رد المحتار على الدر المختار (2/ 119) (المذهب الحنفي)
وسجدة الشكر: مستحبة به يفتى لكنها تكره بعد الصلاة لأن الجهلة يعتقدونها سنة أو واجبة وكل مباح يؤدي إليه فمكروه، ...(قوله وسجدة الشكر) كان الأولى تأخير الكلام عليها بعد إنهاء الكلام على سجدة التلاوة ط وهي لمن تجددت عنده نعمة ظاهرة أو رزقه الله تعالى مالا أو ولدا أو اندفعت عنه نقمة ونحو ذلك يستحب له أن يسجد لله تعالى شكرا مستقبل القبلة يحمد الله تعالى فيها ويسبحه ثم يكبر فيرفع رأسه كما في سجدة التلاوة سراج.
(قوله به يفتى) هو قولهما. وأما عند الإمام فنقل عنه في المحيط أنه قال لا أراها واجبة لأنها لو وجبت لوجب في كل لحظة لأن نعم الله تعالى على عبده متواترة وفيه تكليف ما لا يطاق. ونقل في الذخيرة عن محمد عنه أنه كان لا يراها شيئا وتكلم المتقدمون في معناه؛ فقيل لا يراها سنة، وقيل شكرا تاما لأن تمامه بصلاة ركعتين كما فعل - عليه الصلاة والسلام - يوم الفتح، وقيل أراد نفي الوجوب، وقيل نفي المشروعية وأن فعلها مكروه لا يثاب عليه بل تركه أولى وعزاه في المصفى إلى الأكثرين فإن كان مستند الأكثرين ثبوت الرواية عن الإمام به فذاك وإلا فكل من عبارتيه السابقتين محتمل والأظهر أنها مستحبة كما نص عليه محمد لأنها قد جاء فيها غير ما حديث وفعلها أبو بكر وعمر وعلي فلا يصح الجواب عن فعله - صلى الله عليه وسلم - بالنسخ كذا في الحلية ملخصا وتمام الكلام فيها وفي الإمداد فراجعهما. وفي آخر شرح المنية: وقد وردت فيه روايات كثيرة عنه - عليه الصلاة والسلام - فلا يمنع عنه لما فيه من الخضوع وعليه الفتوى. وفي فروق الأشباه: سجدة الشكر جائزة عنده لا واجبة وهو معنى ما روي عنه أنها ليست مشروعة وجوبا وفيها من القاعدة الأولى والمعتمد أن الخلاف في سنيتها لا في الجواز. اهـ.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (2/ 102) (المذهب الشافعي)
(وسجدة الشكر لا تدخل الصلاة) ؛ لأن سببها غير متعلق بها فلو سجدها فيها عامدا عالما بالتحريم بطلت صلاته (و) إنما (تسن لهجوم نعمة) له أو لنحو ولده أو لعموم المسلمين ظاهرة من حيث لا يحتسب كولد أو جاه أو مال أو نصر على عدو أو قدوم غائب أو شفاء مريض بشرط كون ذلك حلالا فيما يظهر، ومن حدوث المال حصول وظيفة دينية: أي وهو أهل لها أخذا مما مر، وهل الهجوم مغن عن القيدين بعده أو لا؟ الأوجه الثاني، ولا ينافيه تمثيلهم بالولد كما سيأتي إيضاحه (أو اندفاع نقمة) عنه أو عمن ذكر ظاهرة من حيث لا يحتسب كنجاة من غرق أو حريق لما صح «أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جاءه أمر يسر به خر ساجدا» ورواه في دفع النقمة ابن حبان، ولما روي أنه قال «سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فسجدت شكرا لربي وهكذا ثلاث مرات» ولما جاءه كتاب علي من اليمن بإسلام همدان سجد لله تعالى، ولما أخبره جبريل أن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرا سجد أيضا، وخرج بالظاهرتين المذكور عن الشافعي والأصحاب، وجزم به جمع، وإن قال الإسنوي الظاهر خلافه، واغتر به الجوجري المعرفة وستر المساوي على ما قاله الشيخ، ونظر فيه بأن السجود لحدوث المعرفة واندفاع المساوي أولى من السجود لكثير من النعم، واستدل على ما ذكره بسجوده - صلى الله عليه وسلم - لإخبار جبريل، ويمكن منع الاستدلال على مدعاه بأن أخبار جبريل خرجت عن موضوع المعرفة إلى نعمة حدثت عامة للمسلمين، هذا والأولى أن يحترز به عما لا وقع له عادة كحدوث درهم وعدم رؤية عدو لا ضرر فيها ولهذا قال الإمام: اشترط في النعمة أن يكون لها بال: أي وقع وخطر، وخرج بقولنا من حيث لا يحتسب: أي من حيث لا يدري تبعا لما في الروضة وإن نازع فيه الإسنوي واغتر به ابن المقري فحذفه من روضه، وتبعه على المنازعة الجوجري ما لو تسبب فيهما تسببا تقضي العادة بحصولهما عقبه ونسبتهما له، فلا سجود حينئذ كربح متعارف لتاجر يحصل عادة عقب أسبابه وعلم مما تقرر عدم اعتبار تسببه في حصول الولد بالوطء والعافية بالدواء؛ لأن ذلك لا ينسب في العادة إلى فعله ويعد فيها نعمة ظاهرة، وخرج بالحدوث استمرار النعم واندفاع النقم كالعافية والإسلام والغنى عن الناس فلا سجود لها؛ لأنه يؤدي إلى استغراق العمر في السجود، ويستحب إظهار السجود لذلك إلا إن تجددت له ثروة أو جاه أو ولد مثلا بحضرة من ليس له ذلك وعلم بالحال فيخيفه لئلا ينكسر قلبه، ولو ضم صدقة أو صلاة لسجوده فهو أولى، فالذي فهمه المصنف من كلام البغوي الذاكر لسنية التصدق أو الصلاة شكرا أنه يسن فعل ذلك مع السجود، والذي فهمه الخوارزمي تلميذ البغوي من كلامه أنه يقوم مقامه، والأول أوجه.
(أو رؤية مبتلى) في نحو عقله أو بدنه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - سجد مرة لرؤية زمن، وأخرى لرؤية رجل به قصر بالغ وضعف حركة ونقص خلق أو بلاء واختلاط عقل على الخلاف في ذلك، والحديث وإن كان مرسلا فقد اعتضد بشواهد أكدته، والسجود هنا على السلامة من ذلك (أو) رؤية (عاص) متجاهر بمعصيته كما في الكفاية عن الأصحاب وإن نازع فيه الزركشي، ومنه الكافر كما في البحر، إذ مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا فطلب منه السجود شكرا على السلامة من ذلك؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - سجد لرؤية المبتلى والأوجه كما قاله جمع أنه لو حضر المبتلى والعاصي عند أعمى أو سمع صوتهما سامع ولم يرهما سن له السجود أيضا فالشرط إما الرؤية ولو من بعد، والتعبير بها جرى على الغالب أو حضورهما عند الأعمى أو سماع صوتهما له أو لغيره، ولا يلزم تكرر السجود إلى ما لا غاية له فيمن هو ساكن بإزائه مثلا؛ لأنا لا نأمره به كذلك إلا إذا لم يوجد أهم منه يقدم عليه (ويظهرها) أي السجدة (للعاصي) بقيده المار.
شرح منتهى الإرادات (1/ 254) (المذهب الحنبلي)
(وسن) سجود (لشكر) الله (عند تجدد نعم) مطلقا.
(و) عند (اندفاع نقم مطلقا) أي: عامة، أو خاصة به كتجدد ولد، ونصرة على عدو ولحديث أبي بكرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسر به خر ساجدا» " رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححه وعلم من قوله: تجدد نعم: أنه لا يسجد لدوامها لأنه لا ينقطع فلو شرع السجود له لاستغرق به عمره.
(وإن سجد له) أي: الشكر (في صلاة بطلت) صلاته إن كان عالما عامدا لأن سببه لا يتعلق بالصلاة بخلاف سجود التلاوة و (لا) تبطل الصلاة به (من جاهل، أو ناس) كما لو زاد فيها سجودا كذلك.
(وصفته) أي: سجود الشكر (وأحكامه كسجوده تلاوة) فيكبر إذا سجد وإذا رفع، ويقول فيه: سبحان ربي الأعلى، ويجلس إذا رفع ويسلم وتجزئ واحدة ويستحب سجود شكر أيضا عند رؤية مبتلى في بدنه، أو دينه.