حجم الخط:

1- علو الله تعالى.

وينقسم إلى قسمين: علو ذات، وعلو صفات.

فأما علو الصفات فمعناه: أنه ما من صفة كمال إلا ولله تعالى أعلاها وأكملها.

وأما علو الذات فمعناه: أن الله بذاته فوق جميع خلقه، وقد دل على ذلك: الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة.

فأما الكتاب والسنة فهما مملوءان بما هو نص، أو ظاهر في إثبات علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، وقد تنوعت دلالتهما على ذلك إلى أنواع كثيرة، منها:

1- التصريح بفوقيته سبحانه على خلقه، مقرونا بأداة «مِنْ» المعيِّنة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: 50].

2- التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو: ذاتاً وقدراً وشرفاً، كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴿ ٢٥٥ [البقرة: 255]، وثبت في الحديث أنه يشرع للعبد أن يقول في حال سجوده - وهو أكثر ما يكون سفولاً بوضعه أشرف أعضائه، وهو الوجه، على الأرض -: «سبحان ربي الأعلى»[1]، فيصف ربه بصفة العلو وهو - أي الساجد - على هذه الحال من السفول وتنكيس الجوارح تذللا للعلي العظيم[2].

3- التصريح بكونه تعالى في «السماء»[3]، كقوله تعالى: ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [تبارك: 16]، وكقولـه صلى الله عليه وسلم: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» رواه البخاري ومسلم[4].

4- التصريح بأنه تعالى على العرش مستوٍ عليه، كما في قولـه تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54، ويونس: 3]، وكما في قوله عز وجل: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴿ ٥ [طه: 5][5]، ولأحاديث وردت في ذلك، يأتي ذكرها قريباً عند الكلام على صفة الاستواء على العرش، وثبت عن حبر الأمة عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- أنه قال: «إن الله كان على عرشه..»[6].

وقد ثبت أن العرش أعلى المخلوقات، كما في قولـه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن»[7]، وسيأتي عند الكلام على الاستواء على العرش قول ابن مسعود – رضي الله عنه -: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء»، وله حكم الرفع.

5- التصريح بصعود الأشياء وعروجها إليه، كما في قولـه تعالى: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج: 4]، وكما في قولـه عز وجل: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ [فاطر: 10]، وكما في أحاديث المعراج، وهي أحاديث متواترة، وفيها أنه عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء الدنيا، ثم إلى السماء الثانية، وهكذا حتى وصل إلى سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، ثم كلمه ربه وفرض عليه خمسين صلاة، فنزل إلى موسى في السماء السادسة، فأشار إليه أن يرجع إلى ربه، فيسأله التخفيف، فصعد إلى ربه تعالى يطلب منه التخفيف، فخففها تعالى إلى أربعين صلاة، ثم لم يزل هكذا يتردد بين موسى عليه السلام وبين ربه تعالى، حتى خففها الباري وجعلها خمس صلوات[8]، ومن هذه الأحاديث: حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - عند البخاري، وفيه: "ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، فأوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن يرفع عليّ أحد، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا للجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه: (خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة)، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار"[9].

6- التصريح بتنزيل الكتاب منه، ونزول جبريل عليه السلام منه جل وعلا بالقرآن، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل، كما في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4]، وكما في قولـه تعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ [النحل: 102].

7- التصريح بنزولـه جـل وعلا إلى السمـاء الدنيا كل ليلة، فقد ثبت في الصحيـحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب لـه، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر لـه، حتى يطلع الفجر» وهو حديث متواتر عنه صلى الله عليه وسلم[10]، وفي بعض ألفاظه في آخره زيادة: «ثم يصعد»[11]، وجاء في روايات أخرى زيادة: "ثم يرتفع"[12].

8- التصريح بلفظ «الأين»، كقول أعلم الخلق بربِّه وأنصحهم لأمته وأفصحهم بياناً عن المعنى الصحيح للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال صلى الله عليه وسلم لسيدها معاوية بن الحكم: «أعتقها، فإنها مؤمنة» رواه مسلم[13].

9- الإشارة إليه حسّاً إلى العلو، فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال في آخر خطبته يوم عرفة مخاطبا لجموع المسلمين: «أنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» ثلاث مرات[14].

10- الأدلة التي تدل على أنه سبحانه وتعالى وتقدس فوق السموات السبع، كما في أحاديث المعراج السابقة[15]، وكما ورد في آثار صحيحة عن بعض الصحابة –رضي الله عنهم -، فقد ثبت عن حبر الأمة عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال لعائشة – رضي الله عنها – وهي في الاحتضار في ضمن كلامه لها: "وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات، جاء به الروح الأمين، فأصبح ليس لله مسجد من مساجد الله يذكر فيه الله، إلا يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار"، فقالت: "دعني منك يا ابن عباس: والذي نفسي بيده، لوددت أني كنت نسيا منسيا"[16]، وثبت عن أنس بن مالك – رضي الله عنه -، أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أم المؤمنين زينب بنت جحش: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: 37] قال: فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم، تقول: «زوجكن أهلكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات»[17].

وقد ذكر بعض كبار أصحاب الإمام الشافعي أن أدلة علو الله تعالى بذاته على خلقه في كتاب الله تعالى تزيد على ألف دليل[18].

ومع ورود كل هذه الأدلة الشرعية المتواترة المتنوعة والصريحة في دلالتها في إثبات علو الله تعالى بذاته على جميع مخلوقاته لم يقبل المعطلة كالمعتزلة وكثير من الأشاعرة[19] إثبات هذه الصفة لله تعالى، وقدموا على هذه النصوص الشبهات العقلية التي أخذوها من علم الكلام الذي ورثوه عن فلاسفة اليونان، فجعلوا العقول البشرية حاكمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا من الميل البيِّنِ عن الصراط المستقيم، وصدق الإمام الشافعي - رحمه الله - حيث قال: «ما أحد ارتدى بالكلام فأفلح»[20].

وأما دليل الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة أهل السنة على أن الله تعالى عال على خلقه بذاته، مستو على عرشه، وكلامهم في ذلك مشهور ومتواتر، وقد حكى أبوعبدالله القرطبي المالكي إجماع السلف على أن الله تعالى في العلو[21].

وقال التابعـي الجليل إمام أهل الشام أبوعمرو الأوزاعي: «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من صفاته عز وجل»[22].

ولم يقل أحد من السلف قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه بذاته في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء.

وأما دليل الفطرة: فإن جميع العباد بطباعهم إذا أرادوا دعاء الله تعالى والتضرع إليه رفعوا أيديهم، واتجهت قلوبهم جهة العلو، فالله تعالى قد فطر قلوب عباده على التوجه في دعائه إلى الجهة العلوية، وهذا يدل على أنه تعالى بذاته فوق جميع مخلوقاته[23].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة