رد المحتار على الدر المختار (5/ 559-560) (المذهب الحنفي)
(اختلفا) أي: المتبايعان (في قدر ثمن) أو وصفه أو جنسه (أو) في قدر (مبيع حكم لمن برهن)؛ لأنه نور دعواه بالحجة (وإن برهن فلمثبت الزيادة)؛ إذ البينات للإثبات (وإن اختلفا فيهما) أي: الثمن والمبيع جميعًا (قدم برهان البائع لو) الاختلاف (في الثمن وبرهان المشتري لو في المبيع)؛ نظرًا لإثبات الزيادة (وإن عجزا) في الصور الثلاث عن البينة، فإن رضي كل بمقالة الآخر فيها (و) إن (لم يرض واحد منهما بدعوى الآخر تحالفا) ما لم يكن فيه خيار، فيفسخ من له الخيار (وبدئ بـ) يمين (المشتري)؛ لأنه البادئ بالإنكار، وهذا (لو) كان (بيع عين بدين، وإلا) بأن كان مقايضة أو صرفًا (فهو مخير)، وقيل: يُقرع، ابن ملك، ويقتصر على النفي في الأصح.
(وفسخ القاضي البيع بطلب أحدهما) أو بطلبها، ولا ينفسخ بالتحالف، ولا بفسخ أحدهما، بل بفسخهما، بحر.
(ومن نكل) منهما (لزمه دعوى الآخر) بالقضاء، وأصله قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا»، وهذا كله لو الاختلاف في البدل مقصودًا، فلو في ضمن شيء، كاختلافهما في الزق فالقول للمشتري في أنه الزق، ولا تحالف، كما لو اختلفا في وصف المبيع كقوله: اشتريته على أنه كاتب أو خباز، وقال البائع: لم أشترط، فالقول للبائع، ولا تحالف، ظهيرية، (و) قيد باختلافهما في ثمن ومبيع؛ لأنه (لا تحالف في غيرهما)؛ لأنه لا يختل به قوام العقد نحو (أجل وشرط) رهن أو خيار أو ضمان (وقبض بعض ثمن، والقول للمنكر) بيمينه، وقال زفر والشافعي: يتحالفان...
قوله: (أو وصفه) كـ : البخاري، والبغدادي.
قوله: (أو جنسه) كـ : دراهم، أو دنانير.
قوله: (أو في قدر مبيع) فلو في وصفه فلا تحالف، والقول للبائع، كما سيذكره الشارح، قوله: (والاختلاف في الثمن).
أقول: في زيادة "لو" هنا في الموضعين خلل، وعبارة الهداية: ولو كان الاختلاف في الثمن والمبيع جميعًا فبينة البائع في الثمن أولى، وبينة المشتري في المبيع أولى؛ نظرًا إلى زيادة الإثبات، قاله شيخ والدي المفتي محمد تاج الدين المدني.
قوله: (فإن رضي...) إلخ، هذه العبارة لا تشمل إلا صورة الاختلاف فيهما، فالأولى أن يقول كما قال غيره: فإن تراضيا على شيء، أي: بأن رضي البائع بالثمن الذي ادعاه المشتري، أو رضي المشتري بالبيع الذي ادعاه البائع عند الاختلاف في أحدهما، أو رضي كل بقول الآخر عند الاختلاف فيهما، وقال الحلبي: العبارة فاسدة، والصواب كما قال غيره: فإن تراضيا على شيء.
قوله: (فيفسخ من له الخيار) قال في البحر: وأشار بعجزها إلى أن البيع ليس فيه خيار لأحدهما؛ ولهذا قال في الخلاصة: إذا كان للمشتري خيار رؤية، أو خيار عيب، أو خيار شرط، لا يتحالفان اهـ، والبائع كالمشتري، فالمقصود أن من له الخيار متمكن من الفسخ، فلا حاجة إلى التحالف، ولكن ينبغي أن البائع إذا كان يدعي زيادة الثمن، وأنكرها المشتري، فإن خيار المشتري يمنع التحالف، وأما خيار البائع فلا، ولو كان المشتري يدعي زيادة المبيع، والبائع ينكرها، فإن خيار البائع يمنعه؛ لتمكنه من الفسخ، وأما خيار المشتري فلا، هذا ما ظهر لي تخريجًا، لا نقلًا اهـ.
وحاصله: أن من له الخيار لا يتمكن من الفسخ دائمًا، فينبغي تخصيص الإطلاق.
قوله: (وبدئ بيمين المشتري) أي: في الصور الثلاث، كما في شرح ابن الكمال: وقوله: لأنه البادئ بالإنكار، قال السائحاني: هذا ظاهر في التحالف في الثمن، أما في المبيع مع الاتفاق على الثمن فلا يظهر؛ لأن البائع هو المنكر، فالظاهر البداءة به، ويشهد له ما سيأتي أنه إذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر المدة بدئ بيمين المؤجر، وإلى ذلك أومأ القهستاني اهـ، وبَحَثَ مثلَ هذا البحث العلامةُ الرملي.
قوله: (بأن كان مقايضة) أي: سلعة بسلعة.
قوله: (أو صَرْفًا) أي: ثمنًا بثمن.
قوله: (ويقتصر على النفي) بأن يقول البائع: والله ما باعه بألف، والمشتري: والله ما اشتراه بألفين.
قوله: (في الأصح) وفي الزيادات: يحلف البائع: والله ما باعه بألف، ولقد باعه بألفين، ويحلف المشتري: بالله ما اشتراه بألفين، ولقد اشتراه بألف، س.
قوله: (بل بفسخهما) ظاهر ما ذكره الشارحون أنهما لو فسخاه انفسخ بلا وقف على القاضي، وأن فسخ أحدهما لا يكفي، وإن اكتفي بطلب أحدهما، بحر، وذكر فائدة عدم فسخه بنفس التحالف أنه لو كان المبيع جارية فللمشتري وطؤها، كما في النهاية.
قوله: (والسلعة قائمة) احتراز عما إذا هلكت، وسيأتي متنًا.
قوله: (كاختلافهما في الزق) هو الظرف، إذا أنكر البائع أن هذا زقه، وصورته كما في الزيلعي: أن يشتري الرجل من آخر سمنًا في زق، وزنه مائة رطل، ثم جاء بالزق فارغًا ليرده على صاحبه، ووزنه عشرون، فقال البائع: ليس هذا زقي، وقال المشتري: هو زقك، فالقول قول المشتري، سواء سمى لكل رطل ثمنًا، أو لم يسم، فجعل هذا اختلافًا في المقبوض، وفيه القول قول القابض إن كان في ضمنه اختلاف في الثمن، ولم يعتبر في إيجاب التحالف؛ لأن الاختلاف فيه وقع مقتضى اختلافهما في الزق اهـ قوله: (نحو أجل) ذكر في البحر هنا مسألة عجيبة، فلتراجع.
قوله: (نحو أجل وشرط)؛ لأنهما يثبتان بعارض الشرط، والقول لمنكر العوارض، فقد جزموا هنا بأن القول لمنكر الخيار، كما علمت، وذكروا في خيار الشرط فيه قولين، قدمناهما في بابه، والمذهب ما ذكروه هنا، بحر، أطلق الاختلاف في الأجل، فشمل الاختلاف في أصله وقدره، فالقول لمنكر الزائد، بخلاف ما لو اختلفا في الأجل في السلم، فإنهما يتحالفان، كما قدمناه في بابه، وخرج الاختلاف في مضيه، فإن القول فيه للمشتري؛ لأنه حقه، وهو منكر استيفاء حقه، كذا في النهاية، بحر، وفيه: ويستثنى من الاختلاف في الأجل ما لو اختلفا في أجل السلم، بأن ادعاه أحدهما، ونفاه الآخر، فإن القول فيه لمدعيه عند الإمام؛ لأنه فيه شرط، وترْكُه فيه مفسد للعقد، وإقدامهما عليه يدل على الصحة، بخلاف ما نحن فيه؛ لأنه لا تعلق له بالصحة والفساد فيه، فكان القول لنا فيه.
قوله: (وشرط رهن) أي: بالثمن من المشتري، ط.
قوله: (أو ضمان) أي: اشتراط كفيل، قوله: (وقبض بعض ثمن) أو حط البعض أو إبراء الكل، بحر، والتقييد به اتفاقي؛ إذ الاختلاف في قبض كله كذلك، وهو قبول قول البائع، وإنما لم يذكره باعتبار أنه مفروغ عنه، بمنزلة سائر الدعاوى، كذا في النهاية، بحر.
قوله: (بيمينه)؛ لأنه اختلاف في غير المعقود عليه وبه، فأشبه الاختلاف في الحط والإبراء؛ وهذا لأن بانعدامه لا يختل ما به قوام العقد، بخلاف الاختلاف في وصف الثمن أو جنسه، فإنه بمنزلة الاختلاف في القول في جريان التحالف؛ لأن ذلك يرجع إلى نفس الثمن، فإن الثمن دين، وهو يعرف بالوصف، ولا كذلك الأجل، ألا ترى أن الثمن موجود بعد مضيه؟! بحر.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 188) (المذهب المالكي)
فصل: في اختلاف المتبايعين
(إن اختلف المتبايعان) لذات أو منفعة بنقد أو غيره (في جنس الثمن) أي: العوض، فيشمل المثمن؛ إذ هو ثمن أيضًا، ولو قال: "في جنس العوض" كان أوضح، كذهب وعرض (أو) في (نوعه) كذهب وفضة أو قمح وشعير (حلفا وفسخ) مع القيام والفوات وجد شبهة منهما أو من أحدهما أو لا (ورد مع الفوات قيمتها) إن كانت مقومة، ومثلها إن كانت مثلية، وتعتبر القيمة (يوم بيعها) لا يوم الفوات...
فصل: إن اختلف المتبايعان في جنس الثمن... إلخ
كما إذا قال: بعتك هذا الحمار بدينار نقدًا، أو لأجل، فقال: بل بعته لي بثوب محلاوي مثلًا، قوله: (لذات أو منفعة) أشار بهذا إلى أن اختلاف المستأجرين والمكترين يجري فيه ما ذكر هنا، وقوله: "أو غيره" المراد به النسيئة، فحاصله أنهما تبايعا بالحلول أو بالأجل، واختلفا في جنس الثمن أو نوعه أو قدره، قوله: (أي: العوض) قال بن: يحتمل أن يريد بالثمن: ما قابل المثمن، فيكون قوله بعد: "كمثمونه" تشبيهًا في الجميع، أي: في الجنس والنوع والقدر، ففي الأولين يفسخ مطلقًا، وفي الأخير يفسخ بشرط القيام، ويحتمل أن يريد بالثمن العوض الصادق بالثمن والمثمن، وعليه فقوله: "كمثمونه" تشبيه في قوله: "وقدره" فقط، وفيه بُعْد؛ لأن ضمير "قدره" يرجع للثمن الشامل للثمن، فيكون قوله: "كمثمونه" ضائعًا، فالظاهر الاحتمال الأول، كما قال ح، وسيأتي الجواب بارتكاب الاستخدام، قوله: (فيشمل المثمن) أي: كما إذا قال: بعتك هذا الحمار بدينار، فقال: بل الذي بعته لي بالدينار هذا العبد.
تنبيه:
من الاختلاف في جنس المثمن - كما قال المازري - ما لو انعقد السلم أو بيع النقد على خيل، فقال أحدهما: على ذُكْران، والآخر: على إناث؛ وذلك لتباين الأغراض؛ لأن الإناث تراد للنسل، بخلاف ما لو كان الاختلاف في ذُكْران البغال وإناثها، فإن هذا من الاختلاف في صفة المثمن؛ لأن البغال لا تراد للنسل، وإذا اختلفا فيها فالقول قول البائع بيمينه، إن انتقد وإلا فالقول للمشتري بيمينه، قوله: (كذهب وفضة) بأن قال البائع: بعته بعشرة محبوب، وقال المشتري: بعشرة ريال، قوله: (أو قمح وشعير) أي: قال: أسلمت في قمح، وقال الآخر: في شعير، أو قال: اشتريت هذا الحمار منك بعشرة أرادب من الشعير، وقال البائع: بل بعشرة أرادب قمح، قوله: (حلفا) أي: حلف كل منهما على نفي دعوى صاحبه مع تحقيق دعواه، ويبدأ البائع باليمين، قوله: (مع القيام والفوات) لكن مع القيام يرد السلعة بعينها، قوله: (ورد) أي: المشتري للبائع مع الفوات، أي: مع فوات السلعة، ولو بحوالة سوق قيمتها، أي: وأخذ ثمنه من البائع، وتقاصا إذا ساوت القيمة الثمن، وأما لو كان أحدهما زائدًا: فمَنْ له الزائد يرجع به على صاحبه، مثل الاختلاف في الجنس والنوع في التحالف والفسخ مطلقًا الاختلاف في صفة العقد، كمن باع حائطه، وقال: اشترطت نخلات اختارها بغير عينها، وقال المبتاع: ما اشترطت إلا هذه النخلات بعينها، ذكره في الشامل، وترك المصنف الكلام على اختلافهما في أصل العقد؛ لوضوحه، وهو أن القول لمنكره بيمين، سواء كان هو البائع أو المشتري، ومن هنا مسألة التنازع هل هي أمانة، أو بيع، أو سلف؟ فالقول لمنكر البيع؛ لأن الأصل عدم انتقال الملك، قوله: (ومثلها إن كانت مثلية) أشار الشارح إلى أن في كلام المصنف قصورًا، ولو قال المصنف: "ورد مع الفوات عوضها" كان أشمل، قوله: (يوم بيعها) أي: لأنه أول زمن تسلط المشتري على المبيع، وهذا قول أبي محمد، وقال ابن شبلون: تعتبر القيمة يوم ضمان المشتري.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (4/ 159-161) (المذهب الشافعي)
باب اختلاف المتبايعين:
خصهما بالذكر؛ لأن الكلام في البيع والاختلاف فيه أغلب من غيره، وإلا فكل عقد معاوضة وإن لم تكن محضة وقع الاختلاف في كيفيته كذلك.
وأصل الباب: ما صح «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركا»، وصح أيضًا «أنه صلى الله عليه وسلم أمر البائع أن يحلف، ثم يتخير المبتاع، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك» (إذا اتفقا) أي: المتعاقدان، ولو وكيلين، أو قِنَّيْن أَذِنَ لهما سيدهما، كما هو واضح، أو وارِثَيْن، كما يأتي، أو ولِيَّيْن، أو مختلفين (على صحة البيع) أو ثبتت بطريق أخرى، كـ: بعتك بألف، فقال: بل بخمسمائة وزق خمر، فإذا حلف البائع على نفي الخمر تحالفا (ثم اختلفا في كيفيته كقدر الثمن) وما يدعيه البائع، أو وليه أو وكيله أكثر، كما في الصداق، بل غير البائع والولي والوكيل كذلك، فلا بد أن يكون مدعي المشتري مثلًا في المبيع أكثر، وإلا فلا فائدة للتحالف (أو صفته) كصحاح أو مكسرة، أو جنسه كذهب أو فضة، أو نوعه كمِنْ ذَهَبِ كذا وكذا، ومن ذلك: اختلافهما في شرط نحو رهن، أو كفالة أو كونه كاتبًا، ويمكن شمول قوله: "أو صفته" لذلك كله.
نعم، لو وقع الاختلاف في عقد: هل كان قبل التأبير أو الولادة، أو بعدهما؟ فلا تحالف، وإن رجع الاختلاف إلى قدر المبيع؛ لأن ما وقع الخلاف فيه من الحمل والتمرة تابع، لا يصح إفراده بعقد، فالقول قول البائع بيمينه؛ لأن الأصل بقاء ملكه، ومن ثم لو زعم المشتري أن البيع قبل الاطلاع أو الحمل صدق، وهو ظاهر؛ إذ الأصل عدمه عند البيع، كذا قيل، والأصح تصديق البائع (أو الأجل) بأن أثبته المشتري ونفاه البائع (أو قدره) كشهر أو شهرين (أو قدر المبيع) كمُدّ من هذه الصُّبرة مثلًا بدرهم، فيقول: بل مُدَّيْن به (ولا بينة) لأحدهما يعول عليها، فشمل ما لو أقام كل بينة وتعارضتا؛ لإطلاقهما، أو إطلاق أحدهما فقط، أو لكونهما أرختا بتاريخين متفقين (تحالفا)؛ لخبر مسلم: «اليمين على المدعى عليه»، وكل منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه.
ولا يُشكل الخبران المتقدمان؛ لأنه عرف من هذا الخبر زيادة عليهما، وهي حلف المشتري أيضًا، فأخذنا بها، وشمل كلامه ما لو وقع الاختلاف في زمن الخيار فيتحالفان، وهو كذلك، كما صرح به ابن يونس والنشائي والأذرعي وغيرهم، وقد قال الشافعي والأصحاب بالتحالف في الكتابة، مع جوازها في حق الرقيق، وفي القراض، والجعالة، مع جوازهما من الجهتين، وأما ما استند إليه القائل بعدم التحالف، كابن المقري في بعض نسخ الروض، من إمكان الفسخ في زمنه، رد بأن التحالف لم يوضع للفسخ، بل عرضت اليمين؛ رجاء أن يتكل الكاذب، فيتقرر العقد بيمين الصادق، وخرج بقوله: "اتفقا..." إلخ، اختلافهما في الصحة أو العقد، هل هو بيع أو هبة؟ فلا تحالف كما يأتي، وعلم مما مر أن مرادهم بالاتفاق على الصحة وجودها، وبقوله: "ولا بينة" ما لو كان لأحدهما بينة فإنه يقضي بها، أو لهما بينتان مؤرختان بتاريخين مختلفين فإنه يقضى بالأولى.
شرح منتهى الإرادات (2/ 54-57) (المذهب الحنبلي)
(إذا اختلفا، أو) اختلفت (ورثتهما) أو أحدهما وورثة الآخر (في قدر ثمن) بأن قال بائع أو وارثه: الثمن ألف، وقال مشتر أو وارثه: الثمن مائة (ولا بينة لأحدهما) تحالفا؛ لأن كُلًّا منهما مُدَّعٍ ومُنْكِر صورةً، وكذا حُكْمًا؛ لسماع بينة كل منهما (أو) كان (لهما) أي: لكل منهما بينة بما ادعاه تحالفا؛ لتعارض البينتين وتساقطهما، فيصيران كمن لا بينة لهما، وإذا أراد التحالف (حلف بائع) أولًا؛ لقوة جنبته؛ لأن المبيع يرد إليه (ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا) فيجمع بين النفي والإثبات، فالنفي لما ادعي عليه، والإثبات لما ادعاه.
ويقدم النفي على الإثبات؛ لأنه الأصل في اليمين (ثم) يحلف (مشتر ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا)؛ لما تقدم، ويحلف وارث على البت، إن علم الثمن، وإلا فعلى نفي العلم، (ثم) بعد تحالف (إن رضي أحدهما) أي: العاقدين (بقول الآخر) أقر العقد؛ لأن من رضي صاحبه بقوله منهما حصل له ما ادعاه، فلا خيار له (أو نكل) أحدهما عن اليمين (وحلف الآخر أقر) العقد بما حلف عليه الحالف منهما؛ لأن النكول كإقامة البينة على من نكل، (وإلا) يرضى أحدهما بقول الآخر بعد التحالف (فلكل) منهما (الفسخ) ولو بلا حاكم؛ لأنه استدراك الظلامة، أشبه رد المعيب، وعلم منه أنه لا ينفسخ بنفس التحالف؛ لأنه عقد صحيح، فلم ينفسخ باختلافهما وتعارضهما في الحجة، كما لو أقام كل منهما بينة.
(وينفسخ) البيع بفسخ أحدهما (ظاهرًا أو باطنًا)؛ لأنه فسخ لاستدراك الظلامة، أشبه الرد بالعيب، أو يقال: فسخ بالتحالف، فوقع ظاهرًا أو باطنًا، كفرقة اللعان، قال (المنقح: فإن نكلا) أي: امتنع البائع والمشتري من الحلف (صرفهما) الحاكم (كما لو نكل من ترد عليه اليمين) على القول بردها، وهو ضعيف (وكذا إجارة) فإن اختلف المؤجران أو ورثتهما في قدر الأجرة، فكما تقدم (فإذا تحالفا) أي: المؤجران أو ورثتهما (وفسخت) الإجارة (بعد فراغ مدة) إجارة (فـ) على مستأجر (أجرة مثل) العين المؤجرة مدة إجارة.
(و) إن فسخت بعد تحالف (في أثنائها) أي: مدة الإجارة، فعلى مستأجر (بالقسط) من أجرة مثل؛ لأنه بدل ما تلف من المنفعة (ويحلف بائع فقط) إن اختلفا في قدر ثمن (بعد قبض ثمن وفسخ عقد) بتقايل أو غيره؛ لأن البائع منكر لما يدعيه المشتري بعد انفساخ العقد، فأشبه ما لو اختلفا في القبض.
(وإن تلف مبيع) واختلف المتبايعان في قدر ثمنه قبل قبضه (تحالفا)، كما لو كان المبيع باقيًا (وغرم مشتر قيمته) أي: المبيع إن فسخ البيع، وظاهره ولو مثليًّا؛ لأن المشتري لم يدخل بالعقد على ضمانه بالمثل، وحديث ابن مسعود مرفوعًا: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا»، قال أحمد: لم يقل فيه: «والمبيع قائم» إلا يزيد بن هارون، وقد أخطأ، رواه الخلق الكثير عن المسعودي ولم يقولوا هذه الكلمة، ولكنها في حديث معن، (ويقبل قوله) أي: المشتري (فيها) أي: قيمة المبيع التالف نصًّا؛ لأنه غارم.
(و) يقبل قول مشتر (في قدره) أي: المبيع التالف (و) في (صفته) بأن قال بائع: كان العبد كاتبًا، وأنكره مشتر، فقوله؛ لأنه غارم.
(وإن تعيب) مبيع عند مشتر قبل تلفه (ضم أرشه إليه) أي: المبيع، أي: بدله؛ لأنه مضمون عليه حين التعيب (وكذا كل غارم) يقبل قوله في قيمة ما يغرمه وقدره وصفته كمشتر و (لا) يقبل (وصفه) أي: وصف مشتر المبيع التالف، أو الغارم لما يغرمه (بعيب)؛ لأن الأصل السلامة (وإن ثبت) أنه معيب (قبل دخوله) أي: المشتري أو الغارم (في تقدمه) أي: العيب على البيع أو التلف؛ لأن الأصل براءته مما يدعي عليه.
القسم (الثامن: خيار يثبت للخلف في الصفة) إذا باعه بالوصف (ولتغير ما تقدمت رؤيته) البيع، وتقدم في السادس من شروط البيع.
فصل: وإن اختلفا، أي: البائعان في صفة الثمن اتفقا على ذكره في البيع (أخذ نقد البلد) نصًّا؛ لأن الظاهر أنهما لا يعقدان إلا به (ثم) إن تعدد نقد البلد أخذ (غالبه رواجًا)؛ لأن الظاهر وقوع العقد به؛ لأن المعاملة به أكثر، وإذا استوت) نقود البلد رواجًا (فالوسط) منها تسوية بين حقيهما، ودفعًا للميل على أحدهما، وعلى مدعي المأخوذ اليمين؛ لاحتمال ما قاله خصمه، ومن هنا يعلم أنه إنما يرجع إلى ما ذكر، حيث ادعاه أحدهما، فإن ادعيا غيره تعين التحالف، ذكره ابن نصر الله.
(و) إن اختلفا (في شرط صحيح أو) شرط (فاسد أو) في (أجل أو رهن أو قدرهما) أي: الأجل في غير سلم، والرهن (أو) في شرط (ضمين فقول منكره) بيمينه؛ لأن الأصل عدمه (ك) ما يقبل قول منكر (مفسد) لبيع ونحوه، فإذا ادعى أحدهما ما يفسد العقد من سفه أو صغر أو إكراه أو عبد عدم إذن سيده ونحوه، وأنكره الآخر فقول المنكر؛ لأن الأصل في العقود الصحة، وإن أقاما بينتين قدمت بينة مدع، وقيل: يتساقطان، ذكره في المبدع، وتأتي دعوى الإكراه في الإقرار.
(و) إن اختلفا (في قدر مبيع) بأن قال بائع: بعتك قفيزين، فقال مشتر: بل ثلاثة، فقول بائع؛ لأنه منكر للزيادة والبيع بتعدد المبيع، فالمشتري يدعي عقدًا آخر ينكره البائع، بخلاف الاختلاف في الثمن (أو) في (عينه) أي: المبيع، كـ بعتني هذه الجارية، فيقول: بل العبد (فقول بائع) نصًّا؛ لأنه كالغارم، ولاتفاقهما على وجوب الثمن، واختلافهما في التعيين.