الفتاوى العالمكيرية المعروفة بالفتاوى الهندية (2/ 168)
التعزير بالضرب:
أشد الضرب: التعزير، ثم حد الزنى، ثم حد الشرب، ثم حد القذف، ومن حُدَّ أو عُزر فمات بسبب ذلك فدمه هدر، بخلاف الزوج إذا عزر زوجته لترك الزينة أو الإجابة إذا دعاها إلى فراشه، أو لأجل ترك الصلاة، أو الخروج عن البيت فماتت ضمن، كذا في النهر الفائق.
ويضرب في التعزير قائمًا عليه ثيابه، وينزع منه الحشو والفرو، ولا يمد في التعزير، ويفرق الضرب على الأعضاء إلا الرأس والفرج في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، كذا في فتاوى قاضي خان، هكذا ذكر في حدود الأصل، وذكر في أشربة الأصل بضرب التعزير في موضع واحد، وليس في المسألة اختلاف رواية، وإنما اختلف الجواب؛ لاختلاف الموضوع.
مجموع الفتاوى لابن تيمية (35/ 401-402)
التعزير بالضرب:
وأما الامتحان بالضرب ونحوه فاختلف فيه: هل يشرع للقاضي والوالي، أم يشرع للوالي دون القاضي، أم يشرع الضرب لواحد منهما؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يضرب فيها القاضي والوالي، وهذا قول طائفة من العلماء من أصحاب مالك وغيرهم، منهم: أشهب قاضي مصر، قال أشهب: يمتحن بالسجن والأدب، ويضرب بالسوط مجردًا.
والقول الثاني: لا يضرب، بل يحبس كما تقدم، وهذا قول أصبغ من أصحاب مالك، وقول كثير من الحنفية والشافعية وغيرهم، لكن حبس المتهم عندهم أبلغ من حبس المجهول؛ فلذلك اختلفوا هل يحبس حتى يموت؟ فقال عمر بن عبد العزيز وجماعة من أصحاب مالك كمطرف وابن الماجشون وغيرهما: إنه يحبس حتى يموت، وهكذا روي عن الإمام أحمد فيمن لم ينته عن بدعته أنه يحبس حتى يموت، وقال مالك: لا يحبس حتى يموت.
والقول الثالث: أنه يضربه الوالي، دون القاضي، وهذا القول ذكره طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، كالقاضي أبي الحسن الماوردي، والقاضي أبي يعلى وغيرهما، وبسطوا القول في ذلك في كتب "الأحكام السلطانية"، وقالوا: إن ولاية الحرب معتمد العقوبة على الجرائم والمنع من الفساد في الأرض، وذلك لا يتم إلا بالعقوبة للمتهمين المعروفين بالإجرام؛ بخلاف ولاية الحكم فإن مقصودها يحصل بدون ذلك، وهذا القول هو قول بجواز ذلك في الشريعة، لكن كل ولي أمر يفعل ما فوض إليه، فكما أن والي الصدقات لا يملك من القبض والصرف ما يملكه والي الخراج، وإن كان كلاهما مالًا شرعيًّا؛ وكذلك والي الحرب ووالي الحكم كل منهما يفعل ما اقتضته ولايته الشرعية، مع رعاية العدل وأصول الشريعة.
وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده وقد جحده أو منعه فمتفق عليها بين العلماء، ولا أعلم منازعًا في أن من وجب عليه حق من دين أو عين وهو قادر على وفائه، ويمتنع من أنه يعاقب حتى يؤديه، وقد نصوا على عقوبته بالضرب، وذكر ذلك المالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته"، رواه أهل السنن مثل أبي داود، والنسائي، وابن ماجه.
وثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "مطل الغني ظلم"، والظالم يستحق العقوبة.
واتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد.
مجموع الفتاوى لابن تيمية (34/ 234-235)
التعزير بالحبس:
بل الذي عليه جمهور الفقهاء في المتهم بسرقة ونحوها أن ينظر في المتهم، فإما أن يكون معروفًا بالفجور، وإما أن يكون مجهول الحال، فإن كان معروفًا بالبر لم يجز مطالبته ولا عقوبته، وهل يحلف؟ على قولين للعلماء، ومنهم من قال: يعزر من رماه بالتهمة، وإما أن يكون مجهول الحال فإنه يحبس حتى يكشف أمره، قيل: يحبس شهرًا، وقيل: اجتهاد ولي الأمر؛ لما في السنن عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة"، وإن كان قد يكون الرجل معروفًا بالفجور المناسب للتهمة، فقال طائفة من الفقهاء: يضربه الوالي، دون القاضي.
وقد ذكر ذلك طوائف من أصحاب مالك، والشافعي، والإمام أحمد.
ومن الفقهاء من قال: لا يضرب.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه أمر الزبير بن العوام أن يمس بعض المعاهدين بالعذاب لما كتم إخباره بالمال الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهدهم عليه"، وقال له: أين كنز حيي بن أخطب؟ فقال: يا محمد، أذهبته النفقات والحروب، فقال: المال كثير، والعهد قريب من هذا، وقال للزبير: "دونك هذا، فمسه الزبير بشيء من العذاب"، فدلهم على المال.
وأما إذا ادعى أنه استودع المال فهذا أخف، فإن كان معروفًا بالخير لم يجز إلزامه بالمال باتفاق المسلمين، بل يحلف المدعى عليه، سواء كان الحاكم واليًا أو قاضيًا.
القسم العربي من موقع (الإسلام، سؤال وجواب) (11/ 439) الرقم: (١٢٦٦٥)
التعزير بالحبس:
أخت مهمومة تسأل: ماذا يجب عليها أن تفعل، وقد حاول زوج والدتها اغتصابها؟ لقد حاول التحرش بها، لكنه لم يتمكن من الوقوع عليها، فهل يؤثر ذلك بأي طريقة على عقد زواجه من والدتها؟ وهل عليها أن تخبر أخواتها ووالدتها، مع أنه من المستبعد أن تصدقها والدتها؟
الْجَوَابُ:
الحمد لله، يجب على هذه الفتاة أن تخبر والدتها وإخوانها؛ لكي يتم منعه من هذه الجريمة قبل أن تقع، وعلى البنت أن لا تجلس معه في المكان الذي يجلس فيه، بل عليها أن تبتعد عنه، وإن كان محرَمًا لها، فالمَحرم وإن كان أبًا أو أخًا -لا سمح الله- إذا لم تؤمن منه الفتنة لا يجوز القرب منه، بل على الوالي أن يمنعه من ذلك، وإن لم يمتنع إلا بالتعزير أو السجن فليكن ذلك، وعلى كل حال على هذه البنت أن تعمل جميع الاحتياطات اللازمة لمنع وقوع الفاحشة.
الفتاوى العالمكيرية المعروفة بالفتاوى الهندية (2/ 167)
التعزير بالقتل:
سئل الهندواني - رحمه الله تعالى - عن رجل وجد مع امرأته رجلًا، أيحل له قتله؟
قال:
إن كان يعلم أنه ينزجر عن الزنى بالصياح، والضرب بما دون السلاح، لا يحل، وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالقتل حل له القتل، وإن طاوعته المرأة حل له قتلها أيضًا، كذا في النهاية.
المكابر بالظلم، وقطاع الطريق، وصاحب المكس، وجميع الظلمة والأعوان والسعاة: يباح قتل الكل، ويثاب قاتلهم، كذا في النهر الفائق، وهكذا في التمرتاشي والمجتبى.
مجموع الفتاوى لابن تيمية (35/ 404-405)
التعزير بالقتل:
وأما مقدار الضرب: فإذا كان الضرب على ترك واجب، مثل: أن يضرب حتى يؤدي الواجب فهذا لا يتقدر، بل يضرب يومًا، فإن فعل الواجب وإلا ضرب يومًا آخر، لكن لا يزيد كل مرة على التعزير عند من يقدر أعلاه.
وقد تنازع العلماء في مقدار أعلى التعزير الذي يقام بفعل المحرمات، على أقوال:
أحدها، وهو أحسنها، وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنه لا يبلغ في التعزير في كل جريمة الحد المقدر فيها، وإن زاد على حد مقدر في غيرها، فيجوز التعزير في المباشرة المحرمة، وفي السرقة من غير حرز بالضرب الذي يزيد على حد القذف، ولا يبلغ بذلك الرجم والقطع.
القول الثاني: أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود، إما أربعين، وإما ثمانين، وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة.
والقول الثالث: أن لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره، وعلى القول الأول هل يجوز أن يبلغ به القتل مثل قتل الجاسوس المسلم؟ في ذلك قولان:
أحدهما: قد يبلغ به القتل، فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة، وهو قول مالك، وبعض أصحاب أحمد كابن عقيل، وقد ذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعي وأحمد في قتل الداعية إلى البدع، ومن لا يزول فساده إلا بالقتل، وكذلك مذهب مالك قتل الداعية إلى البدع كالقدرية ونحوهم.
والقول الثاني: أنه لا يقتل الجاسوس، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والقاضي أبي يعلى من أصحاب أحمد.
القسم العربي من موقع (الإسلام، سؤال وجواب) (5/ 6921) الرقم (١٣٨٣٣٤)
التعزير بالقتل:
السُّؤَالُ: ما معنى الحكم بالقتل تعزيرًا؟
الْجَوَابُ:
الحمد لله، العقوبات في الشريعة الإسلامية ثلاثة أنواع:
1- القصاص: في جرائم القتل، والتعدي على الأطراف والجنايات.
2- الحدود: وهي العقوبات المقدرة شرعًا، كحد الزنى، وحد السرقة، ونحوهما.
3- التعزير: وهو التأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود.
(الأحكام السلطانية للماوردي ص: 236).
فإذا ارتكب أحدهم مخالفة شرعية لم يرد الشرع بتقدير عقوبة خاصة بها، ورأى القاضي أنها من الخطورة بقدر بحيث تستحق العقوبة عليها، فإن له أن يعاقب هذا المتعدي بما يراه مناسبًا لجرمه وذنبه، وهذا ما يسميه الفقهاء بـ "التعزير"، وله أحكام وتفصيلات كثيرة مذكورة في مطولات الفقه.
ولما كان مقصد التعزير هو التأديب كان الأصل ألا يبلغ التعزير إلى حد القتل بحال من الأحوال، لكن لما رأى الفقهاء أن بعض الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة تدل على إيقاع عقوبة القتل على هذا الوجه، كانت لهم بعض الاستثناءات التي تجيز القتل كعقوبة تعزيرية، وليست حدية؛ وذلك لخطر بعض الجرائم العظيمة، ولتحقيق المصلحة العامة للدولة والمجتمع الإسلامي.
جاء في (الموسوعة الفقهية 12/263): "الأصل أنه لا يبلغ بالتعزير القتل؛ وذلك لقول الله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ } [الأنعام: 151]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". متفق عليه.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز القتل تعزيرًا في جرائم معينة، بشروط مخصوصة، من ذلك:
1- قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس على المسلمين:
وذهب إلى جواز تعزيره بالقتل مالكٌ، وبعضُ أصحاب أحمد، ومنعه أبو حنيفة، والشافعي، وأبو يعلى من الحنابلة، وتوقف فيه أحمد.
ومن ذلك:
2- قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، كالجهمية:
ذهب إلى ذلك كثير من أصحاب مالك، وطائفة من أصحاب أحمد.
3- وأجاز أبو حنيفة التعزير بالقتل فيما تكرر من الجرائم، إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يقتل من تكرر منه اللواط، أو القتل بالمثقل.
4- وقال ابن تيمية: وقد يستدل على أن المفسد إذا لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل، بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه". انتهى.
قال الشيخ بكر أبو زيد، رحمه الله: "يظهر من مباحث القتل تعزيرًا على سبيل الإجمال والتفصيل: أن القتل تعزيرًا مشروع عند عامة الفقهاء، على التوسع عند البعض، والتضييق عند آخرين في قضايا معينة، وأن القول الصحيح الذي يتمشى مع مقاصد الشرع وحماية مصالح الأمة وحفظ الضروريات من أمر دينها ودنياها هو: القول بجواز القتل تعزيرًا حسب المصلحة، وعلى قدر الجريمة، إذا لم يندفع الفساد إلا به، على ما اختاره ابن القيم، رحمه الله تعالى". انتهى.
(الحدود والتعزيرات عند ابن القيم ص: 493).
وقال الشيخ عبد القادر عودة، رحمه الله: "الأصل في الشريعة أن التعزير للتأديب، وأنه يجوز من التعزير ما أمنت عاقبته غالبًا، فينبغي أن لا تكون عقوبة التعزير مهلكة، ومن ثم فلا يجوز في التعزير قتلٌ ولا قطعٌ، لكن الكثيرين من الفقهاء أجازوا - استثناءً من هذه القاعدة العامة - أن يعاقب بالقتل تعزيرًا إذا اقتضت المصلحة العامة تقرير عقوبة القتل، أو كان فساد المجرم لا يزول إلا بقتله، كقتل الجاسوس، والداعية إلى البدعة، ومعتاد الجرائم الخطيرة، وإذا كان القتل تعزيرًا قد جاء استثناءً من القاعدة، فإنه لا يتوسع فيه، ولا يترك أمره للقاضي ككل العقوبات التعزيرية، بل يجب أن يعين ولي الأمر الجرائم التي يجوز فيها الحكم بالقتل، وقد اجتهد الفقهاء في تعيين هذه الجرائم وتحديدها، ولم يبيحوا القتل إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، بأن كان المجرم قد تكررت جرائمه، ويُئِس من إصلاحه، أو كان استئصال المجرم ضروريًّا لدفع فساده، وحماية الجماعة منه.
ويبيح الحنفيون عامةً القتلَ تعزيرًا، ويسمونه: القتل سياسة، ويرى بعض الحنابلة هذا الرأي، وعلى الأخص ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ويأخذ بهذا الرأي قليل من المالكية، ولكن أكثر الجرائم التي يبيح فيها الحنفية القتل تعزيرًا، أو سياسةً، يعاقب عليها حدًّا أو قصاصًا في المذاهب الأخرى، فما يظن توسعًا في مذهب الحنفية من هذه الوجهة هو توسع ظاهري في أكثر الحالات.
فمثلًا يبيح الحنفية القتل تعزيرًا في جريمة القتل بالمثقل، وفي جريمة اللواط، ولا يرون القتل قصاصًا في الحالة الأولى، أو حدًّا في الحالة الثانية.
بينما يرى مالك والشافعي وأحمد قتل القاتل بالمثقل قصاصًا، وقتل اللائط والملوط به حدًّا.
ويرى بعض الحنابلة والمالكية قتل الداعية إلى البدعة تعزيرًا، بينما يراه غيرهم مرتدًّا بدعوته للبدعة فيقتل حدًّا.
والقتل تعزيرًا بالشروط السابقة لا يمكن أن يكون إلا في جرائم تعزيرية محدودة العدد، وقد رأينا فيما سبق أن الشريعة جعلت القتل عقوبة في أربع جرائم من جرائم الحدود، وهي: الزنى، والحرابة، والردة، والبغي، وجعلته عقوبة في جريمة واحدة من القصاص، وهي: القتل العمد.
فإذا قدرنا أن الجرائم التعزيرية التي يمكن العقاب عليها بالقتل تصل إلى خمس جرائم أيضًا، كانت كل الجرائم المعاقب عليها بالقتل في الشريعة لا تزيد على عشر جرائم عند من يجيزون القتل تعزيرًا، وكان عددها لا يزيد على خمس جرائم عند من لا يبيحون القتل تعزيرًا، وتلك ميزة انفردت بها الشريعة الإسلامية من يوم نزولها، فهي لا تسرف في عقوبة القتل، ولا تفرضها دون مقتض.
ونستطيع أن نحيط بمدى تفوق الشريعة في هذه الوجهة إذا علمنا أن القوانين الوضعية كانت إلى أواخر القرن الثامن عشر تسرف في عقوبة القتل إلى حد بعيد، بحيث كان القانون الإنجليزي مثلًا يعاقب على مائتي جريمة بالإعدام، والقانون الفرنسي يعاقب على مائة وخمس عشرة جريمة بالإعدام". انتهى.
(التشريع الجنائي في الإسلام 1/687-689)، والله أعلم.
الفتاوى العالمكيرية المعروفة بالفتاوى الهندية (2/ 167)
التعزير بالمال:
وعند أبي يوسف، رحمه الله تعالى: يجوز التعزير للسلطان بأخذ المال، وعندهما وباقي الأئمة الثلاثة: لا يجوز، كذا في فتح القدير.
ومعنى التعزير بأخذ المال -على القول به-: إمساك شيء من ماله عنده مدة؛ لينزجر، ثم يعيده الحاكم إليه، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه، أو لبيت المال، كما يتوهمه الظلمة؛ إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي، كذا في البحر الرائق.
الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 530)
التعزير بالمال:
وَالتَّعْزِيرُ بِالْمَالِ سَائِغٌ إتْلَافًا وَأَخْذًا، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَصْلِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُهُ أَنَّ الْعُقُوبَاتِ فِي الْأَمْوَالِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ كُلُّهَا، وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِي: "وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ مَالِ الْمُعَزَّرِ" فَإِشَارَةٌ مِنْهُ إلَى مَا يَفْعَلُهُ الْوُلَاةُ الظَّلَمَةُ.
القسم العربي من موقع (الإسلام، سؤال وجواب) (5/ 6240) الرقم: (٧٢٨٣١)
التعزير بالمال:
في بلادنا إذا تكلمت بالهاتف النقال أثناء قيادة السيارة يخالفك شرطي المرور بمخالفة قدرها (500 دينار)، فهل تعطي رشوة لإعفائك منها إذا كان معك مال، أو لم يكن لديك مال، مع العلم إذا لم يكن لديك مال فستسجن، فماذا أفعل؟
الْجَوَابُ:
الحمد لله، جاءت الشرائع الربانية بحفظ الضرورات الخمس: الدين، والعقل، والنفس، والمال، والعرض، ومما لا شك فيه أن الالتزام بقواعد السير وأنظمة المرور مما يساهم في الحفاظ على النفس، والمال، وعليه؛ فإن الشريعة الإسلامية تُلزم المسلمين بالالتزام بهذه القواعد والأنظمة، وخاصة أنه ليس فيها ما يخالف الشرع، إنما هي للحفاظ على أرواح الناس وممتلكاتهم.
وليست مخالفة هذه القواعد والأنظمة مما يعود ضرره على السائق وحده، بل إنه يتعدى ذلك إلى غيره من الناس، فالحوادث التي تحصل في الطرق نتيجة مخالفة تلك القواعد والأنظمة يكون فيها غالبًا أطراف متعددة، وهذا يزيد من مسئولية المخالف، ويشغل ذمته بأحكام متعددة، كالدية، والصيام، وتعويض الضرر، وغيرها.
وتعزير المخالف بدفع الغرامة المالية جائز شرعًا، وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وابن فرحون من المالكية، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، بل قد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "الطرق الحكمية" أدلة كثيرة على جواز التعزير بالمال، ونقل كلام شيخ الإسلام فيه، ورد على من قال بنسخه.
وفي (حاشيته على تهذيب سنن أبي داود 4 / 319) قال: "وفي ثبوت شرعية العقوبات المالية عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت نسخها بحجة، وعَمِل بها الخلفاءُ بعده". انتهى.
وينبغي أن تكون الغرامة معقولةً، بحيث تحصل المصلحة المقصودة منها، وهي: ردع الناس عن هذه المخالفة، ولا بأس بأن تكون مرتفعة بحسب طبيعة المخالفة وقوة أثرها على النفس والآخرين.
وانظر هذه المسألة في جواب السؤال رقم (21900).
ومما لا شك فيه أن استعمال السائق للجوال أثناء قيادة السيارة مما يسبب حوادث قد تؤدي إلى إزهاق أرواح، فضلًا عن إتلاف أموال.
وقد تنادى العقلاء في كل أرجاء الأرض إلى ضرورة التشديد في العقوبة لمنع استعمال الجوال أثناء القيادة، وقد قامت أبحاث ميدانية في "بريطانيا" تبيَّن بها أن التأثير السلبي لاستعمال الجوال يفوق ما تحدثه الخمور من تأثير على قدرة السائق في التحكم بالسيارة!
وهذه الأبحاث بيَّنت أن قائد السيارة الذي يستعمل الهاتف الجوال أثناء القيادة أقل تحكمًا بالقيادة بنسبة ثلاثين بالمائة بالمقارنة بمن يقودها وهو في حالة السكر!!
أما بالمقارنة مع الشخص العادي فإن تحكُّم من يستعمل الهاتف الجوال أثناء القيادة أقل بنسبة خمسين بالمائة!
بل إن بعض الخبراء يقولون: إن استعمال السائقين للجوال أثناء قيادة سياراتهم حتى ولو كان عن طريق سماعات الأذن فإنه يضاعف احتمالات وقوع حوادث بنسبة 400 بالمائة!
وانظر تفصيل ذلك في جريدة "الوطن" القطرية، الأربعاء 20 / 7 / 2005م.
والخلاصة: أن استعمال الهاتف الجوال أثناء قيادة السيارة سبب رئيس لحصول الحوادث، فترتيب عقوبة على هذه المخالفة -سواء كانت بتغريم مال، أو السجن- له ما يبرره، وعليه؛ فلا يجوز لك دفع رشوة للشرطي حتى لا يوقع عليك هذه العقوبة؛ لأنك أنت المقصّر والمتعدي، إلا إذا كان الشرطيّ ظالمًا، بحيث ادَّعى عليك شيئًا لم تفعله، فلا حرج في هذه الحالة إذا لم تستطع التخلص من ظلمه إلا بدفع رشوة له أو لغيره، وانظر بيان ذلك في جواب السؤال رقم (72268)، والله أعلم.
فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى (22/ 217)
التعزير بالمال:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد، فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفتاء الوارد إلى سماحة الرئيس العام من مدير عام مصلحة مياه ومجاري المنطقة الشرقية، بواسطة فضيلة رئيس محاكم المنطقة الشرقية المقيد بإدارة البحوث برقم (2020) في 19 / 8 / 1403 هـ، ونصه: "إن نظام مصالح المياه والمجاري الصادر بالمرسوم الملكي رقم (22) في 23 / 6 / 1391 هـ، يقضي في المادة (16) منه على أنه إذا لم يف المنتفع بمياه الشرب، أو المرتفق بالمجاري بالمستحق عليه للمصلحة خلال سبعة أيام من تاريخ المطالبة، فتنذره المصلحة إذا لم يسدد خلال سبعة أيام من تاريخ الإنذار، فتفرض عليه غرامة قدرها (20%) من المستحق عليه الذي لم يف به، فإذا لم يف بذلك فيتم استحصال المستحق عليه مع غرامة قدرها (20%) من المستحق عليه الذي لم يف به، فإذا لم يف بذلك فيتم استحصال المستحق عليه مع الغرامة طبقًا لقواعد جباية أموال الدولة، وتتساءل المصلحة عما إذا كان يوجد في تحصيل ما يعادل نسبة (20%) من المبلغ المستحق على المشترك على الوجه المشار إليه أية شبهة من الناحية الشرعية في ضوء العنصرين التاليين:
1 - أنه ليس ثمة قرض من جانب المصلحة للمشترك، وإنما هو مبلغ مستحق عن استهلاكه من المياه والارتفاق بالمجاري.
2 - أن هذه النسبة يقابلها الجهود المبذولة من جانب المصلحة مقابل المطالبة والإنذار.
نأمل الإفادة.
وأجابت بما يلي:
لا مانع من أخذ المصلحة للغرامة المذكورة من باب التعزير بالمال؛ لتحقيق المصلحة العامة، وذلك لا بأس به شرعًا، في أصح قولي العلماء؛ سدًّا لذريعة التلاعب بالحقوق العامة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
عضو … نائب الرئيس … الرئيس.
عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز.