مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (4/ 8: 9)
(وأسباب الإرث) باستقراء أدلة الشرع (أربعة)،
فلا إرث بغيرها من مؤاخاة وغيرها مما مر.
أولها: (قرابة) وهي الرحم فيرث بها بعض الأقارب من بعض في فرض وتعصيب على ما يأتي تفصيله.
(و) ثانيها: (نكاح) صحيح ولو بلا وطء فيرث به كل من الزوجين الآخر في فرض فقط.
(و) ثالثها: (ولاء) وهي عصوبة سببها نعمة المعتق مباشرة، أو سراية أو شرعًا كعتق أصله وفرعه كما سيأتي في محله فيرث به المعتق في تعصيب فقط.
أما القرابة والنكاح فللآية. وأما الولاء فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لحمة كلحمة النسب» صححه ابن حبان والحاكم، شبه الولاء بالنسب، والنسب يورث به فكذا الولاء (فيرث المعتق العتيق) للخبر السابق (ولا عكس) أي لا يرث العتيق المعتق حيث تمحض كونه عتيقا وإلا فقد يتصور الإرث بالولاء من الطرفين في مسألتين: إحداهما: إذا أعتق ذمي ذميا ثم استلحق السيد بدار الحرب فاسترقه عتيقه ثم أعتقه ثم أسلما فكل منهما عتيق الآخر، ومعتقه فيثبت لكل منهما الولاء على الآخر مباشرة فيتوارثان. الثانية: أعتق شخص عبدا فاشترى العتيق أبا معتقه فأعتقه ثبت لكل منهما الولاء على الآخر السيد بالمباشرة والعتيق بالسراية، وهذا مما يلغز به فيقال: لنا شخصان لكل منهما الولاء على الآخر، وقد يختص التوارث بأحد الجانبين في القرابة أيضا كابن الأخ يرث عمته ولا عكس، ولما كانت الأسباب الثلاثة خاصة لم يفرد كلا منها بالذكر، ولما كان الرابع عاما أفرده، فقال.(والرابع: الإسلام) أي: جهته، فإنها الوارثة كالنسب لا المسلمون بدليل ما لو أوصى بثلث ماله للمسلمين ولا وارث له فإنها تصح، ولو كان الورثة هم المسلمون لم تصح، فلما صحت دلت على أن الوارث الجهة (فتصرف التركة) أي: تركة المسلم أو باقيها كما سيأتي (لبيت المال) لا مصلحة كما قيل بل (إرثا) للمسلمين عصوبة (إذا لم يكن وارث بالأسباب الثلاثة) المتقدمة أو كان ولم يستغرق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه» رواه أبو داود وغيره.
وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يرث لنفسه شيئا، وإنما يصرف ذلك في مصالح المسلمين؛ لأنهم يعقلون عن الميت كالعصبة من القرابة فيضع الإمام تركته، أو باقيها في بيت المال أو يخص منها من يشاء.تنبيه:
الوارث المعين لا يعطى من الوصية شيئا بلا إجازة.
تنبيه:
أفهم كلام المصنف كغيره استواء جميع المسلمين في استحقاق هذا الإرث أهل البلد وغيرهم، ومن كان موجودا عند الموت أو حدث بعده، أو أسلم بعده أو عتق بعده، وهو كذلك وإن خصه ابن الرفعة ببلد الميت.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (2/ 499: 500 ط عالم الكتب)
(وأسباب إرث): أي: انتقال التركة عن ميت إلى حي بموته (ثلاثة)
أحدها: (رحم) أي قرابة. وهي الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة قريبة أو بعيدة. فيرث بها لقوله تعالى: [الأنفال: 75].
(و) الثاني: (نكاح) ويأتي أنه عقد الزوجية الصحيح، لأنه تعالى ورث كلا من الزوجين من الآخر، ولا موجب له سوى العقد الذي بينهما. فعلم أنه سبب الإرث.
(و) الثالث: (ولاء عتق) بفتح الواو والمد. ويأتي تعريفه. لحديث ابن عمر مرفوعا «الولاء لحمة كلحمة النسب» رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، أشبه الولاء بالنسب والنسب يورث به فكذا الولاء، ووجه الشبه: أن السيد أخرج عبده بعتقه من حيز المملوكية التي ساوى بها البهائم إلى حيز المالكية التي ساوى بها الأناسي، فأشبه بذلك الولادة التي أخرجت المولود من العدم إلى الوجود. ولا يورث بغير هذه الثلاثة نصا. فلا إرث بالموالاة أي المؤاخاة، ولا المعاقدة أي المحالفة، ولا بإسلامه على يديه، وكونهما من أهل ديوان أي مكتوبين في ديوان واحد، والتقاط طفل. واختار الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق بلى عند عدم الرحم والنكاح، والولاء، ولا يرث المولى من أسفل (وكانت تركة النبي صلى الله عليه وسلم) وسائر الأنبياء (صدقة لم تورث) لحديث «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» رواه الشيخان.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (8/ 449: 454)
الأسباب المتوارث بها ثلاثة: نسب، ونكاح، وولاء
• المراد بالمسألة: أن للإرث ثلاثة أسباب فقط، يستحق به الوارث نصيبه من التركة، وهي: النسب، والنكاح، والولاء.
• من نقل الإجماع: ابن هبيرة (560 هـ) قال: [وأجمع المسلمون على أن الأسباب المتوارث بها ثلاثة: رحم، ونكاح، وولاء]، ابن اللحام (803 هـ) قال: [أسباب التوارث رحم ونكاح وولاء إجماعا]، عبد الرحمن ابن قاسم (1392 هـ) قال: [شبه الولاء بالنسب، والنسب يورث به، فكذا الولاء إجماعًا].
• الموافقون على الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية.
قال الماوردي: (فالميراث مستحق بنسب وسبب، فالنسب الأبوة والبنوة وما تفرع عليهما، ولسبب نكاح وولاء).
قال ابن عبد البر: (ولا يجب الميراث إلا بأحد ثلاثة أوجه: نسب ثابت معلوم، أو ولاء صحيح، وهو كالنسب عند عدم النسب، أو نكاح صحيح).
قال الجويني: (استحقاق الإرث متعلق بالقرابة والسبب، والسبب ينقسم إلى خاص وعام، والسبب العام التوريث بالإسلام، والسبب الخاص النكاح والولاء).
قال السرخسي: (الأسباب التي بها يتوارث ثلاثة: الرحم والنكاح والولاء).
قال ابن رشد: (فأما الأجناس الوارثة فهي ثلاثة: ذو نسب وأصهار وموال).
قال النووي: (أسباب التوريث أربعة: قرابة، ونكاح، وولاء، وجهة الإسلام).
قال الموصلي: (ويستحق الإرث برحم ونكاح وولاء) (6).
قال القرافي: (الفرضيون خلفا وسلفا يقولون أسباب التوارث ثلاثة).
قال المرداوي: (وأسباب التوارث ثلاثة: رحم ونكاح وولاء. . والصحيح من المذهب أن أسباب التوارث ثلاثة لا غير، وأنه لا يرث ولا يورث بغيرهم).
قال الخطيب الشربيني: (أسباب الإرث أربعة: قرابة ونكاح وولاء فيرث المعتق العتيق ولا عكس، والرابع الإسلام).
قال البهوتي: (وأسباب التوارث ثلاثة فقط: رحم وهو القرابة ونكاح وهو عقد الزوجية الصحيح فلا ميراث في النكاح الفاسد لأن وجوده كعدمه وولاء عتق).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: يقول الله سبحانه وتعالى: [النساء: 11 - 12].
• وجه الاستدلال: أنها أشارت إلى أن التوارث سببه: النسب، والنكاح.
الثاني: قال سبحانه وتعالى: { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75].
• وجه الاستدلال: أن هذه الآية دلت على التوارث بالقرابة>الثالث: عن عائشة -رضي الله عنها- أنها اشترت بريرة لتعتقها، واشترط أهلها ولاءها، فقالت: يا رسول الله، إني اشتريت بريرة لأعتقها، وإن أهلها يشترطون ولاءها، فقال: (اعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق، أو قال: اعطي الثمن، قالت: فاشتريتها فأعتقتها)
• وجه الاستدلال: فيه دليل على أن التوارث يكون بالولاء.
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والنخعي، وإسحاق بن راهوية، وابن تيمية، وابن القيم . فذهبوا إلى عدم حصر أسباب الإرث في هذه الثلاثة، بل يزاد عليها: الالتقاط، وبعضهم زاد: الإسلام على يديه، والمولى من أسفل، والمؤاخاة.
وذكر ابن أبي موسى في الإرشاد. أن بعض شيوخه حكى رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أن الملتقط يرثه، واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى ونصره، وصاحب الفائق، قال الحارثي: وهو الحق.
واختار الشيخ تقي الدين: أنه يورث بها عند عدم الرحم والنكاح والولاء، وتبعه في الفائق.• دليلهم: واحتجوا بما يلي:
الأول: عن واثلة بن الأسقع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت فيه).
• وجه الاستدلال: فيه أن المرأة تحوز ميراث لقيطها، دل ذلك على أن الالتقاط سبب من أسباب الميراث.
الثاني: عن سنين أبي جميلة أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: فجئت به إلى عمر فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها. فقال عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال: كذلك؟ قال: نعم. قال عمر: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته).
• وجه الاستدلال: أن قوله -صلى الله عليه وسلم- (لك ولاؤه) أي: أنت الذي تتولى تربيته والقيام بأمره، وهذه ولاية الإسلام لا ولاية العتق. واحتجوا لهذا بالحديث السابق: (الولاء لمن أعتق) وهذا ينفى أن يكون الولاء للملتقط؛ لأن أصل الناس الحرية.
الثالث: أن هذا أولى من أن نجعله في بيت المال؛ لأن بيت المال ينتفع به عامة المسلمين، لكن هذا ينتفع به الواجد الذي تعب عليه وحضنه، وربما يكون، هو السبب في تحصيل المال الرابع: لا يلزم من الإرث أن يكون بسبب الولاء فقط، فكما أنه يكون بسبب الولاء، وبسبب النكاح، كذلك يكون بسبب الالتقاط.
النتيجة: صحة الإجماع في أن الأسباب المتوارث بها ثلاثة: نسب، ونكاح، وولاء، وأما اللقيط ففيه خلاف.
