للحديث عن علي بن أبي طالب طريقان:
الطريق الأول: الحارث بن عبد الله الأعور، عن علي.
ويرويه عن الحارث: أبو إسحاق السبيعي، وقد اختلف عليه في إسناد الحديث ومتنه.
فأما الإسناد، فرُوي عنه على أربعة أوجه:
الوجه الأول: أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي.
وهو رواية: سفيان الثوري، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وقيس بن الربيع، وزهير بن معاوية، وأشعث بن سوار، وعبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، وعيسى بن إبراهيم العبدي، وورقاء بن عمر، وإبراهيم بن طهمان.
وزكريا بن أبي زائدة فيما يرويه يزيد بن هارون في رواية محمد بن بشار، وأحمد، وعلي بن حجر.
وسفيان بن عيينة فيما يرويه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، والشافعي، والحميدي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعبد الجبار بن العلاء العطار.
الوجه الثاني: أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي موقوفًا.
وهو رواية: حجاج بن أرطاة، وزكريا بن أبي زائدة فيما يرويه يزيد بن هارون في رواية الحسن بن محمد الزعفراني.
الوجه الثالث: أبو إسحاق، عن الحارث أو عاصم أو غيره، عن علي.
وهو رواية: سفيان بن عيينة فيما يرويه محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ.
الوجه الرابع: أبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي.
وهو رواية: يحيى بن أبي أنيسة الجزري.
ومن خلال هذا العرض يظهر أنه قد اختلف أيضًا على يزيد بن هارون الراوي عن زكريا بن أبي زائدة، وعلى سفيان بن عيينة.
فأما يزيد بن هارون؛ فرواه عنه: محمد بن بشار، والإمام أحمد، وعلي بن حجر، على الوجه الأول، والثلاثة ثقات حفاظ، وخالفهم الحسن بن محمد الزعفراني، فرواه عن يزيد على الوجه الثاني، وهو ثقة، لكنه خالف الجماعة.
ويقرب أن يكون لفظ الزعفراني من باب التجوز والرواية بالمعنى، حيث قال: (عن علي، قال: إنكم تقرؤون: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ } [النساء:11]، وإن الله ۵ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات).
فقول: (وإن الله قضى بالدين قبل الوصية) مخالف لسياق الآية الذي فيه تقديم الوصية على الدين، فيكون علي بن أبي طالب إنما أخذه تلقيًا لا استنباطًا.
وأما ابن عيينة؛ فرواه عنه الجماعة على الوجه الأول، وخالفهم محمد بن عبد الله ابن المقرئ، فرواه على الوجه الثالث، ورواية الجماعة هي الأصح والأرجح؛ ففيهم كبار أصحابه: الحميدي، والشافعي، وأحمد، والمقرئ وإن كان ثقة([1]) إلا أنه خالف الأكثر والأحفظ، وفي روايته ما يدل على عدم حفظه للحديث؛ حيث شك في إسناده، فقال: عن الحارث أو عاصم أو غيره.
والراجح عن أبي إسحاق: هو الوجه الأول، فقد رواه جماعة، منهم سفيان الثوري، وإسرائيل، وهما من أثبت الناس فيه([2]).
أما الوجه الثالث؛ فتفرد به حجاج بن أرطاة، فرواه موقوفًا على علي بن أبي طالب مختصرًا بلفظ: (ليس لوارث وصية)، وحجاج ضعيف؛ كثير الخطأ والتدليس([3]).
أما الوجه الرابع؛ فتفرد به يحيى بن أبي أنيسة الجزري، وهو متروك الحديث([4])، وقد استبدل بالحارث عاصم بن ضمرة، ورواه مرفوعًا بلفظ: (الدين قبل الوصية، وليس لوارث وصية).
قال ابن عدي: "وهذا عن أبي إسحاق يرويه ابن أبي أنيسة، وعن ابن أبي أنيسة: شبيب بن سعيد، وعن شبيب: ابن وهب".
وقال البيهقي: "كذا أتى به يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، ويحيى ضعيف".
وهذا الوجه أيضًا من رواية ابن وهب، عن شبيب بن سعيد الحبطي، وشبيب لا بأس به إلا أن رواية ابن وهب عنه فيها مناكير، قال ابن عدي في ترجمة شبيب: "حدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير...، وكان شبيب إذا روي عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة يونس، عن الزهري إذ هي أحاديث مستقيمة، ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير الذي يرويها عنه، ولعل شبيبًا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه، فيغلط ويهم، وأرجو ألا يتعمد شبيب هذا الكذب"([5]).
وأما المتن؛ فقد رواه سفيان الثوري، وزكريا بن أبي زائدة، وسفيان بن عيينة، وإسرائيل بن يونس، وغيرهم، عن أبي إسحاق، بلفظ: (إنكم تقرؤون هذه الآية: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ } [النساء:12]، وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأم يرثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه، دون أخيه لأبيه)، وهذا لفظ الثوري.
ورواه زهير بن معاوية بلفظ: عن النبي ﷺ، قال: (الإخوة من الأم يتوارثون دون بني العلات، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه، دون أخيه لأبيه)، فجعله من لفظ النبي ﷺ، لا حكاية من كلام علي، وزهير ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط؛ قاله ابن نمير، والإمام أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم([6]).
ورواه ورقاء بن عمر بلفظ: عن النبي ﷺ قال: (الدين قبل الوصية، ثم الوصية، وأنتم تقرؤون: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ } [النساء:11])، فجعله أيضًا من لفظ النبي ﷺ.
والصحيح عن أبي إسحاق: اللفظ الأول؛ فهو رواية الثوري وغيره، وهو من أثبت الناس فيه؛ كما تقدَّم.
وخالفهم يحيى بن أبي أنيسة، فرواه مرفوعًا بلفظ: (الدين قبل الوصية، وليس لوارث وصية)، وقد تقدم بيان ضعف روايته، وأنه متروك، ورواه حجاج بن أرطاة موقوفًا مختصرًا بلفظ: (ليس لوارث وصية)، وحجاج ضعيف أيضًا كما تقدَّم.
الخلاصة: أن الصواب في هذا الطريق سندًا ومتنًا: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: (إنكم تقرؤون هذه الآية: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ } [النساء:12]، وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأم يرثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه، دون أخيه لأبيه)، وهو ضعيف؛ لأمرين:
الأول: تفرد الحارث بن عبد الله الأعور بالحديث عن علي، والحارث كذبه الشعبي، وآخرون، وضعفه جمهور النقاد([7]).
قال الشافعي: "وقد رُوي في تبدئة الدين قبل الوصية حديث عن النبي ﷺ لا يثبت أهل الحديث مثله".
وقال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث".
وقال البيهقي: "امتناع أهل الحديث عن إثبات هذا؛ لتفرد الحارث الأعور بروايته عن علي ﭬ، والحارث لا يحتج بخبره لطعن الحفاظ فيه".
الثاني: أن أهل العلم تكلموا في سماع أبي إسحاق من الحارث الأعور، فقال شعبة، وأبو داود، والنسائي وغيرهم: "أبو إسحاق لم يسمع من الحارث، إلا أربعة أحاديث"، زاد أبو داود: "ليس فيها شيء مسند".
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: "الشائع في أهل الحديث: أن أبا إسحاق لم يسمع منه إلا ثلاثة أو أربعة، سمعت ابن حنبل يقول: كان أبو إسحاق تزوج امرأة الحارث، فوقع حديثه إليه، ويقولون: لم يسمع من الحارث إلا ثلاثة أو أربعة، سمعت أبا بكر بن عياش يقول، -قال أحمد كلاما هذا معناه-".
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: "لم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث، وسائر ذلك إنما هو كتاب أخذه"([8]).
وهذا الحديث لم يذكر فيه أبو إسحاق سماعًا من الحارث، ولما سبق فقد علَّقه البخاري في صحيحه بصيغة التمريض، فقال: "ويذكر أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية"([9]).
قال ابن حجر: "وهو إسناد ضعيف، لكن قال الترمذي: إن العمل عليه عند أهل العلم، وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فلم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به"([10]).
الطريق الثاني: أبو عمرو عثمان بن الخطاب الأشج، عن علي.
وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ آفته هذا الكذاب أبو عمرو عثمان بن الخطاب، المعروف بأبي الدنيا الأشج، حيث ادعى أنه لقى عليًّا ﭬ، وعمّر حتى بقي للقرن الرابع، قال الخطيب البغدادي: "العلماء من أهل النقل لا يثبتون قوله، ولا يحتجون بحديثه، وقال: وما علمت أن أحدا في بغداد كتب عنه حرفا واحدا، ولم يكن عندي بذاك الثقة".
وقال الذهبي: "طير طرأ على أهل بغداد، وحدث بقلة حياء بعد الثلاثمائة عن علي بن أبي طالب، فافتضح بذلك، وكذبه النقاد"([11])، ومع ذلك فالإسناد إليه مجهول، والله أعلم.
![]()