رد المحتار على الدر المختار (2/ 423) (المذهب الحنفي)
(فإن ماتوا فيه) أي: في ذلك العذر (فلا تجب) عليهم (الوصية بالفدية)؛ لعدم إدراكهم عدة من أيام أخر، (ولو ماتوا بعد زوال العذر وجبت) الوصية بقدر إدراكهم عدة من أيام أخر، وأما من أفطر عمدًا فوجوبها عليه بالأولى (وفدى) لزومًا (عنه) أي: عن الميت (وليه) الذي يتصرف في ماله (كالفطرة) قدرًا (بعد قدرته عليه) أي: على قضاء الصوم (وفوته) أي: فوت القضاء بالموت، فلو فاته عشرة أيام فقدر على خمسة فداها فقط (بوصيته من الثلث) متعلق بفدى، وهذا لو له وارث وإلا فمن الكل، قهستاني.
(وإن) لم يوص و (تبرع وليه به جاز) إن شاء الله، ويكون الثواب للولي، اختيار.
(وإن صام أو صلى عنه) الولي (لا)؛ لحديث النسائي: «لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه وليه»...
قوله: (لحديث النسائي إلخ) هو موقوف على ابن عباس.
وأما ما في الصحيحين عن ابن عباس أيضًا أنه قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق» فهو منسوخ؛ لأن فتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ، وقال مالك: ولم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة أن أحدًا منهم أمر أحدًا يصوم عن أحد، وهذا مما يؤيد النسخ، وأنه الأمر الذي استقر الشرع عليه، وتمامه في الفتح وشرح النقاية للقاري.
قوله: (بكفارة يمين أو قتل إلخ) كذا في الزيلعي والدرر والبحر والنهر.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (3/ 189) (المذهب الشافعي)
(وإن) (مات بعد التمكن) من القضاء ولم يقض (لم يصم عنه وليه في الجديد) أي: لا يصح؛ إذ الصوم عبادة بدنية لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك بعد الموت كالصلاة، وسواء في ذلك ما فات بعذر أم بغيره، وعلم من تعبيره بالموت عدم صحة الصوم عن حي تعذر صومه بمرض أو غيره.
ولو مأيوسًا من برئه، وادعى في زوائد الروضة أنه لا خلاف فيه، وفي شرح مسلم عن الماوردي وغيره أنه إجماع (بل يخرج من تركته لكل يوم) فاته صومه (مد طعام) من غالب قوت بلده والقديم أنه لا يتعين الإطعام، بل يجوز للولي الصوم عنه، بل يستحب له ذلك، كما في شرح مسلم لخبر: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وسيأتي ترجيحه، هذا كله فيمن مات مسلمًا، فإن ارتد ومات لم يصم عنه ويتعين الإطعام قطعًا.(وكذا النذر والكفارة) بأنواعها في تداركهما القولان وتقييد الحاوي الصغير الكفارة بالقتل غريب، بل قال بعضهم: لا يوجد في غيره.
(قلت: القديم هنا أظهر والله أعلم) وعبر عنه في التصحيح بالمختار وفي الروضة (بالصواب) وأنه الذي ينبغي الجزم به للأحاديث الصحيحة، وليس للجديد حجة من السنة، والحديث الوارد بالإطعام ضعيف اهـ.
ونقل البندنيجي أن الشافعي نص عليه في الأمالي أيضا فقال: إن صح الحديث قلت به، والأمالي من كتبه الجديدة.
وقال البيهقي: لو وقف الشافعي على جميع طرق هذه الأحاديث وتظاهرها لم يخالفها إن شاء الله تعالى.قال السبكي: وهو كما قال ويتعين أن يكون هو المختار والمفتى به (والولي) الذي يصوم على القديم (كل قريب) أي أي قريب كان (على المختار) لأنه مشتق من الولي بإسكان اللام وهو القرب فيحمل عليه ما لم يدل دليل على خلافه وإن لم يكن وارثا ولا ولي مال ولا عاصبًا.
والأوجه كما قاله الزركشي في خادمه اشتراط بلوغه ولا يشترط في الآذن والمأذون له الحرية فيما يظهر؛ لأن القن من أهل فرض الصوم بخلاف الصبي، ويؤيده ما يأتي من اشتراط بلوغ من يحج عن الغير، وإنما اشترطت حريته ثم لأن القن ليس من أهل حجة الإسلام فهو ثم كالصبي بخلافه هنا.
(ولو صام أجنبي) على هذا القول (بإذن الولي صح) ووقع عن الميت سواء أكان بأجرة وهي عند استئجار الوارث من رأس المال أو دونهما للأخبار الصحيحة كخبر الصحيحين المار، وخبر مسلم «أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة قالت له: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ فقال لها - عليه الصلاة والسلام -: صومي عن أمك» .
قال في المجموع: وهذا يبطل احتمال ولاية المال والعصوبة اهـ.
ومما يبطل الإرث: خبر أحمد وأبي داود «أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرًا فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك فقال: صومي عنها» فعدم استفصاله عن إرثها وعدمه يدل على العموم، وفي المجموع أيضًا مذهب الحسن البصري أنه لو صام عنه بالإذن ثلاثون في يوم واحد أجزأ، وهو الظاهر الذي اعتقده، ولكن لم أر فيه كلامًا لأصحابنا اهـ.
قال الأذرعي: وأشار إليه ابن الأستاذ تفقهًا، ويشهد له نظيره في الحج كما صرحوا به: أي فيما إذا وجب صيام بدلًا عن أمداد وجبت عليه ثم مات قبل أن يصوم فإنه إذا صام عنه جماعة بعدد الأمداد أجزأه.واستشهد له البارزي أيضًا بما لو استؤجر عنه بعد موته لحجة الإسلام واحد وآخر لنذر وآخر لقضاء في سنة واحدة فإنه يجوز، وسواء في جواز فعل الصوم أكان قد وجب فيه التتابع أم لا؛ لأن التتابع إنما وجب في حق الميت لمعنى لا يوجد في حق القريب، ولأنه التزم صفة زائدة على أصل الصوم فسقطت بموته، وقضية كلام الرافعي استواء مأذون الميت والقريب فلا يقدم أحدهما على الآخر.
أما إذا لم يخلف تركة فلا يلزم الوارث إطعام ولا صوم بل يسن له ذلك.
شرح منتهى الإرادات (1/ 491) (المذهب الحنبلي)
(و) إن أخره (لغيره) أي: لغير عذر (فمات قبل) أن يدركه رمضان آخر أطعم عنه لكل يوم مسكينًا، بلا قضاء، رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعًا بإسناد ضعيف، وقال: الصحيح عن ابن عمر موقوفًا.
وسئلت عائشة عن القضاء فقالت: «لا، بل يطعم»، رواه سعيد بإسناد جيد، وكذا قال ابن عباس.
(أو) مات (بعد أن أدركه رمضان فأكثر أطعم عنه لكل يوم مسكينًا فقط) أي: بلا قضاء لأن الصوم الواجب بأصل الشرع لا تدخله النيابة حال الحياة فبعد الموت كذلك كالصلاة، ولا يلزم عن كل يوم أكثر من إطعام مسكين، ولو مضت رمضانات كثيرة.
(ومن مات وعليه نذر صوم في الذمة، أو) عليه نذر (حج) في الذمة (أو) عليه نذر (صلاة) في الذمة (أو) نذر (طواف) في الذمة (أو) نذر (اعتكاف) في الذمة نصا (لم يفعل منه) أي: ما ذكر (شيئًا مع إمكان) فعل منذور، بأن مضى ما يتسع لفعله قبل موته، وإلا تبينا أن مقدار ما بقي منها صادف نذره حالة موته، وهو يمنع الثبوت في ذمته، كما لو نذر صوم شهر معين ومات قبله (غير حج) فيفعل عنه مطلقًا، تمكن منه أو لا، جواز النيابة فيه حال الحياة، فبعد الموت أولى.
(سن لوليه) أي: الميت (فعله) أي: النذر المذكور لحديث ابن عباس «أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: أفرأيت لو كان على أمك دين، فقضيتيه عنها أكان ذلك يؤدي عنها؟ قالت: نعم قال: فصومي عن أمك» متفق عليه، وفي الباب غيره، وما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه عن ابن عمر أنه قال: "لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد"، فيحمل على غير النذر للنصوص الصحيحة الصريحة في النذر والنيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها والنذر أخف حكمًا؛ لأنه لم يجب بأصل الشرع.
(ويجوز لغيره) أي: الولي فعل ما على ميت من نذر (بإذنه) أي: الولي (ودونه)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين يصح قضاؤه من الأجنبي.
(ويجوز صوم جماعة) عن ميت نذرًا (في يوم واحد) بأن نذر شهرًا ومات فصامه عنه ثلاثون في يوم واحد لحصول المقصود به مع إنجاز إبراء ذمته فظاهره: ولو كان متتابعًا، ومقتضى كلام المجد: لا يصح مع التابع، قال: وتعليل القاضي يدل على ذلك.
(وإن خلف) ميت ناذر (مالًا وجب) فعل نذره على ما تقدم لثبوته في ذمته كقضاء دين من تركته (فيفعله) أي النذر (وليه) إن شاء (أو يدفع) مالًا (لمن يفعل عنه) ذلك، وكذا حجة الإسلام (ويدفع في صوم عن كل يوم طعام مسكين في كفارة)؛ لأنه عدله في جزاء صيد وغيره.