السؤال: مسألة الاستمناء باليد: يقول الشيخ القرضاوي: وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه اعتبر المني فضلة من فضلات الجسم، فجاز إخراجه كالفصد، وهذا ما ذهب إليه وأيده ابن حزم (ص166) المكتب الإسلامي، فهل صحيح أن الإمام أحمد أجاز الاستمناء عموماً؟ وما دليله؟ ثم البلوى التي نشتكي إلى الله منها هي أن الشباب ابتلوا بهذه الفعلة ونسوا الصيام المأمور به عند هذه الحالة، وأن بعضهم أخذ يخبرنا أنه يصنع هيكلاً من القماش والقطن كهيئة قبل ودبر الأمرد أو الفتاة، وبهذا يطأ هذا الشاب الهيكل بإيلاج ذكره فيه.. إلخ.
الجواب: الاستمناء باليد محرم في أصح أقوال أهل العلم، وهو قول جمهورهم؛ لعموم قوله تعالى: ﱡﭐ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٢٩ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٣٠ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﱠ [المعارج: 29- 31]، فأثنى سبحانه على من حفظ فرجه فلم يقض وطره إلا مع زوجته أو أمته، وحكم بأن من قضى وطره فيما وراء ذلك أياً كان فهو عاد متجاوز لما أحله الله له، ويدخله في عموم ذلك الاستمناء باليد، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير وغيره؛ ولأن في استعماله مضاراً كثيرة وعواقب وخيمة منها: إنهاك القوى، وضعف الأعصاب، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنع ما يضر الإنسان في دينه وبدنه وماله وعرضه.
قال الموفق ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني: (ولو استمنى بيده فقد فعل محرماً، ولا يفسد صومه به إلا أن ينزل، فإن أنزل فسد صومه؛ لأنه في معنى القبلة) اهـ، ومراده أنه في معنى القبلة إذا أنزل بسببها، أما القبلة بدون إنزال فلا تفسد الصوم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (34/329): (أما الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين في مذهب أحمد وكذلك يعزر من فعله، وفي القول الآخر: هو مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه؛ لخوف العنت ولا غيره) انتهى.
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره أضواء البيان (5/769) ما نصه: (المسألة الثالثة: اعلم أنه لا شك في أن آية: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١ ﴾ [المؤمنون:1]، هذه التي هي ﱡ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﱠ [المؤمنون:7]، تدل بعمومها على منع الاستمناء باليد المعروف بجلد عميرة، ويقال له: الخضخضة؛ لأن من تلذذ بيده حتى أنزل منيه بذلك قد ابتغى وراء ما أحله الله فهو من العادين بنص هذه الآية الكريمة المذكورة هنا، وفي سورة (سأل سائل).
وقد ذكر ابن كثير: أن الشافعي ومن تبعه استدلوا بهذه الآية على منع الاستمناء باليد. وقال القرطبي: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكاً عن الرجل يجلد عميرة فتلا هذه الآية: ﱡﭐ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٢٩ ﱠ إلى قوله: ﱡ الْعَادُونَ ﱠ [المعارج: 29- 31].
قال مُقيِّده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن استدلال مالك والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة، وما روي عن الإمام أحمد مع علمه وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلاً على ذلك بالقياس قائلاً: هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها فجاز قياساً على الفصد والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء:
إذا حللت بواد لا أنيس به فاجلد عميرة لا عار ولا حرج
فهو خلاف الصواب، وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها؛ لأنه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن، والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مراراً، وذكرنا فيه قول صاحب مراقي السعود:
والخلف للنص أو اجماع دَعا فساد الاعتبار كل من وعى
فالله جل وعلا قال: ﱡﭐ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٢٩ ﱠ [المعارج: 29]، ولم يستثن من ذلك البتة إلا النوعين المذكورين في قوله تعالى: ﱡ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﱠ [المعارج: 30]، وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج عن الزوجة والمملوكة فقط، ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين المذكورين دالة على المنع هي قوله:
ﱡ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﱠ [المعارج: 31]، وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره ناكح يده، وظاهر عموم القرآن لا يجوز العدول عنه إلا لدليل من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه، أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى) اهـ.
وقال أبو الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق الحسني الإدريسي في كتابه (الاستقصاء لأدلة تحريم الاستمناء أو العادة السرية من الناحيتين الدينية والصحية) ما نصه: الباب الأول في تحريم الاستمناء وبيان دليله، ذهب المالكية والشافعية والحنفية وجمهور العلماء إلى أن الاستمناء حرام، وهذا هو المذهب الصحيح الذي لا يجوز القول بغيره، وعليه أدلة كما يتبين بحول الله تعالى:
- الدليل الأول: قول الله تعالى: ﱡﭐ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٢٩ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٣٠ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﱠ [المعارض: 29- 31]، وجه الدلالة من هذه الآية الكريمة ظاهر، فإن الله تعالى مدح المؤمنين بحفظهم لفروجهم مما حرم عليهم، وأخبر برفع الحرج واللوم عنهم في قربانهم لأزواجهم وإمائهم المملوكات لهم مستثنياً ذلك من عموم حفظ الفرج الذي مدحهم به، ثم عقّب بقوله تعالى: ﱡ فَمَنِ ابْتَغَىٰ ﱠأي: طلب ﱡ وَرَاءَ ذَٰلِكَ ﱠ أي: سوى ذلك المذكور من الأزواج والإماء ﱡ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﱠ ، أي: الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام؛ لأن العادي هو الذي يتجاوز الحد، ومتجاوز ما حده الله ظالم بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٢٢٩ ﴾ [البقرة:229]، فكانت هذه الآية عامة في تحريم ما عدا صنفي الأزواج والإماء، ولا شك أن الاستمناء غيرهما فهو حرام ومبتغيه ظالم بنص القرآن، ثم استرسل في ذكر الأدلة إلى أن قال:
- الدليل السادس: ثبت في علم الطب أن الاستمناء يورث عدة أمراض:
منها: أنه يضعف البصر، ويقلل من حدته المعتادة إلى حد بعيد.
ومنها: أنه يضعف عضو التناسل، ويحدث فيه ارتخاء جزئياً أو كلياً، بحيث يصير فاعله أشبه بالمرأة؛ لفقده أهم مميزات الرجولة التي فضل الله بها الرجل على المرأة، فهو لا يستطيع الزواج، وإن فرض أنه تزوج فلا يستطيع القيام بالوظيفة الزوجية على الوجه المطلوب، فلا بد أن تتطلع امرأته إلى غيره؛ لأنه لم يستطع إعفافها، وفي ذلك مفاسد لا تخفى.
ومنها: أنه يؤثر ضعفاً في الأعصاب عامة نتيجة الإجهاد الذي يحصل من تلك العملية.
ومنها: أنه يؤثر اضطراباً في آلة الهضم فيضعف عملها، ويختل نظامها.
ومنها: أنه يوقف نمو الأعضاء خصوصاً الإحليل والخصيتين فلا تصل إلى حد نموها الطبيعي.
ومنها: أنه يؤثر التهاباً منوياً في الخصيتين، فيصير صاحبه سريع الإنزال إلى حد بعيد، بحيث ينزل بمجرد احتكاك شيء بذكره أقل احتكاك.
ومنها: أنه يورث ألماً في فقار الظهر وهو الصلب الذي يخرج منه المني، وينشأ عن هذا الألم تقويس في الظهر وانحناء.
ومنها: أنه يحل ماء فاعله، فبعد أن يكون منيه غليظاً ثخيناً كما هو المعتاد في مني الرجل يصير بهذه العملية رقيقاً خالياً من الدودات المنوية، وربما تبقى فيه دودات ضئيلة لا تقوى على التلقيح، فيتكون منها جنس ضعيف؛ ولهذا نجد ولد المستمني إن ولد له ضعيفاً بادي الأمراض ليس كغيره من الأولاد الذين تولدوا من مني طبيعي.
ومنها: أنه يورث رعشة في بعض الأعضاء كالرِجلين.
ومنها: أنه يؤثر ضعفاً في الغدد المخية فتضعف القوة المدركة، ويقل فهم فاعله بعد أن يكون ذكياً، وربما يبلغ ضعف الغدد المخية إلى حد يحصل معه خبل في العقل) انتهى.
وبذلك يتضح للسائل تحريم الاستمناء بغير شك للأدلة والمضار التي سبق ذكرها، ويلحق بذلك استخراجه بما يصنع على هيئة الفرج من القطن ونحوه، والله أعلم.[من فتاوى ابن باز]