حجم الخط:

الحكم على الحديث:

للحديث عن أبي أمامة الباهلي طريقان:

الطريق الأول: شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة.

ويرويه عن شرحبيل: إسماعيل بن عياش.

ويرويه عن إسماعيل: عبد الوهاب بن نجدة، وعلي بن حجر، وهناد بن السري، والحسن بن عرفة، وهشام بن عمار، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق الصنعاني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، ويحيى بن معين، وهارون بن معروف، ويحيى بن حسان، ومحمد بن عبيد المحاربي، وأسد بن موسى، وحيوة بن شريح، وسليمان الأعمش، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عيسى الطباع، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، وعبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري، وأبو الوليد الطيالسي، وعبد الله بن جعفر الرقي، والمسيب بن واضح، ومحمد بن إسماعيل بن عياش، وأبيض بن الأغر، وصالح بن مالك الخوارزمي، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وإبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي، وعبد الجبار بن عاصم، وأبو الهذيل هاشم بن بشير، ويحيى بن آدم.

وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على إسماعيل بن عياش، وعلى تلميذه: أبي حنيفة.

فأما أبو حنيفة، فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين:

الوجه الأول: أبو حنيفة، عن إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة.

وهو رواية: عبد الوهاب بن نجدة.

الوجه الثاني: أبو حنيفة، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة.

وهو رواية: أبي سعيد المسيب بن شريك الكوفي.

والوجه الأول هو الصواب؛ لا سيما وأن عبد الوهاب بن نجدة صاحب الوجه الأول قد ذكر فيه قصة تدل على ضبطه له، وهي أنه روى هذا الحديث عن أبي حنيفة، عن ابن عياش، ثم رواه عن ابن عياش مباشرة، وفيه قول ابن عياش: "جاءني أبو حنيفة النعمان بن ثابت الفقيه متنكرًا، فسمع علي أحاديث هذا من جملتها"، أما المسيب بن شريك صاحب الوجه الثاني فإنه متروك الحديث([1])، والإسناد إليه ليس بذاك.

وأما إسماعيل بن عياش؛ فرُوي إسناد الحديث عنه أربعة أوجه:

الوجه الأول: إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة.

وهو رواية: علي بن حجر، وهناد بن السري، والحسن بن عرفة، وهشام بن عمار، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وسعيد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن معين، وهارون بن معروف، ويحيى بن حسان التنيسي، ومحمد بن عبيد المحاربي، وأسد بن موسى، وحيوة بن شريح، وسليمان الأعمش، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عيسى الطباع، وعبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري، وأبي الوليد الطيالسي، وعبد الله بن جعفر الرقي، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، والأبيض بن الأغر، وصالح بن مالك الخوارزمي، وأبي حنيفة، وإبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي، وعبد الجبار بن عاصم، وأبي الهذيل هاشم بن بشير، ويحيى بن آدم، وأبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج فيما يرويه أحمد بن حنبل.

الوجه الثاني: إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، وصفوان الأصم الطائي، عن أبي أمامة.

وهو رواية: أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج فيما يرويه محمد بن مصفى الحمصي.

الوجه الثالث: إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة الحضرمي، عن شريح بن عبيد الحضرمي، عن خداش، عن أبي أمامة.

وهو رواية: محمد بن إسماعيل بن عياش.

الوجه الرابع: إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة.

وهو رواية: المسيب بن واضح.

ومن خلال هذا العرض يظهر أنه اختلف أيضًا على أحد الرواة عن إسماعيل بن عياش، وهو أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، حيث روي الحديث عنه على الوجهين الأول والثاني، والراجح عنه هو الوجه الأول؛ لأنه من رواية الإمام أحمد، ولأن مخالفه وهو محمد بن مصفى بن بهلول الحمصي، متكلم فيه، لخصَّ حاله ابن حجر بقوله: صدوق له أوهام، وكان يدلس([2]).

وبذلك ينحصر الاختلاف عن إسماعيل بن عياش فيما عدى الوجه الثاني، والوجه الأول هو الراجح منها؛ لأنه من رواية الجمع الغفير، وهم أكثر من ثلاثين راويًا، جلهم من الأئمة الثقات، وإن كان بعضهم لا تصح روايته لهذا الحديث عن ابن عياش؛ كالأعمش، فالأسانيد إليه لا تصح، وقال ابن حبان: "ما روى الأعمش ولا ابن إسحاق عن إسماعيل بن عياش شيئًا قط، وإنما ينفرد به إسماعيل بن عياش".

وراويا الوجهين الآخرين متكلم فيهما، فراوي الوجه الثالث وهو محمد بن إسماعيل بن عياش، متكلم فيه وفي روايته عن أبيه، قال أبو داود: "لم يكن بذاك، قد رأيته ودخلت حمص غير مرة وهو حي، وسألت عمرو بن عثمان عنه فذمه"، وقال أبو حاتم الرازي: "لم يسمع من أبيه شيئًا، حملوه على أن يحدث فحدث"([3])، ولم أقف على من وثقه، فتكون روايته منكرة، لا سيما وقد خولف في متنه أيضًا، فرواه بلفظ: (إن الله ۵ يوصيكم بأمهاتكم، ثم حمد الله ۵، ثم قال ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ألا إن العارية مؤداة، وإن المنحة مؤداة، والولد للفراش، وللعاهر الحجر)، فقوله: (إن الله ۵ يوصيكم بأمهاتكم)؛ حديث معروف يرويه هشام بن عمار، وخلف بن الوليد، وبقية بن الوليد وسعيد بن سليمان، وغيرهم، عن إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب([4])، فكأنه دخل على محمد حديث في حديث.

وأما قوله: (المنحة مؤداة)؛ فمخالف لرواية الجماعة عن إسماعيل حيث رووه بلفظ: (المنحة مردودة).

وأما الوجه الرابع؛ فمن رواية المسيب بن واضح، وهو مختلف فيه؛ قال أبو حاتم الرازي: "صدوق كان يخطئ كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل"، وكان النسائي حسن الرأي فيه، ويقول: "الناس يؤذوننا فيه"، وضعفه في موضع آخر، وقال الساجي: "تكلموا فيه في أحاديث كثيرة"، وقال الطحاوي: "كان أهل العلم بالإسناد يتكلمون فيه"، وذكره ابن حبان وقال: كان يخطىء، وقال ابن عدي: "المسيب بن واضح له حديث كثير عن شيوخه، وعامة ما خالف فيه الناس هو ما ذكرته، وأرجو أن باقي حديثه مستقيم صالح، وهو ممن يكتب حديثه، وهذا الذي ذكرته لا يتعمده بل كان يشبه عليه، وهو لا بأس به"، وضعفه الدارقطني، وابن حزم، والبيهقي، وغيرهم([5])، وهو الراجح كما هو ظاهر من تجريح الأكثر له، وبهذا لا يثبت هذا الوجه عن إسماعيل بن عياش.

والوجه الراجح من أوجه الاختلاف على إسماعيل بن عياش ضعيف، حيث تفرد به إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، وإسماعيل صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم([6])، وقد حسن حديثه الترمذي فقال: "هذا حديث حسن، وقد روي عن أبي أمامة، عن النبي من غير هذا الوجه، ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل العراق وأهل الحجاز ليس بذاك فيما يتفرد به؛ لأنه روى عنهم مناكير، وروايته عن أهل الشام أصح، هكذا قال محمد بن إسماعيل، سمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح حديثًا من بقية، ولبقية أحاديث مناكير عن الثقات، وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: سمعت زكريا بن عدي يقول: قال أبو إسحاق الفزاري: خذوا عن بقية ما حدث عن الثقات، ولا تأخذوا عن إسماعيل بن عياش ما حدث عن الثقات، ولا غير الثقات".

وهذا الحديث من روايته عن الشاميين، إلا أن شيخه شرحبيل بن مسلم الشامي، ضعفه ابن معين، ووثقه أحمد وغيره، وقال فيه ابن حجر: صدوق فيه لين([7]).

وقد ساق الشافعي حديث مجاهد مرسلًا: (لا وصية لوارث)، وقال: "رأيت متظاهرًا عند عامة من لقيت من أهل العلم بالمغازي أن رسول الله قال في خطبته عام الفتح([8]): (لا وصية لوارث)، ولم أر بين الناس في ذلك اختلافا"([9])، وقال أيضًا: "وروى بعض الشاميين حديثًا ليس مما يثبته أهل الحديث؛ فيه أن بعض رجاله مجهولون، فرُويناه عن النبي منقطعًا، وإنما قبلناه بما وصفت من نقل أهل المغازي وإجماع العامة عليه، وإن كنا قد ذكرنا الحديث فيه، واعتمدنا على حديث أهل المغازي عامًّا، وإجماع الناس"([10])، وقد نقل البيهقي -وغيره- هذا القول عنه، وذكر أنه إنما أراد حديث ابن عياش، وأشار إلى أنه رُوي من وجه آخر من حديث الشاميين من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة.

وكلا الحديثين ليسا من رواية مجهولين، بل هم معروفون وإن كان قد تُكلم في بعض رجالهما، وإنما اعتمد الشافعي وغيره من أهل العلم على شهرة الحديث وكثرة طرقه وإن كانت لا تسلم جميعها من مقال، مع عمل الأمة به، والله أعلم.

الطريق الثاني: سليم بن عامر الكلاعي، عن أبي أمامة.

يرويه الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليم بن عامر.

ويرويه عن الوليد: مؤمل بن الفضل الحراني، ويزيد بن عبد ربه.

وحديث مؤمل هكذا: عن سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول: (سمعت خطبة رسول الله بمنى يوم النحر).

وحديث يزيد هكذا: عن سليم بن عامر وغيره، عن أبي أمامة وغيره ممن شهد خطبة رسول الله يومئذ، فكان فيما تكلم به: (ألا إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث).

والصواب في حديث سليم بن عامر هو السياق الأول، أما الثاني فالظاهر أن الوليد بن مسلم ساقه على لفظ الراوي المبهم، فهو يروي الحديث عن ابن جابر، عن جدته، عن بعض أصحاب النبي ([11]).

وهذا الطريق إسناده صحيح؛ لكن ليس فيه سوى أن أبا أمامة استمع لخطبة النبي يوم النحر بمنى، ولذا فلا يصلح لأن يعضد به طريق شرحبيل بن مسلم السابق.

 

Adobe Systems

 

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة