مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (35/ 253، 254)
فصل: فأما الحلف بالنذر الذي هو " نذر اللجاج والغضب " مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلي الحج أو فمالي صدقة أو فعلي صيام. يريد بذلك أن يمنع نفسه عن الفعل. أو أن يقول: إن لم أفعل كذا فعلي الحج ونحوه: فمذهب أكثر أهل العلم أنه يجزئه كفارة يمين من أهل مكة والمدينة والبصرة والكوفة وهو قول فقهاء الحديث: كالشافعي وأحمد. وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم وهذا إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وهو الرواية المتأخرة عنه.
اختلف هؤلاء فأكثرهم قالوا: هو مخير بين الوفاء بنذره وبين كفارة يمين؛ وهذا قول الشافعي والمشهور عن أحمد. ومنهم من قال: بل عليه الكفارة عينا كما يلزمه ذلك في اليمين بالله وهو الرواية الأخرى عن أحمد وقول بعض أصحاب الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة في الرواية الأخرى وطائفة: بل يجب الوفاء بهذا النذر وقد ذكروا أن الشافعي سئل عن هذه المسألة بمصر فأفتى فيها بالكفارة فقال له السائل: يا أبا عبد الله هذا قولك؟ قال: قول من هو خير مني عطاء بن أبي رباح. وذكروا أن عبد الرحمن بن القاسم حنث ابنه في هذه اليمين فأفتاه بكفارة يمين بقول الليث بن سعد وقال: إن عدت أفتيتك بقول مالك وهو الوفاء به. ولهذا يفرع أصحاب مالك مسائل هذه اليمين على النذر؛ لعمومات الوفاء بالنذر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم { من نذر أن يطيع الله فليطعه } ولأنه حكم جائز معلق بشرط فوجب عند ثبوت شرطه كسائر الأحكام. والقول الأول هو الصحيح.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (35/ 270)
وإنما الحلف المنعقد ما تضمن محلوفا به ومحلوفا عليه: إما بصيغة القسم وإما بصيغة الجزاء وما كان في معنى ذلك؛ وهذه الدلالة تنبيه على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهم في مسألة " نذر اللجاج والغضب " فإنهم احتجوا على التكفير فيه بهذه الآية وجعلوا قوله: { تحلة أيمانكم } { كفارة أيمانكم } عاما في اليمين بالله واليمين بالنذر ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوهما سواء.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (35/ 278: 281)
اللجاج " التمادي في الخصومة؛ ومنه قيل رجل لجوج إذا تمادى في الخصومة ولهذا تسمي العلماء هذا " نذر اللجاج والغضب " فإنه يلج حتى يعقده ثم يلج في الامتناع من الحنث. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن اللجاج باليمين أعظم إثما من الكفارة وهذا عام في جميع الأيمان. وأيضا { فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك } أخرجاه في الصحيحين وفي رواية في الصحيحين { فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير } وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير } وفي رواية { فليأت الذي هو خير. وليكفر عن يمينه } وهذا نكرة في سياق الشرط فيعم كل حلف على يمين كائنا ما كان الحلف؛ فإذا رأى غير اليمين المحلوف عليها خيرا منها وهو أن يكون اليمين المحلوف عليها تركا لخير فيرى فعله خيرا من تركه أو يكون فعلا لشر فيرى تركه خيرا من فعله فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه. وقوله هنا " على يمين " هو والله أعلم من باب تسمية المفعول باسم المصدر سمي الأمر المحلوف عليه يمينا كما يسمى المخلوق خلقا والمضروب ضربا والمبيع بيعا ونحو ذلك وكذلك أخرجاه في الصحيحين { عن أبي موسى الأشعري في قصته وقصة أصحابه؛ لما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستحملوه فقال: والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ثم قال: إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها } وفي رواية في الصحيحين { إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير } وروى مسلم في صحيحه عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا حلف أحدكم على اليمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير } وفي رواية لمسلم أيضا { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير } وقد رويت هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذه الوجوه من حديث عبد الله بن عمر وعوف بن مالك الجشمي. فهذه نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة أنه أمر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير ولم يفرق بين الحلف بالله أو النذر ونحوه.
وروى النسائي عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما على الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيته } وهذا صريح بأنه قصد تعميم كل يمين في الأرض وكذلك الصحابة فهموا منه دخول الحلف بالنذر في هذا الكلام فروى أبو داود في سننه حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك } فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر هذا الذي حلف بصيغة الشرط ونذر نذر اللجاج والغضب بأن يكفر يمينه وأن لا يفعل ذلك المنذور واحتج بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك } ففهم من هذا أن من حلف بيمين أو نذر على معصية أو قطيعة فإنه لا وفاء عليه في ذلك النذر وإنما عليه الكفارة؛ كما أفتاه عمر. ولولا أن هذا النذر كان عنده يمينا لم يقل له كفر عن يمينك. وإنما قال صلى الله عليه وسلم { لا يمين ولا نذر } لأن اليمين ما قصد بها الحض أو المنع والنذر ما قصد به التقرب وكلاهما لا يوفى به في المعصية والقطيعة. وفي هذا الحديث دلالة أخرى وهو أن قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا يمين ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة رحم } يعم جميع ما يسمى يمينا أو نذرا سواء كانت اليمين بالله أو كانت بوجوب ما ليس بواجب من الصدقة أو الصيام أو الحج أو الهدي أو كانت بتحريم الحلال كالظهار والطلاق والعتاق. ومقصود النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون نهيه عن المحلوف عليه من المعصية والقطيعة فقط أو يكون مقصوده مع ذلك لا يلزمه ما في اليمين والنذر من الإيجاب والتحريم وهذا الثاني هو الظاهر؛ لاستدلال عمر بن الخطاب به؛ فإنه لولا أن الحديث يدل على هذا لم يصح استدلال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ما أجاب به السائل من الكفارة دون إخراج المال في كسوة الكعبة؛ ولأن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم يعم ذلك كله. وأيضا فمما يبين دخول الحلف بالنذر والطلاق والعتاق في اليمين والحلف في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (35/ 305)
فصل: موجب " نذر اللجاج والغضب " عندنا أحد شيئين على المشهور إما التكفير وإما فعل المعلق. ولا ريب أن موجب اللفظ في مثل قوله: إن فعلت كذا فعلي صلاة ركعتين أو صدقة ألف أو فعلي الحج أو صوم شهر: هو الوجوب عند الفعل. فهو مخير بين هذا الوجوب وبين وجوب الكفارة. فإذا لم يلتزم الوجوب المعلق ثبت وجوب الكفارة. فاللازم له أحد الوجوبين؛ كل منهما ثابت بتقدير عدم الآخر؛ كما في الواجب المخير.
فتاوى اللجنة الدائمة - 1 (23/ 203، 204)
الفتوى رقم (17192)
س: أنا امرأة أبلغ من العمر 50 سنة، ويوجد عندي مرض ضغط الدم عالي جدا، ويوجد عندنا غنم، وفي أحد الأيام حصل بيني وبن زوجي سوء تفاهم، ودائما زعلي أنا وزوجي عند هذه الأغنام، يقول زوجي: أنت ما تعطين الغنم علفا، وما تحلبين الغنم، وأنا قائمة بحلب الغنم، وعلفها، ثم تزاعلت مع زوجي المذكور، ثم في أثناء الزعل حلفت يمين: (والله ثم والله إني ما عاد أحلب هذه الغنم، وإني ما عاد أعلفها، وإن كان رجعت لحلبها أو علفها سوف أصوم شهرين متتابعين) ، وبعد مدة رجعت أحلب هذه الغنم وأعلفها، لأن ما فيه أحد يقوم بحلبها وعلفها غيري. أفيدوني أفادكم الله، وعظم أجركم: هل أصوم الشهرين اللذين فرضتهما على نفسي أو كيف أفعل واليمين الذي حلفته جزاكم الله خيرا؟
ج: عليك كفارة يمين؛ لأن هذا النذر في حكم اليمين، والكفارة هي: إطعام عشرة مساكين من أوسط طعامكم، لكل مسكين نصف صاع من بر أو أرز أو غيره، أو طعاما مطبوخا بما يكفي غداء أو عشاء لعشرة مساكين، أو كسوة عشرة مساكين، أو عتق رقبة مؤمنة، فإن لم تجدي فصومي ثلاثة أيام.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... عبد العزيز آل الشيخ ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
فتاوى اللجنة الدائمة - 1 (23/ 206: 208)
الفتوى رقم (21611)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدم من فضيلة رئيس محاكم منطقة تبوك، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، برقم (4241) وتاريخ 14 \ 7 \ 1421 هـ وقد تضمن خطاب فضيلته سؤال إحدى الأخوات، وهذا نص خطاب فضيلته:
أعرض لسماحتكم بأنه راجعتني المواطنة (غ. ع. ع) برفقة زوجها (س. ع. ع) وأفادت بأن والدها توفي قبل فترة وترك أموالا من عقار وغيره، وطالبت بنصيبها من التركة، وبعدما علمت والدتها بالمطالبة غضبت عليها، وقالت: أنت ما طالبتي إلا بتاكلين المال، وعند ذلك قالت لها: أنا أريد إخراج نصيب أختي المعاقة، وأخي (ع) ، وحقي متنازلة عنه، فرفضت قبول ذلك، وقبول التنازل، وقالت: أنا متبرية منك ومن كل من يأخذ حقه، وعند ذلك قالت: أنا ناذرة لوجه الله تعالى نصيبي من الميراث كله صدقة عني وعن والدي، وقلت ذلك بعدما رفضت والدتي السلام علي، ودفعتني بيدها وأنا الآن أسأل: كيف أتصرف بنذري، وهل هو نافذ، وما هو الواجب اتخاذه شرعا إبراء لذمتي، مع العلم أن بعض نصيبي عقار ولي شريك وهو أخي، فهل أستلم أجاره وأتصدق به، أم أقوم ببيعه والتصدق به؟ وأضافت: إنني بعد النذر قلت في نفس المحل: نصيبي حرام علي وعلى أولادي.
سماحة المفتي: آمل بعد الاطلاع دراسة ما ذكر، والإفادة عن حكم نذرها، وهل يجب الوفاء به، وعن بقاء نصيبها مع أخيها والتصدق بإجاره، وعن حكم تحريمها لهذا النصيب، أثابكم الله، وجزاكم الله خيرا، والله يرعاكم، والسلام.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأن النذر المذكور من باب نذر اللجاج والغضب، فيلزم به كفارة يمين، وهي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... الرئيس
بكر بن عبد الله أبو زيد ... صالح بن فوزان الفوزان ... عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.