إذا جاء لفظ «الاستواء» مقيداً بـ «على» فمعناه في لغة العرب: العلو على الشيء والاستقرار عليه، كما في قولـه تعالى: ﴿ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴿ ١٢ ﴾ لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ [الزخرف: 13]، والمعنى: لتعلوا على ظهورها، وتستقروا عليها، وكما في قوله تعالى عن سفينة نوح عليه السلام: ﴿ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ ﴾ [هود: 44] أي استقرت على جبل الجودي، وكما فـي قولـه تعالى: ﴿ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ ﴾ [المؤمنون: 28] أي استقررت عليه، ويقال: (استوى فلان على سطح المنزل) إذا صعد عليه وعلاه واستقر عليه.
أما العرش فهو في اللغة: السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴿ ٢٣ ﴾ ﴾ [النمل: 23][1].
فاستـواء الله تعالى على عرشه معنـاه: علوه عليه[2]، واستـقـراره عليه[3]، علواً واستقراراً حقيقياً يليق بجلال الله تعالى وتقدس وبعظمته وبجمبع صفاته التي كلها صفات كمال[4].
وهذا الاستواء لله تعالى على عرشه لا يماثل استواء المخلوقين[5].
وعرش الله تعالى سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، كما ورد في النصوص الشرعية[6].
والكرسي: هو موضع قدمي الرب جل وعلا، كما ثبت عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [7].
فاستواء الله تعالى على عرشه من صفاته الفعليـة التي دل عليها الكتـاب والسنة وإجماع السلف.
فمن أدلة القرآن: قولـه تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الأعراف: 54]، وقـولـه تعالى: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴿ ٥ ﴾ ﴾ [طه: 5].
ومن أدلة السنة:
1- ما رواه الخلال عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه»[8].
2- ما روي عن جبير بن مطعم مرفوعا، وفيه قولـه صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا: «إنه لفوق عرشه على سماواته»[9].
3- وروي نحوه عن العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك في ضمن حديث الأوعال المشهور[10].
وثبت عن ابن مسعود – رضي الله عنه -، أنه قال: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله تعالى فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه»[11]، وهذا الخبر وإن كان موقوفاً على ابن مسعود – رضي الله عنه – فإنه لا يقال من قبل الرأي، وابن مسعود ليس ممن يأخذ عن بني إسرائيل، فله حكم الرفع، وقد روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن»[12].
وثبت أيضا عن عائشة – رضي الله عنها - أنها قالت في شأن عثمان رضي الله عنه: «علم الله من فوق عرشه أني لم أحب قتله»[13].
وقال الحافظ عثمان بن أبي شيبة المتوفى سنة (297هـ): «تواترت الأخبار أن الله تعالى خلق العرش فاستوى عليه بذاته»[14].
وقد أجمع سلف هذه الأمة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على أن الله تعالى فوق عرشه مستو عليه، ولم يقل أحد من السلف: إن الله تعالى ليس على العرش. وقد نقل إجماعهم وإجماع جميع أهل السنة على ذلك جمع من أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين[15].
وقد ثبت عن الإمام مالك إمام دار الهجرة - وهو من تابعي التابعين - أنه سأله رجل، فقال: يا أبا عبد الله: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴿ ٥ ﴾ ﴾ [طه: 5] كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء (أي العرق)، ثم قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً»، ثم أمر به أن يخرج[16].
وقال الحافظ الذهبي الشافعي: «هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك[17]، وهو قول أهل السنة قاطبة»[18].
ومعنى قولـه: «الاستواء غير مجهول» أي غير مجهول المعنى في اللغة، فإن معناه العلو والاستقرار[19].
وقولـه: «والكيف غير معقول» معناه: أنا لا ندرك كيفية استواء الله على عرشه بعقولنا، فلا يمكن معرفتها إلا بطريق السمع، ولم يرد السمع بذكر الكيفية، فيجب الكف عن ذكرها.
وقولـه: «الإيمان به واجب» معناه: أن الإيمان باستواء الله على عرشه على الوجه اللائق به تعالى واجب؛ لأن الله أخبر به عن نفسه، فوجب تصديقه والإيمان به.
وقولـه: «والسؤال عنه بدعة» معناه: أن السؤال عن كيفية الاستواء بدعة، لأنه لم يكن معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه.
وهذا الذي ذكره الإمام مالك وشيخه ربيعة ميزان عام لجميع الصفات التي أثبتها الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن معناها معلوم لنا، وأما كيفيتها فمجهولة لنا؛ لأن الله أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، ولأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فإذا كنا نثبت ذات الله تعالى من غير تكييف لها فكذلك يكون إثبات صفاته من غير تكييف[20].