رد المحتار على الدر المختار (26/ 115 - 121) (المذهب الحنفي).
كتاب المساقاة لا تخفى مناسبتها، (وهي) المعاملة بلغة أهل المدينة؛ فهي لغة وشرعًا معاقدة (دفع الشجر) والكروم، وهل المراد بالشجر ما يعم غير المثمر كالحور والصفصاف؟ لم أره، (إلى من يُصلِحُه بجزء) معلوم من ثمره، وهي كالمزارعة حكمًا وخلافًا (و) كذا (شروطًا) تمكن هنا؛ ليخرج بيان البذر ونحوه، (إلا في أربعة أشياء)، فلا تشترط هنا: (إذا امتنع أحدهما يجبر عليه)؛ إذ لا ضرر (بخلاف المزارعة) كما مر، (وإذا انقضت المدة تترك بلا أجر)، ويعمل بلا أجر وفي المزارعة بأجر، (وإذا استحق النخيل يرجع العامل بأجر مثله، وفي المزارعة بقيمة الزرع و) الرابع (بيان المدة ليس بشرط) هنا استحسانًا للعلم بوقته عادة (و) حينئذ (يقع على أول ثمر يخرج) في أول السنة، وفي الرطبة على إدراك بذرها إن الرغبة فيه وحده، فإن لم يخرج في تلك السنة ثمر فسدت .
(ولو ذكر مدة لا تخرج الثمرة فيها فسدت، ولو تبلغ) الثمرة فيها (أو لا) تبلغ (صح) لعدم التيقن بفوات المقصود (فلو خرج في الوقت المسمى فعلى الشرط) لصحة العقد، (وإلا) فسدت، (فللعامل أجر المثل) ليدوم عمله إلى إدراك الثمر.
الشرح
كتاب المساقاة قوله: (لا تخفى مناسبتها) وهي الاشتراك في الخارج، ثم مع كثرة القائلين بجوازها، وورود الأحاديث في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر، قدمت المزارعة عليها لشدة الحاجة إلى معرفة أحكامها، وكثرة فروعها ومسائلها، كما أفاده في النهاية.
قوله: (هي المعاملة... إلخ) وآثر المساقاة؛ لأنها أوفق بحسب الاشتقاق. قهستاني: أي: لما فيها من السقي غالبًا، وقدمنا الكلام على المفاعلة.
قوله: (فهي لغة وشرعا معاقدة) أفاد اتحاد المعنى فيهما تبعا لما في النهاية والعناية أخذا مما في الصحاح: أنها استعمال رجل في نخيل أو كروم أو غيرها لإصلاحها على سهم معلوم من غلتها، وفسرها الزيلعي وغيره لغة بأنها مفاعلة من السقي، وشرعا بالمعاقدة .
أقول: والظاهر المغايرة لاعتبار شروط لها في الشرع لم تعتبر في اللغة، والشروط قيود، والأخص غير الأعم مفهوما فتدبر.
قوله: (معاقدة دفع الشجر) أي: كل نبات بالفعل أو بالقوة، يبقى في الأرض سنة أو أكثر بقرينة الآتي، فيشمل أصول الرطبة والفوة وبصل الزعفران، وذلك بأن يقول: دفعت إليك هذه النخلة مثلا مساقاة بكذا، ويقول المساقي: قبلت، ففيه إشعار بأن ركنها الإيجاب والقبول كما أشير إليه في الكرماني وغيره قهستاني .
قال الرملي: وقيد بالشجر؛ لأنه لو دفع الغنم والدجاج ودود القز معاملة لا يجوز، كما في المجتبى وغيره، وكذا النخل .
وفي التتارخانية: أعطاه بذر الفليق ليقوم عليه، ويعلفه بالأوراق على أن الحاصل بينهما، فهو لرب البذر، وللرجل عليه قيمة الأوراق وأجر مثله، وكذا لو دفع بقرة بالعلف ليكون الحادث نصفين ا هـ.
قوله: (وهل المراد إلخ) الجواب: نعم، كما يفيده كلام القهستاني المار، ولا ينافيه تصريح التعريف بالثمر؛ لأن المراد به ما يتولد منه، فيتناول الرطبة وغيرها كما صرح به القهستاني أيضًا، أو هو مبني على الغالب تأمل.
قوله: (لم أره) أقول في البزازية: ما نصه يجوز دفع شجر الحور معاملة لاحتياجه إلى السقي والحفظ، حتى لو لم يحتج لا يجوز ا هـ. وفيها آخر الباب: معاملة الغيضة لأجل السعف والحطب جائزة كمعاملة أشجار الخلاف ا هـ .
والخلاف بالكسر والتخفيف على وزن ضد الوفاق: نوع من الصفصاف وليس به كما في القاموس
قوله: (إلى من يصلحه) بتنظيف السواقي والسقي والتلقيح والحراسة، وغيرها قهستاني.
قوله: (حكمًا) وهو الصحة على المفتى به، وخلافًا: أي: بين الإمام وصاحبيه.
قوله: (تمكن) صفة لقوله شروطًا، وقوله: ليخرج إلخ تعليل للتقييد به فإنه لا يشترط بيان البذر هنا: أي: بيان جنسه، وكذا بيان ربه وصلاحية الأرض للزراعة، فهذه الثلاثة لا تمكن هنا فلا تشترط، وكذا بيان المدة .
وبقي من شروط المزارعة الثمانية الممكنة هنا أهلية العاقدين، وذكر حصة العامل، والتخلية بينه وبين الأشجار، والشركة في الخارج ويدخل في الأخير كون الجزء المشروط له مشاعًا فافهم .
وفي التتارخانية: ومن شروط المعاملة أن يقع العقد على ما هو في حد النمو بحيث يزيد في نفسه بعمل العامل ا هـ. وأما صفتها فقدمنا أنها لازمة من الجانبين بخلاف المزارعة.
قوله: (فلا تشترط هنا إلخ) تبع فيه المصنف حيث قال: إلا في أربعة أشياء استثناء من قوله: وشروطًا ا هـ .
والأولى أن يجعل مستثنى من قوله، وهي كالمزارعة، فإن المستثنيات ليست كلها شروطًا في المزارعة، فتدبر ط.
قوله: (بخلاف المزارعة) فإن رب البذر إذا امتنع قبل الإلقاء لا يجبر عليه للضرر.
قوله: (تترك بلا أجر) أي: للعامل القيام عليها إلى انتهاء الثمرة، لكن بلا أجل عليه؛ لأن الشجر لا يجوز استئجاره.
قوله: (وفي المزارعة بأجر) أي: في الترك والعمل؛ لأن الأرض يجوز استئجارها والعمل عليهما بحسب ملكها في الزرع؛ لأن رب الأرض لما استوجب الأجر على العامل لا يستوجب عليه العمل في نصيبه بعد انتهاء المدة، وهنا العمل على العامل في الكل؛ لأنه لا يستوجب رب النخل عليه أجرًا كما قبل انقضاء المدة فيكون العمل كله على العامل، كما كان قبل الانقضاء كفاية.
قوله: (وإذا استحق النخيل يرجع إلخ) مُقيَّد بما إذا كان فيه ثمر وإلا فلا أجر له .
قال في الولوالجية: وإذا لم تخرج النخيل شيئًا حتى استحقت لا شيء للعامل؛ لأن في المزارعة لو استحقت الأرض بعد العمل قبل الزراعة لا شيء للمزارع فكذا هنا، ولو أخرجت رجع العامل بأجر مثله على الدافع؛ لأن الأجرة صارت عينًا انتهاء وهو كالتعيين في الابتداء، ومتى كانت عينًا واستحقت رجع بقيمة المنافع، وكذا لو دفع إليه زرعًا بقلا مزارعة فقام عليه حتى عقد، ثم استحقت يخير بين أخذ نصف المقلوع، أو رده ورجع على الدافع بأجر مثله، وكذا لو دفع إليه الأرض مزارعة والبذر من الدافع فزرعها ونبت، ثم استحقت قبل أن يستحصد فاختار المزارع رد المقلوع يرجع بأجر مثل عمله .
وقال الهندواني: بقيمة حصته نابتا.
قوله: (وفي المزارعة بقيمة الزرع) كذا أطلقه الزيلعي، وقد علمت التفصيل .
وفي التتارخانية: دفع أرضه مزارعة، والبذر من العامل ثم استحقت أخذها المستحق بدون الزرع، وله أن يأمره بالقلع ولو الزرع بقلًا، ومؤنة القلع على الدافع والمزارع نصفين، والمزارع بالخيار إن شاء رضي بنصف المقلوع، ولا يرجع على الدافع بشيء، أو رد المقلوع عليه وضمَّنَه قيمة حصته ثابتًا له حق القرار، ولو البذر من الدافع خير المزارع إن شاء رضي بنصف المقلوع، أو رده عليه ورجع بأجر مثل عمله عند البلخي، وبقيمته عند أبي جعفر ا هـ، ومثله في الذخيرة، وتأمله مع ما قدمناه عن الولوالجية.
قوله: (ليس بشرط هنا) أي: في المساقاة إن علمت المدة كما يفيده التعليل، لا مطلقًا، بدليل ما يأتي.
قوله: (للعلم بوقته عادة)؛ لأن الثمرة لإدراكها وقت معلوم قلما يتفاوت بخلاف الزرع؛ لأنه إن قدم في إبقاء البذر يتقدم حصاده، وإن أخَّر يتأخر؛ لأنه قد يزرع خريفًا وصيفًا وربيعًا أتقاني، فإذا كان لابتداء الزرع وقت معلوم عرفًا جاز أيضًا، وتقدم أن عليه الفتوى فلا فرق.
قوله: (وحينئذ) أي: حين إذ لم يشترط بيان المدة ولم يبيناها .
قال القهستاني: وأول المدة وقت العمل في الثمر المعلوم، وآخرها وقت إدراكه المعلوم ا هـ.
وأول المدة وقت العمل في الثمر المعلوم، وآخرها وقت إدراكه المعلوم ا هـ .
[فرع] تجوز إضافة المزارعة والمعاملة إلى وقت في المستقبل بزازية.
قوله: (في أول السنة) عبارة ابن ملك: في تلك السنة؛ لأنه متيقن وما بعده مشكوك ا هـ وهي أولى ط.
قوله: (وفي الرطبة) بالفتح بوزن كلبة: القضب ما دام رطبًا، والجمع رطاب بوزن كلاب، وقيل جميع البقول ط عن الحموي، ويأتي ما فيه.
قوله: (على إدراك بذرها) يعني: إذا دفعها مساقاة لا يشترط بيان المدة فيمتد إلى إدراك بذرها؛ لأنه كإدراك الثمر في الشجر ابن كمال، وهذا إذا انتهى جذاذها، كما قيد به في العناية، وسيذكره المصنف، وإلا كان المقصود الرطبة، ويقع على أول جذة، كما يأتي.
قوله: (إن الرغبة فيه وحده) كذا قيد به في العناية أيضًا، قال: لأنه يصير في معنى الثمر للشجر، وإدراكه له وقت معلوم، وهو يحصل بعمل العامل، فصح اشتراط المناصفة فيه والرطبة لصاحبها، ولو ذكر هذا القيد عند كلام المصنف الآتي لكان أخصر وأظهر.
قوله: (فإن لم يخرج إلخ) مرتبط بالمتن، وقد نقله المصنف عن الخانية، وهذا إذا لم يسم مدة، وإذا سمى مدة فسيأتي بيانه ط.
قوله: (ولو تبلغ إلخ) أي: ولو ذكر مدة تبلغ فيها، أو لا تبلغ أي: يحتمل بلوغها فيها وعدمه.
قوله: (لعدم التيقن إلخ) بل هو متوهم في كل مزارعة ومساقاة بأن يصطلم الزرع أو الثمر آفة سماوية. درر.
قوله: (فعلى الشرط) هذا إذا كان الخارج يرغب فيه، وإن لم يرغب في مثله في المعاملة لا يجوز. شرنبلالية عن البزازية، لأن ما لا يرغب فيه وجوده وعدمه سواء. خلاصة .
قلت: وأفتى في الحامدية بأنه لو برز البعض دون البعض في المدة، فله أخذ ما برز بعمله فيها دون البارز بعدها.
قوله: (وإلا فسدت) أي: وإلا يخرج في الوقت المسمى، بل تأخر فللعامل أجر المثل لفساد العقد؛ لأنه تبين الخطأ في المدة المسماة، فصار كما إذا علم ذلك في الابتداء، بخلاف ما إذا لم يخرج أصلًا؛ لأن الذهاب بآفة فلا يتبين فساد المدة فبقي العقد صحيحًا، ولا شيء لكل واحد منهما على صاحبه هداية.
قوله: (ليدوم عمله إلخ) عبارة صدر الشريعة: ليعمل إلى إدراك الثمر .
واعترضها المصنف تبعًا لليعقوبية وغيرها بأن مفادها أن الأجرة بمقابلة العمل اللاحق إلى النضج، وليس كذلك؛ لأنه لما تبين فساد العقد بعدم الخروج لزم أجر العمل السابق .
وأجابوا بأنه يمكن أن يقال معنى قوله: «ليعمل، ليدوم عمله والإدراك بمعنى الخروج؛ لأنه ما لم يخرج لا يستحق الأجر أصلًا؛ لجواز أن لا يخرج أصلًا لآفة سماوية ا هـ.
وأجاب ابن الكمال بأن المعنى أجر مثل العامل المستأجر، ليعمل إلى إدراك الثمر، لا أجر مثل العامل المستأجر إلى زمان ظهور فساد العقد، فإن أجر المثل يتفاوت بقلة المدة وكثرتها، فافهم فإنه دقيق ا هـ تأمل.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (15/ 318 - 323) (المذهب المالكي).
(باب) في بيان أحكام المساقاة، وهي عقد على خدمة شجر، وما ألحق به بجزء من غلته، أو بجميعها بصيغة ومناسبتها للقراض ظاهرة.
(إنما تصح مساقاة شجر) بالشروط الآتية فهي مصب الحصر، فلا ينافي ما يأتي له من أنها تكون في الزرع والمقثأة ونحوهما، (وإن بعلا)، وهو ما يشرب بعروقه من نداوة الأرض ولا يحتاج لسقي؛ لأن احتياجه للعمل يقوم مقام السقي. (ذي ثمر) أي: بلغ حد الإثمار، بأن كان يثمر في عامه سواء كان موجودًا وقت العقد أم لا، واحترز بذلك من الودي، فإنه لا يبلغ حد الإثمار في عامه.
(لم يحل بيعه) عند العقد، أي: لم يبد صلاحه إن كان موجودًا فإن بدا صلاحه، وهو في كل شيء بحسبه لم تصح مساقاته لاستغنائه. (ولم يخلف) عطف على ذي ثمر، أي: شجر ذي ثمر وشجر لم يخلف، فإن كان يخلف، لم تصح مساقاته، ويخلف بضم أوله وكسر اللام من أخلف، والمراد بما يخلف ما يخلف إذا لم يقطع كالموز فإنه إذا انتهى أخلف؛ لأنه تنبت أخرى منه بجانب الأولى تثمر قبل قطع الأولى، وهكذا دائمًا فانتهاؤه بمنزلة جذه، فلا تجوز مساقاته؛ لأن الذي لم ينته منه يناله من سقي العامل فكأنه زيادة عليه.
وأما ما يخلف مع القطع كالسدر فإنه يخلف إذا قطع فتصح مساقاته، وسيأتي في مساقاة الزرع أن من جملة ما يعتبر فيه أن لا يخلف أيضًا، لكن الإخلاف فيه إنما يكون بجذه، فالإخلاف في الشجر غير معنى الإخلاف في الزرع (إلا تبعًا) استثناء من مفهوم الثلاثة قبله، أي: إلا أن يكون ما لا ثمر فيه، وما حل بيعه، وما يخلف تبعًا لكن رجوعه لمفهوم الثاني أي: لم يحل بيعه إنما يصح إذا كان في الحائط أكثر من نوع، والذي حل بيعه من غير جنس ما لم يحل.
وأما إن كان الحائط نوعًا واحدًا فهو بحل البعض حل الباقي، كما مر فلا تتأتى فيه تبعية في، والتبعية المسائل في الثلاث، الثلث فدون (بجزء) الباء بمعنى على متعلقة ب تصح، والمراد بالجزء ما قابل المعين كثمرة نخلة بعينها أو آصع، أو أوسق لا ما قابل الكل؛ إذ يجوز أن يكون جميع الثمرة للعامل أو لرب الحائط. (قل) الجزء كعشر (أو كثر، شاع) في جميع الحائط، احترازًا مما إذا كان شائعًا في نخلة معينة أو نخلات، (وعلم) قدره كربع؛ احترازًا مما إذا جهل نحو لك جزء أو جزء قليل أو كثير.
فقوله: «بجزء قل أو كثر» لا يستلزم تعيين قدره؛ فلذا قال: وعلم ويشترط في الجزء أيضًا أن يكون مستويًا في جميع أنواع الحائط، فلو دخلا على أنه في التمر النصف، وفي الزيتون مثلًا الربع لم يجز (ب ساقيت) أي: بهذه المادة فقط عند ابن القاسم؛ لأن المساقاة أصل مستقل بنفسه فلا تنعقد إلا بلفظها، والمذهب أنها تنعقد ب عاملت ونحوه، أي: من البادئ منهما، ويكفي من الثاني أن يقول: قبلت ونحوه، واحترز بذلك عن لفظ الإجارة والبيع ونحوهما، فلا تنعقد به، فإن فقد شرط لم تصح.
الشرح
(باب المساقاة)
قوله: (عقد على خدمة شجر) إنما سمي ذلك العقد مساقاة مع أنه متعلق بغير السقي أيضًا؛ لأنه معظم ما تعلق به العقد.
قوله: (وما ألحق به) أي: كالنخل والزرع والمقثأة ونحوها.
قوله: (ظاهرة) أي: من جهة أن كلًّا منهما عقد على عمل بجزء مجهول الكم.
واعلم أن المساقاة مستثناة للضرورة من أمور خمسة ممنوعة: الأول: بيع بثمرة قبل بدو صلاحها، الثاني: بيع الطعام بالطعام نسيئة، إذا كان العامل يغرم طعام الدواب والأجراء؛ لأنه يأخذ عن ذلك الطعام طعامًا بعد مدة، الثالث: الغرر للجهل بما يخرج على تقدير سلامة الثمرة، الرابع الدين بالدين؛ لأن المنافع والثمار كلاهما غير مقبوض الآن، الخامس المخابرة، وهي كراء الأرض بما يخرج منها بالنسبة لترك البياض للعامل كما يأتي.
قوله: (إنما تصح مساقاة شجر) أي: العقد على سقي شجر فهي من المفاعلة التي تكون لواحد ك سافر وعافاه الله، وأراد بالشجر ما يشمل النخل.
قوله: (فهي) أي: الشروط مصب الحصر، أي: ويصح جعله منصبًّا على الشجر بقيد محذوف، أي: إنما تصح المساقاة صحة مطلقة في شجر، ومعنى الإطلاق سواء عجز ربه أم لا.
(قوله: وإن بعلا) أي: هذا إذا كان سيحًا، أي: يشرب بالماء الجاري على وجه الأرض، بل وإن كان بعلًا، وبالغ على البعل؛ دفعًا لتوهم عدم جواز المساقاة فيه لبعده عن محل النص، وهو السقي لا لرد على قائل بعدم جواز المساقاة فيه، كما قاله عبق، فقد قال بن لم أر وجود الخلاف في مساقاة البعل بعد البحث عنه في ابن عرفة وغيره.
قوله: (من الودي) أي: وهو النخل الصغير.
قوله: (فإنه لا يبلغ حد الإثمار في عامه) أي: فلا تصح المساقاة فيه.
قوله: (لم يحل بيعه) صفة لثمر.
قوله: (وهو) أي: بدو الصلاح في كل شيء بحسبه، ففي البلح باحمراره أو اصفراره، وفي غيره بظهور الحلاوة فيه.
قوله: (لاستغنائه) أي: وأجاز سحنون المساقاة بعد بدو الصلاح على حكم الإجارة؛ بناء على مذهبه من انعقاد الإجارة بلفظ المساقاة.
قوله: (عطف على ذي) أي: لا على لم يحل بيعه؛ لأن جملة لم يحل بيعه صفة لثمر، وعدم الإخلاف إنما هو من أوصاف الشجر لا الثمر.
قوله: (والمراد بما يخلف) أي: من الشجر.
قوله: (فإنه إذا انتهى) أي: طيب ثمره.
قوله: (يناله من سقي العامل) أي: والحال أنه لا يثمر في ذلك العام.
قوله: (وأما ما يخلف من القطع إلخ) هذا محترز قوله: «إذا لم يقطع».
قوله: (كالسدر) أي: والسنط والتوت.
قوله: (إنما يكون بجذه) أي: كالقرط والبرسيم والملوخية
قوله: (استثناء من مفهوم الثلاثة) أي: كما في ح عن الباجي؛ خلافًا لقول ابن غازي أنه استثناء من مفهوم الشرطين قبله.
قوله: (وما يخلف تبعًا) أي: فلا يمنع من صحة المساقاة، وإذا دخل تبعًا كان لهما، ولا يجوز إبقاؤه للعامل ولا لرب الحائط؛ لأنه زيادة إما على رب الحائط، أو على العامل يناله بسقيه مشقة، والفرق بينه وبين الأرض ورود السنة في الأرض، انظر بن.
قوله: (أكثر من نوع) أي: كبلح وخوخ، والذي حل بيعه واحد منهما دون الآخر.
قوله: (الثلث)، وهل هو فيما لا ثمر له فالنظر لثلث قيمة أصوله فإذا كانت قيمتها الثلث من قيمتها مع قيمة الثمرة جازت المساقاة، وإلا فلا أو المعتبر عدد ما لا يثمر من عدد ما يثمر ا هـ. عبق.
قوله: (والمراد إلخ) أي: وحينئذ فالحصر متعلق بهذا نسبي، أي: إنما يصح بجزء لا بعدد آصع، ولا بثمر نخلة أو نخلات بعينها.
قوله: (أو آصع) أي: معلومة العدد.
قوله: (في نخلة معينة) أي: ك بالجذاذ على العمل في هذا الحائط، وبثلث ثمر هذه النخلة، أو هذه النخلات.
قوله: (وعلم قدره) أي: وعين قدره.
ولو جهل قدر ما في الحائط سواء كان تعيينه باللفظ والنص عليه، كربع، بل ولو كان التعيين بالعادة الجارية في البلد.
قوله: (لا يستلزم تعيين قدره) أي؛ لأنه أعم منه لصدقه بما إذا قال له: جعلت لك جزءًا قليلًا أو كثيرًا، وبما إذا قال له: جعلت لك فللمساقي مثلًا، والأعم لا يلزم أن يصدق بأخص معين.
قوله: (ويشترط في الجزء أيضًا) أي: كما يشترط شيوعه في جميع الحائط وتعيين قدره.
قوله: (أن يكون مستويًا إلخ) قد يقال: يغني عن هذا الشرط اشتراط شيوعه في جميع الحائط؛ لأنه إذا حصل له النصف في الثمر كربع في الزيتون، كان كل من الجزأين غير شائع في جميع الحائط فتأمل.
قوله: (أي بهذه المادة) أي: فيدخل ساقيتُكَ، وأنا مساقيك، أو أعطيتك حائطي؛ مساقاة.
قوله: (والمذهب إلخ) هذا قول سحنون، واختاره ابن شاس، وابن الحاجب، وما ادعاه الشارح من أنه المذهب تبعا لعبق، قال بن: فيه نظر؛ إذ قول ابن القاسم الذي هو ظاهر المصنف صححه ابن رشد في المقدمات والبيان، وكذا كلام المتيطي وعياض والتوضيح وغيرهم يقتضي أنه المذهب؛ ولذا اقتصر ابن عرفة عليه.
قوله: (ب عاملت ونحوه) ك عاملتك على الخدمة في هذا الحائط بكذا، أو عاقدتك على الخدمة في هذا الحائط بكذا.
قوله: (ونحوه) أي: ك رضيت.
قوله: (واحترز بذلك عن لفظ الإجارة إلخ) هذا يقتضي أن هذا متفق عليه عند ابن القاسم وسحنون، وليس كذلك، بل هو من محل الخلاف بينهما، كما في كلام ابن رشد والمتيطي، ونص الأول منهما، والمساقاة أصل في نفسها لا تنعقد إلا بلفظ المساقاة على مذهب ابن القاسم، فلو قال رجل: استأجرتك على العمل في حائطي هذا بنصف ثمرته لم يجز على مذهبه، كما لا تجوز الإجارة عنده بلفظ المساقاة، بخلاف قول سحنون فإنه يجيزها ويجعلها إجارة، وكلام ابن القاسم أصح. ا هـ. بن.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (17/ 152) (المذهب الشافعي).
كتاب المساقاة
لما كانت شبيهة للقراض في العمل في شيء ببعض نمائه وجهالة العوض وللإجارة في اللزوم والتأقيت، جُعِلَت بينهما.
وهي مأخوذة من السقي بفتح السين وسكون القاف المحتاج إليه فيها غالبًا، لا سيما بالحجاز فإنهم يسقون من الآبار؛ لأنه أنفع أعمالها وأكثرها مؤنة، وهي معاملة على تعهد شجر بجزء من ثمرته.
والأصل فيها قبل الإجماع: «معاملته صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع». رواه الشيخان، والحاجة داعية إليها، والإجارة فيها ضرر بتغريم المالك حالًا مع أنه قد لا يطلع شيء، وقد يتهاون الأجير في العمل لأخذ الأجرة، وبالغ ابن المنذر في ردِّ مخالفة أبي حنيفة رضي الله عنه فيها، ومن ثم خالفه صاحباه، وزعم أن المعاملة مع الكفار تحتمل الجهالات مردود بأن أهل خيبر كانوا مستأمنين.
شرح منتهى الإرادات (4/ 17 - 19) (المذهب الحنبلي).
باب المساقاة
من السقي؛ لأنه أهم أمرها بالحجاز؛ لأن النخل تسقى به نضحًا من الآبار فتكثر مشقته، وشرعًا دفع شجر مغروس معلوم للمالك والعامل برؤية، أو وصف، فلو ساقاه على بستان غير معين ولا موصوف، أو على أحد هذين الحائطين لم تصح؛ لأنها معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان فلم تجز على غير معلوم، كالبيع له ثمر مأكول لمن يعمل عليه أي: الشجر بجزء مشاع معلوم ثمره النامي بعمله. وسواء النخل والكرم والرمان والجوز واللوز والزيتون وغيرها؛ لحديث ابن عمر قال: عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع متفق عليه، والمعنى يدل عليه لما فيه من دفع حاجتي رب الشجر والعامل عليه، وأما حديث ابن عمر كنا نخابر أربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة فمحمول على رجوعه عن معاملات فاسدة، فسرها رافع وهو مضطرب أيضًا، قال أحمد: رافع يروي عنه في هذا ضروب كأنه يريد إن اختلاف الروايات عنه يوهن حديثه، وعلم منه أنها لا تصح على قطن ومقاثي وما لا ساق له، ولا على ما ثمر له مأكول كسرو وصفصاف، ولو كان له زهر مقصود كنرجس وياسمين، ولا إن جعل للعامل كل الثمرة ولا جزء مبهمًا كسهم ونصيب ولا آصعًا، ولو معلومة أو دراهم، ولا ثمرة شجرة فأكثر معينة، وإن كان في البستان أجناس، وجعل له من كل جنس جزءًا مشاعًا معلومًا كنصف البلح وثلث العنب، وربع الرمان وهكذا جاز أو ساقاه على بستانين أحدهما بالنصف والآخر بالثلث، ونحوه أو ساقاه على بستان واحد ثلاث سنين، السنة الأولى بالنصف، والثانية بالثلث، والثالثة بالربع، ونحوه جاز وتصح المساقاة على البعل من الشجر كالذي يحتاج للسقي والمناصبة وهي المغارسة، دفعه أي: الشجر المعلوم الذي له ثمر مأكول بلا غرس مع أرض لمن يغرسه فيها، ويعمل عليه حتى يثمر بجزء مشاع معلوم منه أي: من الشجر عينة أو من ثمرة أو منهما أي: الشجرة وثمرة نصًّا، واحتج بحديث خيبر، ولأن العمل وعوضه معلومان فصحت كالمساقاة على شجر مغروس.
وقال الشيخ تقي الدين: ولو كان ناظر وقف وأنه لا يجوز لناظر بعده بيع نصيب الوقف من الشجر بلا حاجة فإن لم يكن الغراس من رب الأرض فسدت على المذهب ورب الأرض بالخيار بين تكليف رب الغراس أخذه، ويضمن له نقصه وبين تملكه بقيمته، إلا أن يختار ربه أخذه، وإن اتفقا على إبقائه بأجرة جاز، وإن دفع أرضًا وشجرًا لمن يعمل عليه بجزء من الأرض أو الشجر لم يصح، كما لو جعل له في المساقاة جزءًا من الشجر والمزارعة، دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه، أو دفع مزروع ليعمل عليه المدفوع له بجزء مشاع معلوم من المتحصل، وتسمى مخابرة من الخبار بفتح الخاء، وهي الأرض اللينة ومواكرة، والعامل فيها خبير، وأكار، ومواكر، ويشهد لجوازها حديث ابن عمر وتقدم. وزارع علي وسعد وابن مسعود وغيرهم، والحاجة داعية إليها كالمضاربة والمساقاة، بل الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره؛ لكونه مقتاتًا، وحديث رافع تقدم الجواب عنه، وحديث جابر في النهي عن المخابرة يُعارِضه حديثه في خيبر فيجمع بينهما مهما أمكن، فإن تعذَّر حُمِلَ على أنه منسوخ لاستحالة نسخ قصة خيبر لاستمرار عمل الخلفاء بها.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (17/ 214 ، 215) (المذهب الشافعي).
(فلو) (هرب العامل) أو حبس أو مرض (قبل الفراغ) من العمل وإن لم يشرع فيه، (وأتمه المالك) (متبرعًا) بالعمل، أو بمؤنته عن العامل. (بقي استحقاق العامل) لما شرط له كما لو تبرع عنه أجنبي بذلك علم به المالك أم جهله.
نعم لا يلزمه إجابة أجنبي متطوع، والتبرع عنه مع حضوره كذلك، والإتمام مثال، فلو تبرع عنه بجميع العمل كان كذلك، ولو عمل في مال نفسه غير متبرع عنه أو عمل الأجنبي عن المالك لا العامل استحق العامل فيما يظهر، بخلاف نظيره من الجعالة للزوم ما هنا، وإن بحث السبكي التسوية بينهما في عدم الاستحقاق، (وإلا) بأن لم يتبرع أحد بإتمامه ورفع الأمر للحاكم، وليس له ضامن فيما لزمه من أعمال المساقاة أو كان، ولم يمكن التخلص منه (استأجر الحاكم عليه من يتمه) بعد ثبوت المساقاة والهرب مثلًا وتعذر إحضاره عنده؛ لأنه واجب عليه فناب عنه فيه، ولو امتنع مع حضوره فكذلك، واستئجاره من ماله إن وجد، ولو من حصته إذا كان بعد بدو الصلاح، أو رضي بأجرة مؤجلة، فإن تعذَّر ذلك اقترض عليه من المالك أو غيره، ويوفي من حصته من الثمرة، فإن تعذر اقتراضه عمل المالك بنفسه، وللمالك فعل ما ذكر بإذن الحاكم كما رجَّحه ابن الرفعة، وقيَّده السبكي بما إذا قدر الحاكم له الأجرة، وعين الأجير، وإلا لم يجز.
ومحل ما تقرر إذا كانت واردة على الذمة، فإن كانت واردة على العين امتنع استنابة غيره عنه مطلقًا كما اقتضاه كلامهما، قاله الأذرعي.
وقال السبكي والنشائي وصاحب المعين: إنه لا يستأجر عنه قطعًا.
نعم، يتخير المالك بين الفسخ والصبر، (فإن لم يقدر) المالك (على الحاكم)؛ لكونه فوق مسافة العدوى أو حاضرًا، ولم يجبه لما سأله، أو أجابه لكن بمال يأخذه منه فيما يظهر، (فليشهد على الإنفاق) لمن استأجره، وأنه بذله بشرط الرجوع، أو على العدل إن عمل بنفسه، وأنه إنما عمل بشرط الرجوع (إن أراد الرجوع) تنزيلًا للإشهاد حينئذ منزلة الحكم، ويصدق حينئذ بيمينه في قدر ما أنفقه على الوجه المعتاد، كما رجحه السبكي.
وسيأتي نظيره في هرب الجمال.
فإن لم يشهد كما ذكره امتنع الرجوع لظهور تبرُّعه، فإن تعذر الإشهاد لم يرجع أيضًا لندور العذر، فإن عجز عن العمل والإنفاق حينئذ ولم تظهر الثمرة فله الفسخ وللعامل أجرة عمله، وإن ظهرت فلا فسخ وهي لهما.
الإقناع لموسى الحجاوي (2/ 14) (المذهب الحنبلي).
تتمة: المساقاة لازمة كالإجارة، فلو هرب العامل أو عجز بمرض أو نحوه قبل الفراغ من العمل، وتبرع غيره بالعمل بنفسه أو بماله، بقي حق العامل، فإن لم يتبرع غيره ورفع الأمر إلى الحاكم اكترى الحاكم عليه من يعمل بعد ثبوت المساقاة، وهرب العامل مثلًا وتعذَّر إحضاره من ماله إن كان له مال، وإلا اكترى بمؤجل إن تأتي.
نعم إن كانت المساقاة على العين فالذي جزم به صاحب العين اليمنى والنشائي: أنه لا يكترى عليه؛ لتمكن المالك من الفسخ، ثم إن تعذر اكتراؤه اقترض عليه من المالك أو غيره، ويوفي نصيبه من الثمر.
ثم إن تعذر اقتراضه عمل المالك بنفسه، أو أنفق بإشهاد بذلك، شرط فيه رجوعًا بأجرة عمله أو بما أنفقه، ولو مات المساقي في ذمته قبل تمام العمل وخلَّف تركة، عمل وارثه إما منها بأن يكتري عليه لأنه حق واجب على مورِّثه، أو من ماله أو بنفسه، ويسلم له المشروط فلا يجبر على الإنفاق من التركة، ولا يلزم المالك تمكينه من العمل بنفسه إلا إذا كان أمينًا عارفًا بالأعمال، فإن لم تكن تركة فللوارث العمل، ولا يلزمه، ولو أعطى شخص آخر دابة ليعمل عليها أو يتعهدها وفوائدها بينهما لم يصح العقد؛ لأنه في الأولى يمكنه إيجار الدابة فلا حاجة إلى إيراد عقد عليها فيه غرر، وفي الثانية الفوائد لا تحصل بعمله.