حجم الخط:

وهذه الطريقة هي الطريقة الواجبة:

وهي القول الوسط بين أهل التعطيل، وأهل التمثيل، وقد دل على وجوبها وصحتها: العقل، والسمع:

فأما العقل فوجه دلالته: أن تفصيل القول فيما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى لا يدرك إلا بالسمع، لأنه من أمر الغيب الذي لا يحيط به الإنسان علما فوجب اتباع السمـع في ذلك، بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، والسكوت عما سكت عنه.

وأما السمع: فمن أدلته قولـه تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٨٠﴾ [الأعراف: 180]، وقولـه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١١﴾ [الشورى: 11]، وقولـه: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ [الإسراء: 36].

فالآية الأولى: دلت على وجوب الإثبات من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، لأن هذه الأمور الثلاثة من الإلحاد.

والآية الثانية: دلت على وجوب نفي التمثيل مع وجوب الإثبات.

والآية الثالثة: دلت على وجوب نفي التكييف، وعلى وجوب التوقف فيما لم يرد إثباته أو نفيـه[1].

ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم يؤمنون بأن جميع صفات الله جل وعلا الثابتة في الكتاب والسنة صفات حقيقية، لا مجازية.

وقد نقل الحافظ ابن عبدالبر الأندلسي المالكي المولود سنة (368هـ) إجماع أهل السنة على ذلك[2]، وذكر غير واحد من المتقدمين إجماع السلف على ذلك[3]، فالسلف يعتقدون أن الظاهر المتبادر من لفظ الصفة معنى حق يليق بجلال الله تعالى[4]، فيثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة الوارد في الكتاب أو السنة، فمثلاً يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ «العزة» في قولـه تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ ، وهذا المعنى هو: «القدرة والغلبة»، وكذلك يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ «استوى» في قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴿٥﴾ ، وهذا المعنى هو: «العلو والاستقرار» كما سيأتي بيانه عند الكلام على صفة الاستواء – إن شاء الله تعالى -، وهكذا بقية الصفات؛ لأن الله تعالى خاطب عباده في كتابه بلسان عربي مبين، والنبي صلى الله عليه وسلم خاطب أمته بألفاظ عربية صريحة، فوجب إثبات المعنى الحقيقي الذي يدل عليه اللفظ الوارد في القرآن أو السنة في لغة العرب، وهذا هو مقتضى الإيمان بهما ومقتضى الانقياد لما جاء فيهما.

وبهذا يعلم بطلان مذهب المفوضة الذين يقولون: نؤمن بالصفات الواردة في النصوص، لكن لا نثبت المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة، وإنما نفوض علم معناه إلى الله تعالى، وهذا مذهب حادث بعد القرون المفضلة[5]، والسلف بريؤون منه، فقـد تواترت الأقوال عن السلف بإثبـات معاني الصفـات، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله عز وجل[6].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة