوجه الثاني: (لا يحل).

وقد ذهب جماهير الشراح إلى اختيار المعنى الأول، وعليه يصح القول بأن الوجه الثالث داخل في باب الرواية بالمعنى، قال ابن بطال: "قوله : (ما حق امرئ مسلم)، فأضاف الحق إليه، كقوله: هذا حق زيد، فلا ينبغى أن يتركه، فإذا تركه لم يلزمه"([18]).

وقال القاضي عياض: "ذُكر في الحديث الوارد في الوصية: (ما حق امرئ مسلم)، معناه عند الكافة: لا ينبغي له، لا أنه حق عليه، وإنما هو حق له"([19]).

وقال ابن حجر: "أجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله: (ما حق امرئ)، بأن المراد الحزم والاحتياط؛ لأنه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، وهذا عن الشافعي"([20]).

واختلف على نافع كذلك في موضع ثاني؛ فرواه عنه عامة أصحابه بلفظ: (له شيء يوصي فيه)، هكذا قال مالك، وابن عون، وجميع من ذكر هذه اللفظة، وقال خالد بن زياد الترمذي: (لا ينبغي لامرئ مسلم ذي وصية)، واختلف على عبيد الله بن عمر، وأيوب في هذه اللفظة.

فأما عبيد الله بن عمر؛ فرواه عنه: عبدة بن سليمان، وعبد الله بن نمير، والفضيل بن عياض، وأبو أسامة حماد بن أسامة، ويحيى بن سعيد الأموي، ومحمد بن عبيد، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى بلفظ: (له شيء يوصي فيه)، ورواه عنه يحيى بن سعيد القطان مرة بهذا اللفظ، ومرة بلفظ: (له شيء يريد أن يوصي فيه)، والصواب عن عبيد الله رواية الجماعة.

وأما أيوب؛ فرواه عنه: حماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وعبد الوهاب بن عطاء، وحماد بن سلمة بلفظ: (له شيء يريد أن يوصي فيه)، وخالفهم سفيان بن عيينة فرواه بلفظ الجماعة عن نافع: (له شيء يوصي فيه)، والصواب عن أيوب: رواية الجماعة عنه، خاصة أن فيهم حماد بن زيد، وابن علية، وهما من أثبت الناس في أيوب، أما ابن عيينة فالظاهر أنه لم يضبط الحديث عن أيوب، فقد اختلف الرواة عليه في طرفه؛ فرواه ابن أبي عمر العدني، والحميدي، بلفظ: (ما حق امرئ مسلم)، ورواه الشافعي عنه بلفظ: (ما حق امرئ يؤمن بالوصية)، ورواه أحمد بن حنبل عنه بلفظ: (حق على كل مسلم)، والظاهر أن ذلك كله من ابن عيينة، فإن له أخطاء عن أيوب، قال سليمان بن حرب: "إن ابن عيينة أخطأ فى عامة حديثه عن أيوب"([21]).

بعد هذا يصح القول بأن أيوب قد تفرد عن نافع بزيادة لفظة: (يريد)([22])، وأن الصواب عن نافع رواية الحديث بلفظ: (وله شيء يوصي فيه)، بدون ذكر الإرادة.

وقد استمسك برواية أيوب هذه من قال بأن أول الحديث لا يدل على وجوب الوصية، قال القاضي عياض: "ذُكِر في الحديث الوارد في الوصية: (ما حق امرئ مسلم)، وفي رواية غير مالك: (يريد أن يوصي)... حمَل ذلك عامة العلماء على الندب والتحضيض، وقال أهل الظاهر: هو على الوجوب، لقوله: (ما حق امرئ مسلم)، ومعناه عند الكافة: لا ينبغي له، لا أنه حق عليه، وإنما هو حق له، وفي قوله: (يريد أن يوصي)، وصَرْف ذلك إلى إرادته؛ دليل على غير الإيجاب"([23])، وقال ابن الجوزي: "الحجة أنه علقه بالإرادة فدل على أنه ليس بواجب"([24]).

وأما طريق سالم بن عبد الله، عن ابن عمر فلم يختلف عليه في إسناده ولا في متنه، إلا أنه رواه بلفظ: (يبيت ثلاث ليال)، بدلا من: (يبيت ليلتين)، قال ابن حجر: "وكأن ذكر الليلتين والثلاث؛ لرفع الحرج، لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا القدر، ليتذكر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا التحديد والمعنى: لا يمضي عليه زمان -وإن كان قليلًا- إلا ووصيته مكتوبة، وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية للتأخير، ولذلك قال ابن عمر في رواية سالم المذكورة: (لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله يقول ذلك إلا ووصيتي عندي)، قال الطيبي: في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر؛ تسامح في إرادة المبالغة، أي لا ينبغي أن يبيت زمانًا ما، وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك"([25]).

وأما طريق عمرو بن دينار؛ فيرويه أبو موسى عمران بن أبان الواسطي، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بلفظ: (لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده).

وهذا إسناد ضعيف؛ قال الدارقطني: "تفرد به عمران، عن محمد بن مسلم"، وعمران ضعيف الحديث، قال العجلي: ليس بثقة، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، وقال العقيلي: "لا يتابع عن محمد بن مسلم، ولا يتابع عليه ولا على غير شيء من حديثه"، وقال ابن عدي: "له غرائب خاصة عن محمد بن مسلم الطائفي، ولا أرى بحديثه بأسًا ولم أر له حديثًا منكرًا"، وذكره ابن حبان في الثقات([26])، وأما شيخه محمد بن مسلم فمختلف فيه، ومتكلم في حفظه أيضًا([27])، وقد ذكره البخاري معلقًا عقب رواية نافع، فقال: "تابعه محمد بن مسلم، عن عمرو، عن ابن عمر، عن النبي "، ولم يذكر لفظه.

وللحديث عن ابن عمر طريقان آخران خارج الصحيحين، وهما:

الطريق الأول: الحسن البصري، عن ابن عمر.

يرويه عبيد الله بن تمام، عن الحسن.

ويرويه عن عبيد الله: معمر بن سهل الأهوازي، ومحمد بن جعفر لقلوق.

وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على محمد بن جعفر، فرُوي عنه على وجهين:

الوجه الأول: محمد بن جعفر، عن عبيد الله بن تمام، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر.

وهو رواية: محمد بن مخلد الدوري.

الوجه الثاني: محمد بن جعفر، عن عبيد الله بن تمام، عن يونس بن عبيد، عن نافع، عن ابن عمر.

وهو رواية: أحمد بن حمدون بن رستم.

والراجح هو الوجه الأول؛ لأن محمد بن مخلد ثقة مأمون كما قال الدارقطني([28])، وأما أحمد بن حمدون بن رستم، فمختلف فيه، قال الحاكم: "كان أبو علي الحافــظ يقـول: حدثنا أبـو حامد بن حمدون إن حلت الرواية عنه وأنكر عليه أحاديث"، وقال الحاكم: "وأحاديثه كلها مستقيمة، وهو مظلوم"،
وقال أبو
 يعلى الخليلي: "حافظ كبير صاحب غرائب"، وقال السمعاني: "كان موثوقًا به فيما سمع"، ووثقه الذهبي، واتهمه العراقي([29]).

وأيضًا مما يرجح الوجه الأول أنه معروف من رواية معمر بن سهل الأهوازي، عن عبيد الله بن تمام.

وأيًّا كان فإن الإسناد يدور على أبي عاصم عبيد الله بن تمام وهو ضعيف، لا سيما عن يونس، قال البخاري: "عنده عجائب"، وضعفه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي، روى أحاديث منكرة"، وقال ابن عدي: "في بعض رواياته مناكير، ولا يتابعه الثقات"، وقال الساجي: "كذاب يحدث بمناكير عن يونس وخالد، وابن أبي هند"، وقال الدارقطني: "يروي عن التيمي وداود أحاديث مقلوبة"، وذكره ابن الجارود، والعقيلي في الضعفاء([30]).

وبذلك لا يثبت هذا الطريق عن ابن عمر.

الطريق الثاني: أسلم العدي، عن ابن عمر وقد ذكره في أثناء قصة.

يرويه: زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم.

وقـد اختلـف على زيـد بـن أسلـم في إسنـاد هذا الحديث ومتنه، فرُوي عنه على وجهين:

الوجه الأول: زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا، وفيه أن قصة الرؤيا وقعت لأسلم مولى عمر.

وهو رواية: عبد العزيز بن أبي رواد.

الوجه الثاني: زيد بن أسلم دون ذكر المرفوع، وفيه أن القصة وقعت لزيد بن أسلم.

وهو رواية: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

ولا يثبت أي من الوجهين عن زيد بن أسلم، فابنه عبد الرحمن ضعيف([31])، وأما عبد العزيز بن أبي رواد فهو وإن كان صدوقًا، إلا أن الراوي عنه وهو ابنه عبد المجيد بن عبد العزيز متكلم فيه([32])، وكذا الراوي عنه وهو ابن أبي سكينة ترجم له الذهبي فيمن اسمه أحمد، وقال: "وبعضهم يسميه محمدًا، قاله الخطيب، يروي عن مالك، ما رأيت لهم فيه كلامًا"، ثم ترجم له مرة أخرى فيمن اسمه: أحمد بن إبراهيم الحلبي، وقال: "قال أبو حاتم: أحاديثه باطلة تدل على كذبه، قلت: هو ابن أبي سكينة"، وتعقبه الحافظ العسقلاني، فقال: "فهذا من العجب! يقول: ما رأيت لهم فيه كلامًا ثم يجزم بأنه الذي قال فيه أبو حاتم ما قال، والذي يروي عن مالك أقدم من الذي يروي عن طبقة قتيبة، فلعلهما اثنان والله أعلم، وذكر الدارقطني، والخطيب أن محمد بن المبارك الصوري روى عن أحمد بن إبراهيم بن أبي سكينة ولم يذكرا له شيئًا منكرًا، وسيأتي في المحمدين أن ابن حبان ذكر ابن أبي سكينة في الثقات، وكذا وثقه ابن حزم في حديث أخرجه من طريقه، عن علي بن المديني"([33]).

 

Adobe Systems

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة