رد المحتار على الدر المختار (1/ 565) (المذهب الحنفي)
(فإن فعلن تقف الإمام وسطهن)، فلو قدمت أثمت إلا الخنثى فيتقدمهن (كالعراة) فيتوسطهم إمامهم وسطهن). ويكره جماعتهم تحريما فتح. (ويكره حضورهن الجماعة) ولو لجمعة وعيد ووعظ (مطلقا) ولو عجوزا ليلا (على المذهب) المفتى به لفساد الزمان، واستثنى الكمال بحثا العجائز والمتفانية، (كما تكره إمامة الرجل لهن في بيت ليس معهن رجل غيره ولا محرم منه) كأخته (أو زوجته أو أمته، أما إذا كان معهن واحد ممن ذكر أو أمهن في المسجد لا) يكره بحر (ويقف الواحد) ولو صبيا، أما الواحدة فتتأخر (محاذيا) أي مساويا (ليمين إمامه) على المذهب، ولا عبرة بالرأس بل بالقدم، فلو صغيرا، فالأصح ما لم يتقدم أكثر قدم المؤتم لا تفسد، فلو وقف عن يساره كره (اتفاقا وكذا) يكره (خلفه على الأصح) لمخالفة السنة (والزائد) يقف (خلفه)، فلو توسط اثنين كره تنزيها وتحريما لو أكثر، ولو قام واحد بجنب الإمام وخلفه صف كره إجمالا.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (المذهب المالكي)
(كوقوف ذكر) بالغ (عن يمينه) وندب أيضا تأخره عنه قليلا، فإن جاء آخر ندب لمن على اليمين أن يتأخر حتى يكون خلفه ولا يتقدم الإمام (و) ندب وقوف (اثنين) فأكثر (خلفه) (وصبي) مبتدأ.
وقوله: (عقل القربة) نعته أي أدرك أن الطاعة يثاب على فعلها، ويعاقب على تركها (كالبالغ) خبره، فيقف عن يمينه ومع غيره خلفه، فإن لم يعقل القربة ترك يقف حيث شاء (ونساء) واحدة فأكثر يندب وقوفهن (خلف الجميع) أي جميع من تقدم فمع إمام وحده خلفه ومع رجل عن يمينه خلفهما ومع رجال خلفه خلفهم.
قوله: (ونساء خلف الجميع)، ويقف الخنثى أمامها فيتوسط بين الرجال والنساء، وفي ح ويكره للرجل أن يؤم الأجنبيات وحدهن والكراهة في الواحدة أشد اهـ، وكأنهم لم يحرموا ذلك كالخلوة؛ لأن الصلاة مانعة.
قوله: (خلفهما) أي بحيث يكون بعضها خلف الإمام وبعضها خلف من على يمينه، والظاهر كما قال شيخنا: إنه إذا وقف على يمين الإمام أكثر من واحد، فإنها تقف خلف الإمام وخلف من بلصقه.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (2/ 187) (المذهب الشافعي)
(ويندب) للمأموم (تخلفه) عن إمامه (قليلا) عرفا فيما يظهر استعمالا للأدب، وإظهارا لرتبة الإمام عليه، ولا يزيد على ثلاثة أذرع، وقد تسن المساواة كما سيأتي في العراة والتأخر كثيرا كما في امرأة خلف رجل. (والاعتبار) في تقدمه وتأخره ومساواته في القيام، ومثله الركوع فيما يظهر (بالعقب) وهو مؤخر القدم لا الكعب وأصابع الرجل، إذ فحش التقدم إنما يظهر به فلا اعتبار بتقدم أصابع المأموم مع تأخر عقبه، بخلاف عكسه، وفي القعود بالألية ولو في التشهد وإن كان راكبا، وفي الاضطجاع بالجنب وفي الاستلقاء احتمالان أوجههما برأسه سواء فيما ذكر اتحدا قياما مثلا أم لا، ومحل ما تقرر في العقب وما بعده إن اعتمد عليه، فإن اعتمد على غيره وحده كأصابع القائم وركبة الجالس اعتبر ما اعتمد عليه فيما يظهر، ولو اعتمد عليهما صحت القدوة كما اقتضاه كلام البغوي وأفتى به الوالد -رحمه الله تعالى، فلو صلى قائما معتمدا على خشبتين تحت إبطيه فصارت رجلاه معلقتين في الهواء، فإن لم تمكنه غير هذه الهيئة فالأوجه اعتبار الخشبتين، أما إذا تمكن على غير هذا الوجه فصلاته غير صحيحة، ولو تعلق مقتد بحبل وتعين طريقا اعتبر منكبه فيما يظهر، وبحث بعض أهل العصر أن العبرة في الساجد بأصابع قدميه ولا بعد فيه غير أن إطلاقهم يخالفه. (ويستديرون) أي المأمومون استحبابا إذا صلوا (في المسجد الحرام) (حول الكعبة)، وإن لم يضق المسجد خلافا للزركشي كما فعله ابن الزبير، ووقع عليه الإجماع، ولما فيه من إظهار تميزها على غيرها وتعظيمها والتسوية بين الجميع في توجههم لها، ويسن أن يقف الإمام خلف المقام للاتباع، والصف الأول صادق على المستدير حول الكعبة المتصل بما وراء الإمام وعلى من في غير جهته، وهو أقرب إلى الكعبة منه حيث لم يفصل بينه وبين الإمام صف، فقد قالوا: إن الصف الأول هو الصف الذي يلي الإمام سواء أحالت مقصورة وأعمدة أم لا. ومما عللت به أفضليته الخشوع لعدم اشتغاله بمن أمامه، كذا أفتى به الوالد -رحمه الله تعالى- ولا يمنع الصف تخلل نحو منبر. ويعلم مما تقدم في باب استقبال القبلة أنه لو وقف صف طويل في أخريات المسجد الحرام لم تصح صلاة من خرج عن سمت الكعبة لو قرب منها كما ذكر ذلك بعض المتأخرين، لكن جزما بخلافه، ولا ينافيه ما مر في فصل الاستقبال من البطلان؛ لأنه محمول على القرب من الكعبة، وهذا في حالة البعد عنها (ولا يضر كونه أقرب إلى الكعبة في غير جهة الإمام في الأصح) لعدم ظهور مخالفة فاحشة به بخلافه في جهته، فلو توجه الإمام الركن الذي فيه الحجر مثلا فجهته مجموع جهتي جانبيه، فلا يتقدم عليه المأموم المتوجه له ولا لإحدى جهتيه. والثاني: يضر كما لو كان في جهته، والأوجه فوات فضيلة الجماعة بهذه الأقربية المذكورة كما لو انفرد عن الصف، ويدل على ذلك قوة الخلاف، إذ الخلاف المذهبي أولى بالمراعاة من غيره، وقد أفتى بفواتها الوالد -رحمه الله تعالى- (وكذا) لا يضر (لو وقفا) أي الإمام والمأموم (في الكعبة) أي داخلها (واختلفت جهتاهما) بأن كان وجهه لوجهه أو ظهره لظهره أو ظهر أحدهما إلى جنبه فتصح، وإن كان متقدما عليه حينئذ، فإن كان وجه الإمام لظهر المأموم ضر كما أفهمه كلام المصنف لتقدمه عليه مع اتحاد جهتهما فلا ترد على عبارته. (ويقف) ندبا المقتدي وتعبيره بذلك، وفيما سيأتي للغالب، فلو لم يصل واقفا كان الحكم كذلك (الذكر) ولو صبيا إذا لم يحضر غيره (عن يمينه) لما صح عن «ابن عباس أنه وقف عن يسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخذ برأسه فأقامه عن يمينه». ويؤخذ منه أنه لو فعل أحد من المقتدين خلاف السنة استحب للإمام إرشاده إليها بيده أو غيرها إن وثق منه بالامتثال، ولا يبعد أن يكون المأموم في ذلك مثله في الإرشاد المذكور، ويكون هذا مستثنى من كراهة الفعل القليل بل في المجموع، والتحقيق أنه لو وقف عن يساره أو خلفه ندب التحويل إلى اليمين وإلا فليحوله الإمام لحديث ابن عباس، ومقتضاه عدم الفرق بين الجاهل وغيره وهو الأقرب وإن اقتضى كلام المهذب اختصاصه به. (فإن حضر) ذكر (آخر أحرم) ندبا (عن يساره) بفتح الياء على الأفصح، فإن لم يكن بيساره محل أحرم خلفه ثم تأخر إليه من هو على اليمين، ولو خالف ذلك كره وفاتت به فضيلة الجماعة كما أفتى به الوالد -رحمه الله تعالى. نعم إن عقب تحرم الثاني تقدم الإمام أو تأخرهما نالا فضيلتها، وإلا فلا تحصل لواحد منهما كما يعلم من قوله (ثم) بعد إحرامه لا قبله (يتقدم الإمام أو يتأخران) في القيام، ويلحق به الركوع كما بحثه الشيخ -رحمه الله تعالى- خلافا للبلقيني، (وهو) أي تأخرهما (أفضل) من تقدم إمامه عند إمكان كل منهما؛ لأن الإمام متبوع فلا يناسبه الانتقال، فإن لم يمكن إلا أحدهما فعل الممكن لتعينه في أداء السنة، وأصل ذلك خبر مسلم عن جابر -رضي الله عنه- «قمت عن يسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأدارني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه». أما في غير القيام وما ألحق به، ولو كان تشهدا آخرا فلا يسن فيه ذلك، وإن أوهم كلام الروضة خلافه؛ لأنه لا يتأتى إلا بعمل كثير أو يشق غالبا.
(ولو حضر) ابتداء معا أو مرتبا (رجلان) أو صبيان (أو رجل وصبي صفا خلفه) للاتباع أيضا، ويسن أن لا يزيد ما بينه وبينهما كما بين كل صفين على ثلاثة أذرع. (وكذا لو حضر امرأة) ولو محرما أو زوجة (أو نسوة) تقوم أو يقمن خلفه لخبر أنس السابق، فإن حضر معه ذكر وامرأة وقف الذكر عن يمينه والمرأة خلف الذكر، أو امرأة وذكران وقفا خلفه وهي خلفهما، أو ذكر وامرأة وخنثى وقف الذكر عن يمينه والخنثى خلفهما لاحتمال أنوثته والمرأة خلفه لاحتمال ذكورته.
(ويقف خلفه الرجال ثم) إن تم صفهم وقف خلفهم (الصبيان) وإن كانوا أفضل من الرجال لعلم أو نحوه خلافا للدارمي ومن تبعه، فإن لم يتم صف الرجال كمل بالصبيان؛ لأنهم من الجنس، أما إذا كان تاما لكن كان بحيث لو دخل الصبيان معهم فيه لوسعهم فالأوجه تأخرهم عنهم كما اقتضاه إطلاق الأصحاب خلافا للأذرعي، وبذلك علم أن كلامنا الأول غير فرض الأذرعي، ولو حضر الصبيان أولا لم ينحوا للبالغين لأنهم من الجنس بخلاف غيرهم، ثم الخناثى، وإن لم يكمل صف من قبلهم (ثم النساء) كذلك لخبر مسلم «ليليني» بتشديد النون بعد الياء وبحذفها وتخفيف النون «منكم أولو الأحلام والنهى» أي البالغون العقلاء «ثم الذين يلونهم ثلاثا».
(وتقف إمامتهن) ندبا (وسطهن) بسكون السين لورود ذلك عن عائشة وأم سلمة -رضي الله عنهما، فإن أمهن خنثى تقدم كالذكر وإمام عراة فيهم بصير ولا ظلمة كإمامة النساء وإلا تقدم عليهم، ومخالفة ما ذكر مكروهة تفوت فضيلة الجماعة كما مر.
شرح منتهى الإرادات (1/ 278) (المذهب الحنبلي)
(السنة وقوف إمام جماعة) اثنين فأكثر (متقدما) عليهم؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- «كان إذا قام إلى الصلاة تقدم وقام أصحابه خلفه». ولمسلم وأبي داود «أن جابرا وجبارا وقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فأخذ بأيديهما حتى أقامهما خلفه». والسنة أيضا: توسطه الصف وقربه منه (إلا) إمام (العراة فـ) يقف (وسطا) بينهم (وجوبا) إلا أن يكونوا عميانا، أو في ظلمة وتقدم. (و) إلا (امرأة أمت نساء، فـ) تقف (وسطا) بينهن (ندبا) روي عن عائشة -رضي الله عنها، ورواه سعيد عن أم سلمة، ولأنه أستر لها. (وإن تقدمه) أي: الإمام (مأموم، ولو بإحرام) بالصلاة، ثم رجع القهقرى حتى وقف موقفه (لم تصح) الصلاة (له) أي: المأموم؛ لأنه يحتاج في اقتدائه به إلى الالتفات في صلاته، فيستدبر القبلة عمدا وإلا لأدى إلى مخالفته له في أفعاله، وكلاهما يبطل الصلاة وعلم منه: صحة صلاة الإمام، فإن جاء غيره فوقف في موقفه صحت جماعة، وكذا إن تقدم بعد إحرامه مع إمامه بطلت صلاته ويتمها الإمام منفردا. (غير قارئة أمَّت رجالا) أميين في تراويح (أو) أمَّت (خناثى أميين في تراويح) فتقف خلفهم، لحديث أم ورقة وتقدم. (وفيما إذا تقابلا) أي: الإمام والمأموم داخل الكعبة (أو تدابرا داخل الكعبة) فيصح الاقتداء؛ لأنه لا يتحقق تقدمه عليه و (لا) تصح صلاة مأموم (إن جعل ظهره إلى وجه إمامه) داخل الكعبة كخارجها، لتحقق التقدم (وفيما إذا استدار الصف حولها) أي: الكعبة (والإمام عنها) أي: الكعبة (أبعد ممن) أي: المأموم الذي (هو في غير جهته) بأن كانوا في الجهة التي عن يمينه، أو شماله، أو مقابلته، وأما الذين في جهته التي يصلي إليها، فمتى تقدموا عليه لم تصح لهم، لتحقق التقدم. (و) إلا (في شدة خوف) فلا يضر تقدم المأموم للعذر، ويصح الاقتداء (إن أمكنت متابعة) مأموم لإمامه فإن لم تمكن متابعته، لم يصح الاقتداء (والاعتبار) في التقدم والتأخر حال قيام (بمؤخر قدم) وهو العقب ولا يضر تقدم أصابع المأموم لطول قدمه ولا تقدم رأسه في السجود لطوله، فإن صلى قاعدا فالاعتبار بالألية، لأنها محل القعود، حتى لو مد رجليه وقدمهما على إمامه، لم يضر، كما لو قدم القائم رجله مرفوعة عن الأرض، لعدم اعتماده عليها. (وإن وقف جماعة عن يمينه) أي: الإمام (أو) وقفوا (بجانبه) أي: الإمام (صح) اقتداؤهم به لحديث ابن مسعود «صلى بين علقمة والأسود، وقال: هكذا رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل». رواه أحمد: لكن قال ابن عبد البر: لا يصح رفعه. والصحيح: أنه من قول ابن مسعود، وأجاب ابن سيرين: بأن المسجد كان ضيقا رواه البيهقي (ويقف) مأموم (واحد، رجل، أو خنثى عن يمينه). أي: الإمام لإدارته -صلى الله عليه وسلم- ابن عباس وجابرا إلى يمينه، لما وقفا عن يساره. رواه مسلم.
قال في المبدع: ويندب تخلفه قليلا، خوفا من التقدم، ومراعاة للمرتبة فإن بان عدم صحة مصافته له، لم تصح.