حجم الخط:


حكم النذر على الأضرحة والأولياء:

السؤال: سيدة لها حصة في صندوق النذور والصدقات بضريح أحد الأولياء قد تنازلت هذا السيدة عن هذه الحصة لأولاد بنتها، فهل يصح هذا التنازل شرعاً؟ وهل هذه الصدقات والنذور تورث؟

الجواب: اطلعنا على هذا السؤال، ونفيد بأنه قد جاء في البحر قبيل باب الاعتكاف من الجزء الثالث نقلاً عن الشيخ قاسم وفي شرح الدرر ما نصه: "وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأنه يكون لإنسان غائب أو مريض أو له حاجة ضرورية فيأتي بعض الصلحاء، فيجعل سترة على رأسه فيقول: يا سيدي فلان! إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا، من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا أو من الشمع كذا، أو من الزيت كذا. فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه:

منها: أنه نذر لمخلوق والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون للمخلوق. ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك.

ومنها: أن ظن[1] أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقاده ذلك كفر...

ولقد صدق حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحمن قراعة رحمه الله تعالى إذ يقول في رسالته التي ألفها في النذور وأحكامها: ما أشبه ما يقدمون من قربان وما ينذرون من نذور وما يعتقدون في الأضرحة وساكنيها بما كان يصنع المشركون في الجاهلية وما يغني عنهم نفي الشرك عنهم بألسنتهم. وأفعالهم تنبئ عما يعتقدون من أن هؤلاء الأولياء لهم نافعون ولأعدائهم ضارون" انتهى.

وقد جاء في سبل السلام شرح بلوغ المرام ما نصه: "وأما النذور المعروفة في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات فلا كلام في تحريمها؛ لأن الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر، ويجلب الخير ويدفع الشر، ويعافي الأليم، ويشفي السقيم السقيم، وهذا هو الذي كان يفعله عباد الأوثان بعينه فيحرم كما يحرم النذر على الوثن ويحرم قبضه؛ لأنه تقرير على الشرك، ويجب النهي عنه، وإبانة أنه من أعظم المحرمات، وأنه الذي كان يفعله عباد الأصنام. لكن طال الأمد حتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفاً" انتهى.

وجاء في الروضة الندية وشرحها: "ومنه رأى أن من النذر غير الصحيح النذر على القبور لكون ذلك ليس من النذر في الطاعة، ولا من النذر الذي يبتغى به وجه الله تعالى بل قد يكون من النذر في المعصية إذا كان يسبب عنه اعتقاد فاسد في صاحب القبر كما يتفق ذلك كثيراً" انتهى.

ولو عبر صاحب الروضة بقوله: (بل هو نذر في المعصية) إذ يتسبب عنه اعتقاد فاسد في صاحب القبر لكانت العبارة أوفى بما هو الواقع عند العوام، وقد أطال القول في ذلك الشوكاني في رسالته المسماة (شرح الصدور في تحريم رفع القبور) ولولا خشية الملل لذكرناه. وما ذكرناه فيه الكفاية.

مما ذكر يتبين أن نذر العوام لأرباب الأضرحة أو التصدق لهم تقرباً إليهم ـ وهو ما يقصده هؤلاء الجهلة مما ينذرونه أو يتصدقون به ـ حرام بإجماع المسلمين والمال المنذور أو المتصدق به يجب رده لصاحبه إن علم، فإن لم يعلم فهو من قبيل المال الضائع الذي لا يعلم له مستحق فيصرف على مصالح المسلمين أو على الفقراء...

ومن هذا يعلم أنه ليس للمتنازلة المذكورة حق فيما يوضع في الصندوق المذكور من الأموال فإذا تنازلت فإنما تتنازل عن شيء لم يثبت لها شرعاً.

وعلى فرض أن لها حقاً فيه فليس هذا الحق من الحقوق التي تقبل التنازل والتمليك أو التي تنتقل بالإرث عنها لورثتها. وبهذا علم الجواب عن السؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم. المفتي: عبد المجيد سليم [من فتاوى علماء الأزهر]

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة