رد المحتار على الدر المختار (26/ 247 - 252) (المذهب الحنفي).
(لا) (بالعمياء والعوراء والعجفاء) المهزولة التي لا مخ في عظامها (والعرجاء التي لا تمشي إلى المنسك) أي: المذبح، والمريضة البين مرضها (ومقطوع أكثر الأذن أو الذَّنَب أو العين) أي: التي ذهب أكثر نور عينها، فأطلق القطع على الذهاب مجازًا، وإنما يعرف بتقريب العلف (أو) أكثر (الألية)؛ لأن للأكثر حكم الكل بقاءً وذهابًا، فيكفي بقاء الأكثر، وعليه الفتوى، مجتبى.
(ولا) (بالهتماء) التي لا أسنان لها، ويكفي بقاء الأكثر، وقيل: ما تعتلف به (والسَّكَّاء) التي لا أذن لها خلقة، فلو لها أذن صغيرة خلقة أجزأت، زيلعي.
(والجَذَّاء) مقطوعة رءوس ضرعها أو يابستها، ولا الجدعاء: مقطوعة الأنف، ولا الْمُصَرَّمَة أطْباؤُها: وهي التي عولجت حتى انقطع لبنها، ولا التي لا ألية لها خلقة، مجتبى.
ولا بالخنثى؛ لأن لحمها لا ينضج، شرح وهبانية، وتمامه فيه.
(و) لا (الجَلَّالة) التي تأكل العذرة، ولا تأكل غيرها.....
قوله: (المهزولة...) إلخ، تفسير مراد؛ لأن العَجَفَ محركًا: ذهاب السمن، كما في القاموس، فلا يضر أصل الهزال، كما علم مما قدمناه؛ ولذا قيدت في حديث الموطأ: "والعجفاء التي لا تنقي".
قوله: (والعرجاء) أي: التي لا يمكنها المشي برجلها العرجاء، إنما تمشي بثلاث قوائم، حتى لو كانت تضع الرابعة على الأرض، وتستعين بها جاز، عناية.
قوله: (إلى المنسك) بكسر السين، والقياس: الفتح.
قوله: (ومقطوع أكثر الأذن...) إلخ، في البدائع: لو ذهب بعض الأذن أو الألية أو الذَّنَب أو العين.
ذكر في الجامع الصغير: إن كان كثيرًا يمنع، وإن يسيرًا لا يمنع.
واختلف أصحابنا في الفاصل بين القليل والكثير:
فعن أبي حنيفة أربع روايات، روى محمد عنه في الأصل والجامع الصغير: أن المانع ذهاب أكثر من الثلث، وعنه: أنه الثلث، وعنه: أنه الربع، وعنه: أن يكون الذاهب أقل من الباقي، أو مثله ا هـ بالمعنى، والأولى هي ظاهر الرواية، وصححها في الخانية، حيث قال: والصحيح أنه الثلث، وما دونه قليل، وما زاد عليه كثير، وعليه الفتوى ا هـ ومشى عليها في مختصر الوقاية والإصلاح.
والرابعة: هي قولهما، قال في الهداية: وقالا: إذا بقي الأكثر من النصف أجزأه، وهو اختيار الفقيه أبي الليث، وقال أبو يوسف: أخبرت بقولي أبا حنيفة، فقال: قولي هو قولك، قيل: هو رجوع منه إلى قول أبي يوسف، وقيل: معناه قولي قريب من قولك.
وفي كون النصف مانعًا روايتان عنهما ا هـ.
وفي البزازية: وظاهر مذهبهما: أن النصف كثير ا هـ.
وفي غاية البيان: ووجه الرواية الرابعة: وهي قولهما، وإليها رجع الإمام: أن الكثير من كل شيء: أكثره، وفي النصف تعارض الجانبان ا هـ أي: فقال بعدم الجواز احتياطًا، بدائع، وبه ظهر أن ما في المتن كالهداية والكنز والملتقى هو الرابعة، وعليها الفتوى، كما يذكره الشارح عن المجتبى، وكأنهم اختاروها؛ لأن المتبادر من قول الإمام السابق هو الرجوع عما هو ظاهر الرواية عنه إلى قولهما، والله تعالى أعلم.
وفي البزازية: وهل تجمع الخروق في أُذني الأضحية؟ اختلفوا فيه.
قلت: وقدم الشارح في باب المسح على الخفين أنه ينبغي الجمع احتياطًا.
قوله: (مجازًا) من إطلاق السبب أو الملزوم وإرادة المسبب أو اللازم.
قوله: (وإنما يعرف...) إلخ، قال في الهداية: ومعرفة المقدار في غير العين متيسرة.
وفي العين قالوا: تشد المعيبة بعد أن لا تعتلف الشاة يومًا أو يومين، ثم يقرب العلف إليها قليلًا قليلًا، فإذا رأته من موضع أُعْلِمَ عليه، ثم تشد الصحيحة وقرب إليها العلف كذلك، فإذا رأته من مكان أُعْلِمَ عليه، ثم ينظر إلى تفاوت ما بينهما، فإن كان ثلثًا فالذاهب هو الثلث، وإن نصفًا فالنصف ا هـ.
قوله: (الألية) بفتح الهمزة كسجدة، وجمعه - كما في القاموس -: أليات، وألايا.
قوله: (وقيل: ما تعتلف به) هو وما قبله روايتان، حكاهما في الهداية عن الثاني، وجزم في الخانية بالثانية، وقال قبله: والتي لا أسنان لها وهي تعتلف أو لا تعتلف لا تجوز.
قوله: (التي لا أذن لها خلقة) قال في البدائع: ولا تجوز مقطوعة إحدى الأذنين بكمالها، والتي لها أذن واحدة خلقة ا هـ قوله: (فلو لها أذن صغيرة خلقة أجزأت) وهذه تسمى: صمعاء بمهملتين، كما في القاموس، قوله: (والجذاء...) إلخ، هي بالجيم: التي يبس ضرعها، وبالحاء: المقطوعة الضرع، عيني، وهي في عدة نسخ بالذال المعجمة، ولم يذكر في القاموس شيئًا من المعنيين، نعم ذكر الجذ بالجيم: القطع المستأصل، وبالحاء: خفة الذَّنَب، وذكر الجداء بالجيم والدال المهملة الصغيرة: الثدي، والمقطوعة الأذن، والذاهبة اللبن، ومثله في نهاية ابن الأثير.
والذاهبة اللبن يأتي حكمها، وفي الظهيرية: ولا بأس بالجداء، وهي الصغيرة الأطْبَاء، جمع: طُبْي، وهو الضرع، قوله: (ولا الجدعاء) بالجيم والدال والعين المهملتين، وفي بعض النسخ بالذال المعجمة، وهي تحريف، وفي بعضها بالمعجمة والميم بعدها، ولا يناسب تفسير الشارح، وإن كان المعنى صحيحًا؛ لأن الأجذم مقطوع اليد أو الذاهب الأنامل، قاموس، وصرح في الدرر بأن مقطوعة اليد أو الرجل لا تجوز، قوله: (ولا الْمُصَرَّمَة أطْباؤها) مُصَرَّمَة كـ: مُعَظَّمَة، من الصَّرْم: وهو القطع، والأطْباء: بالطاء المهملة، جمع: طُبْي، بالكسر والضم: حلمات الضرع التي من خف وظلف وحافر وسبع، قاموس، وما رأيناه في عدة نسخ بالظاء المعجمة تحريف، قوله: (وهي...) إلخ، فسرها الزيلعي بالتي لا تستطيع أن ترضع فصيلها، وهو تفسير بلازم المعنى؛ لما في القاموس: هي ناقة يقطع أطباؤها ليبس الإحليل، فلا يخرج اللبن؛ ليكون أقوى لها، وقد يكون من انقطاع اللبن بأن يصيب ضرعها شيء، فيكون فينقطع لبنها. ا هـ.
وفي الخلاصة: مقطوعة رءوس ضروعها لا تجوز، فإن ذهب من واحدة أقل من النصف، فعلى ما ذكرنا من الخلاف في العين والأذن.
وفي الشاة والمعز إذا لم يكن لهما إحدى حلمتيهما خلقة، أو ذهبت بآفة، وبقيت واحدة لم يجز، وفي الإبل والبقر إن ذهبت واحدة يجوز أو اثنتان لا ا هـ وذكر فيها جواز التي لا ينزل لها لبن من غير علة.
وفي التتارخانية: والشطور لا تجزئ، وهي من الشاة: ما قطع اللبن عن إحدى ضرعيها، ومن الإبل والبقر: ما قطع من ضرعيها؛ لأن لكل واحد منهما أربع أضرع، قوله: (ولا التي لا ألية لها خلقة) الشاة إذا لم يكن لها أذن ولا ذَنَب خلقة.
قال محمد: لا يكون هذا، ولو كان لا يجوز، وذكر في الأصل عن أبي حنيفة أنه يجوز، خانية، ثم قال: وإن كان لها ألية صغيرة مثل الذَّنَب خلقة، جاز، أما على قول أبي حنيفة فظاهر؛ لأن عنده لو لم يكن لها أذن أصلًا، ولا ألية، جاز، وأما على قول محمد صغيرة الأذنين جائزة، وإن لم يكن لها ألية ولا أذن خلقة لا يجوز، قوله: (لأن لحمها لا ينضج) من باب: سمع.
وبهذا التعليل اندفع ما أورده ابن وهبان من أنها لا تخلو إما أن تكون ذكرًا أو أنثى، وعلى كل تجوز، قوله: (ولا الجلالة...) إلخ، أي: قبل الحبس.
قال في الخانية: فإن كانت إبلًا تمسك أربعين يومًا حتى يطيب لحمها، والبقر عشرين، والغنم عشرة، قوله: (ولا تأكل غيرها) أفاد أنها إذا كانت تخلط تجزي، ط.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (27/ 193 - 195) (المذهب الشافعي).
(وشرطها) أي: الأضحية لتجزئ، حيث لم يلتزمها ناقصة (سلامة من عيب ينقص لحمًا) يعني: مأكولًا؛ إذ مقطوعة الألية لا تجزئ، مع أنها ليست بلحم، على أنه قد يطلق عليه في بعض الأبواب، كما في قولهم: يحرم بيع اللحم بالحيوان، وسواء كان النقص في الحال، كقطع فلقة من نحو فخذ، أو المآل كعرج بيِّنٍ؛ لأنه ينقص رعيها فتهزل، ويعتبر سلامتها وقت الذبح، حيث لم يتقدمها إيجاب، وإلا فوقت خروجها عن ملكه.
وقضية كلامه: عدم إجزاء التضحية بالحامل؛ لأن الحمل يهزلها، وهو المعتمد، فقد حكاه في المجموع في آخر زكاة الغنم عن الأصحاب، وما وقع في الكفاية من أن المشهور إجزاؤها؛ لأن ما حصل من نقص اللحم ينجبر بالجنين غير معول عليه، فقد لا يكون فيه جبر أصلًا كالعلقة، وأيضًا فزيادة اللحم لا تجبر عيبًا، كعرجاء أو جرباء سمينة، وإنما عَدُّوا الحامل كاملة في الزكاة؛ لأن القصد فيها النسل دون طيب اللحم، وما جمع به بعضهم من حمل الإجزاء على ما إذا لم يحصل بالحمل نقص فاحش، ومقابله على خلافه مردود بما تقرر من أن الحمل نفسه عيب، وأن العيب لا يجبر وإن قل.
نعم يتجه إجزاء قريبة العهد بالولادة؛ لزوال المحذور بها، أما لو التزمها ناقصة، كأن نذر الأضحية بمعيبة أو صغيرة أو قال: جعلتها أضحية، فإنه يلزمه ذبحها، ولا تجزئ ضحية، وإن اختص ذبحها بوقت الأضحية وجرت مجراها في الصرف، وعلم مما قررنا أنه لو نذر التضحية بهذا وهو سليم، ثم حدث به عيب ضحى به، وثبتت له أحكام التضحية، ويَنقُص - بفتح أوله وضم ثالثه بضبط المصنف؛ إذ هي لغة القرآن - (فلا تجزئ عجفاء) وهي التي ذهب مخها من الهزال، وقد يكون خلقةً، أو لهرم، أو مرض؛ للخبر الصحيح: "أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والكسيرة" وفي رواية: "والعجفاء التي لا تنقي" من النِّقْي - بكسر النون وسكون القاف - وهو المخ، (ومجنونة)؛ لأنه ورد النهي عن التَّوْلاء، وهي المجنونة التي تستدبر المرعى، ولا ترعى إلا القليل، وذلك يورث الهزال، (ومقطوعة بعض أذن) أُبِينَ، وإن قَلَّ؛ لذهاب جزء مأكول، وأفهم كلامه عدم إجزاء مقطوعة كلها بالأولى، وكذا فاقدتها خلقةً، ولا يضر فقد ألية خلقةً؛ إذ المعز لا ألية له، ولا فقد ضرع؛ إذ الذكر لا ضرع له، ويفارق ما مر في فقد الأذن بأنها عضو لازم غالبًا.
نعم لو قطع من الألية جزء يسير لأجل كبرها، فالأوجه: الإجزاء، كما أفتى به الوالد - رضي الله تعالى عنه -؛ بدليل قولهم: لا يضر فقْدُ فلقةٍ يسيرة من عضو كبير (وذات عرج) بيِّنٍ، بحيث تتخلف بسببه عن الماشية في المرعى، وإذا ضر ولو باضطرابها عند ذبحها فكسر العضو وفقده أولى، (و) ذات (عور)، وعلم منه امتناع العمياء بالأولى، ولا يضر ضعف بصرها ولا عدمه ليلًا، (و) ذات (مرض) بين يحصل بسببه الهزال، (و) ذات (جرب بين) للخبر المار، وعطف هذه على ما قبلها من عطف الخاص على العام؛ إذ الجرب مرض، ولا فرق بين نقصها بهذه العيوب أو لا، (ولا يضر يسيرها) أي: يسير الأربعة؛ لعدم تأثيره في اللحم، (ولا فقد قرن)؛ إذ لا يتعلق بالقرن كبير غرض، وإن كانت القرناء أفضل، نعم إن أثر انكساره في اللحم ضر، كما علم من قوله: "وشرطها.." إلخ، وتجزئ فاقدة بعض الأسنان، (وكذا شق أذن وخرقها وثقبها في الأصح)، حيث لم يذهب جزء منها.
والثاني: يضر ذلك؛ لصحة النهي عن التضحية بالخرقاء، وهي مخروقة الأذن، والشرقاء وهي مشقوقتها، والأول حمل النهي على التنزيه؛ جمعًا بينه وبين مفهوم العدد في خبر: "أربع لا تجزئ في الأضاحي"؛ لاقتضائه جواز ما سواها، (قلت: الصحيح المنصوص: يضر يسير الجرب، والله أعلم)؛ لأنه يفسد اللحم والودك، وألحق به القروح والبثور.
والثاني: لا يضر، كالمرض.
شرح منتهى الإرادات (3/ 4 ، 5) (المذهب الحنبلي).
ولا يجزئ فيهما بيِّنَةُ العَوَر، بأن انخسفت عينها؛ للخبر، ولا يجزئ فيهما قائمة العين مع ذهاب إبصارهما؛ لأن العمى يمنع مشيها مع رفيقتها، ويمنع مشاركتها في العلف، وفي النهي عن العوراء التنبيه على العمياء، ولا يجزئ فيهما عجفاء لا تُنْقِي، وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، ولا عرجاء لا تطيق مشيًا مع صحيحة، ولا بينة المرض؛ لحديث البراء بن عازب: قام فينا الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تُنْقِي" رواه أبو داود والنسائي.
فإذا كان على عينها بياض ولم تذهب أجزأت؛ لأن عورها ليس بينًا، ولا ينقص به لحمها، ولا تجزئ فيهما جداء، وهي الجدباء، وهي ما شابه نشف ضرعها؛ لأنها في معنى العجفاء، بل أولى، ولا تجزئ فيها هتماء، وهي التي ذهبت ثناياها من أصلها، كالتي قبلها، ولا عصماء وهي التي انكسر غلاف قرنها، قاله في المستوعب والتلخيص.
ولا يجزئ فيهما خصي مجبوب نصًّا، ولا عضباء وهي ما ذهب أكثر أذنها أو ذهب أكثر قرنها؛ لحديث علي، قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحى بأعضب الأذن والقرن"، قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: "العضب النصف فأكثر" رواه الخمسة، وصححه الترمذي، ولأن الأكثر كالكل.
وتكره معيبتهما، أي: الأذن والقرن، بخرق أو شق، أو قطع لنصف منهما فأقل؛ لحديث علي: "أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء"، قال زهير: قلت لأبي إسحاق: وما المقابلة؟ قال: تقطع في طرف الأذن، قلت: فما المدابرة؟ قال: تقع في مؤخرة الأذن، قلت: فما الخرقاء؟ قال: تشق الأذن، قلت: فما الشرقاء؟ قال: تشق أذنها للسمة رواه أبو داود.
وهذا نهي تنزيه، فيحصل الإجزاء بهما؛ لأن اشتراط السلامة من ذلك يشق، ولا يكاد يوجد سالم من هذا كله.