حجم الخط:

المثال الرابع من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: التَّطَيُّر:

التطيُّر لغة: مصدر «تطيَّر»، ويُسمى: «الطِّيَرة»، و«الطَّيْر»[1].

وفي الاصطلاح: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو غيرهما[2].

ومعنى ذلك أن يكون الإنسان قد عزم على أمر ما، فيرى أو يسمع أمراً لا يعجبه فيحمله ذلك على ترك ما يريد فعله.

ويلحق بالتطيُّر في الحكم: عكسه، بأن يرى أو يسمع أمراً يسر به، فيحمله على فعل أمر لم يكن عازماً على فعله[3].

* ومن أمثلة التطيُّر: ما كان يفعله أهل الجاهلية من أن أحدهم إذا أراد سفراً زجر أو أثار طيراً، فإن اتجه ذات اليمين تفاءل، فعزم على السفر، وإن اتجه ذات الشمال تشاءم، وترك هذا السفر، وقد كثر استعمال أهل الجاهلية للطيور في هذا الأمر حتى قيل لكل من تشاءم «تطيَّر»، ومن أمثلة التشاؤم أيضاً: التشاؤم بسماع كلمة لا تعجبه كـ (يا هالك)، أو بملاقاة عجوز شمطاء، أو برؤية الغراب، أو البوم، أو صاحب عاهة في أول سفره، أو في أول نهاره، فيترك هذا السفر، أو يترك البيع والشراء في هذا اليوم، ومن أمثلته: التشاؤم ببعض الأشهر كصفر، والتشاؤم ببعض الأرقام كثلاثة عشر، كما يفعله كثير من أصحاب الفنادق والعمارات وغيرهم في هذا العصر، فتجد بعضهم لا يضع هذا الرقم في أدوار العمارة أو في المصعد أو في مقاعد الطائرات، ونحو ذلك تشاؤماً.

والتطيّر محرم[4]، وشرك أصغر[5]. ومثله: الفعل الذي يقدم عليه العبد أو يعزم عليه لرؤيته أو سماعه ما يسر به كما سبق ، فهو محرم أيضا، ويستثنى منه: الفأل الحسن، وهو: أن يكون الإنسان قد عزم على أمر معين فيرى أو يسمع أمراً حسناً من غير قصد له، فيسر به ويستبشر به، ويزيده ذلك اطمئناناً بأن ما كان قد عزم على فعله سيكون فيه خير وبركة بمشيئة الله تعالى، ويعظم رجاؤه في الله تعالى في تحقيق هذا الأمر، من غير اعتماد على هذا الفأل، فهذا حسن، فالفأل حسن ظن بالله تعالى، ورجاء له، وباعث على الاستعانة به، والتوكل عليه، وعلى سرور النفس، وانشراح الصدر، وهو مسكن للخوف، باعث للآمال، والطيرة على النقيض من ذلك: فهي سوء ظن بالله، وتوكل على غيره، وقطع للرجاء، وتوقع للبلاء، وقنوط للنفس من الخير، وهي مذمومة وباطلة شرعاً وعقلاً[6].

وقد وردت أدلة كثيرة تدل على بطلان التطير[7]، وتحريمه، ومن ذلك: ما ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطيرة شرك»[8].

ومما يدل على تحريم الطيرة أيضاً وإباحة الفأل: ما رواه عروة بن عامر، قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتِ بالحسنات إلا أنت[9]، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك[10]»[11].

وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل الحسن»، قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم». رواه البخاري ومسلم[12].

قال الحافظ ابن رجب بعد ذكره أن التشاؤم باطل شرعاً وعقلاً، قال: «وفي الجملة فلا شؤم إلا المعاصي والذنوب، فإنها تسخط الله عز وجل، فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله، واليُمن هو طاعة الله وتقواه، كما قيل:

إنَّ رأياً دعــا إلى طَاعةِ اللهِ

لَرَأيٌ مُبـــارَكٌ مَيمُـــونُ

والعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصر عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي ومن يحسِّن المعصية ويزيِّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضر من شياطين الجن، قال بعض السلف: شيطان الجن تستعيذ بالله منه فينصرف، وشيطان الإنس لا يبرح حتى يوقعك في المعصية، وفي الحديث: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»[13]، وفي حديث آخر: «لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي»[14]، فالعاصي مشؤوم على نفسه وعلى غيره فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصاً من لم ينكر عليه عمله، فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك الناس عموما»[15].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة