ثبوت نعيم القبر وعذابه:
السؤال: ينكر بعض الناس أن هناك نعيماً وعذاباً في القبر، فما رأي الدين في ذلك؟
الجواب: الكلام هنا في ثلاث نقط: الأولى في ثبوته، الثانية في دوامه، الثالثة في كونه للروح والجسد أو للروح فقط.
النقطة الأولى: نعيم القبر وعذابه ثابتان بأدلة كثيرة منها:
1 - روى البخاري ومسلم وأصحاب السنن أن النبي ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في قبره فشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فذلك قول الله: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ ﴾ [إبراهيم: 27]» [1].
وفي لفظ: «نزلت في عذاب القبر، يقال له: مَنْ ربك؟ فيقول: الله ربي ومحمد نبيي، فذلك قول الله: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ ﴾ [إبراهيم: 27]»[2].
2 - روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ - لمحمد - فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقولان: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً، وأما الكافر والمنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقولان: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة فيسمعها من يليه غير الثقلين»[3]. وقوله: «لا دريت ولا تليت» دعاء عليه بألا يكون دارياً ولا تالياً، أو إخبار بحاله فإنه لم يكن قد علم بنفسه ولا سأل غيره من العلماء.
3- روى مسلم أن النبي ﷺ مر بقبور ثم قال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. ثم قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر»[4].
4 - روى البخاري أن النبي ﷺ رأى في المنام أن ملكين أخذا بيده، ومرا به على أناس يعذبون في قبورهم بصور مختلفة لارتكابهم الكبائر، وجاء فيه أن العذاب الذي ينزل بهم يستمر إلى يوم القيامة. يقول ابن القيم: "وهذا نص في عذاب البرزخ، فإن رؤيا الأنبياء وحي مطابق لما في نفس الأمر".
5 - وروى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال في سعد بن معاذ: «هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضُمَّ - هي ضمة القبر - ثم فرج عنه»[5].
6 - روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ مَرَّ بقبرين فقال: «إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله»[6].
7 - يقول تعالى: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ٤٦ ﴾ [غافر: 46]، فالعرض يكون في القبر قبل يوم القيامة.
هذه بعض الأدلة القوية على ثبوت النعيم والعذاب في القبر، فذلك ثابت بالسنة وظاهر الآية، وأهل السنة مجمعون عليه...
النقطة الثالثة: قال ابن تيمية: "مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحياناً، ويحصل لها معه النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين. ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى..." [7]. المفتي: عطية صقر [من فتاوى علماء الأزهر]