مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (35/ 267، 268)
النذر المعلق بشرط مذكور في قوله تعالى. { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين } ومعلوم أن النذر المعلق بشرط هو نذر بصفة؛ فقد فرقوا بين النذر المقصود شرطه وبين النذر المقصود عدم شرطه الذي خرج مخرج اليمين فلذلك يفرق بين الطلاق المقصود وصفه كالخلع حيث المقصود فيه العوض والطلاق المحلوف به الذي يقصد عدمه وعدم شرطه؛ فإنه إنما يقاس بما في الكتاب والسنة ما أشبهه ومعلوم ثبوت الفرق بين الصفة المقصودة وبين الصفة المحلوف عليها التي يقصد عدمها كما فرق بينهما في النذر سواء. والدليل على هذا القول: الكتاب والسنة والأثر والاعتبار.
أما " الكتاب " فقوله سبحانه: { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم } { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم } فوجه الدلالة أن الله قال: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } وهذا نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون أن الله قد فرض لها تحلة وذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد للنبي صلى الله عليه وسلم مع علمه سبحانه بأن الأمة يحلفون بأيمان شتى فلو فرض يمين واحدة ليس لها تحلة لكان مخالفا للآية كيف وهذا عام لم تخص منه صورة واحدة لا بنص ولا بإجماع بل هو عام عموما معنويا مع عمومه اللفظي؛ فإن اليمين معقودة توجب منع المكلف من الفعل فشرع التحلة لهذه العقدة مناسب لما فيه من التخفيف والتوسعة. وهذا موجود في اليمين بالعتق والطلاق أكثر منه في غيرهما من أيمان نذر اللجاج والغضب.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (35/ 341)
وقال الأثرم حدثنا أبو عبد الله حدثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن المنهال عن أبي وائل في رجل قال: هو محرم بحجة؟ قال يمين وقال حدثنا أبو عبد الله حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن أيوب يعني أبا العلاء عن قتادة ومنصور عن الحسن: في رجل قال: إن دخل منزل فلان فعليه مشي إلى بيت الله؟ قال عليه كفارة يمين قال: فإن نذر أن يمشي فعليه المشي وإن لم يطق المشي ركب فأهدى. وقال أبو عبد الله: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثنا عاصم بن محمد عن أخيه عمر بن محمد قال: جاء إنسان فاستفتى القاسم بن محمد بن أبي بكر فقال: يا أبا محمد كيف ترى في رجل جعل عليه مشيا إلى بيت الله؟ فقال القاسم أجعله نذرا؟ قال لا. أوجعله لله؟ قال: لا قال: فليكفر عن يمينه.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (35/ 359)
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 234: 236)
وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب والسفر إلى الكعبة للحج فواجب. فلو سافر أحد السفر الواجب والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته فكيف بالسفر المنهي عنه وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين؛ لم يكن عليه أن يوفي بنذره بل ينهى عن ذلك. ولو نذر السفر إلى مسجده أو المسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان للشافعي: أظهرهما عنه يجب ذلك وهو مذهب مالك وأحمد. والثاني لا يجب وهو مذهب أبي حنيفة لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ما كان واجبا بالشرع وإتيان هذين المسجدين ليس واجبا بالشرع فلا يجب بالنذر عنده. وأما الأكثرون فيقولون هو طاعة لله وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه } . وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين فلا يجب بالنذر عند أحد منهم لأنه ليس بطاعة فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه؟ وهذا مالك كره أن يقول الرجل: زرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعظمه. وقد قيل إن ذلك ككراهية زيارة القبور وقيل لأن الزائر أفضل من المزور وكلاهما ضعيف عند أصحاب مالك. والصحيح أن ذلك لأن لفظ زيارة القبر مجمل يدخل فيها الزيارة البدعية التي هي من جنس الشرك فإن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما تقدم ذكره: زيارة شرعية وزيارة بدعية.
فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات فيصلى عليه صلاة الجنازة فهذه الزيارة الشرعية.
والثاني: أن يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات منهم؛ أو لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت؛ أو أن الإقسام بهم على الله وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضي إجابة الدعاء فمثل هذه الزيارة بدعة منهي عنها. فإذا كان لفظ " الزيارة " مجملا يحتمل حقا وباطلا عدل عنه إلى لفظ. لا لبس فيه كلفظ " السلام " عليه ولم يكن لأحد أن يحتج على مالك بما روي في زيارة قبره أو زيارته بعد موته فإن هذه كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة لا يحتج بشيء منها في أحكام الشريعة والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال { ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة } هذا هو الثابت في الصحيح ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال قبري. وهو صلى الله عليه وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعد صلوات الله وسلامه عليه ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة لما تنازعوا في موضع دفنه ولو كان هذا عندهم لكان نصا في محل النزاع. ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه.