رد المحتار على الدر المختار (5/ 142-143) (المذهب الحنفي)
اعلم أنه (لا رد بغبن فاحش) وهو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين (في ظاهر الرواية)، وبه أفتى بعضهم مطلقًا، كما في القنية، ثم رقم وقال: (ويفتى بالرد) رفقًا بالناس، وعليه أكثر روايات المضاربة، وبه يفتى، ثم رقم وقال: (إن غره) أي: غر المشتري البائع أو بالعكس، أو غره الدلال فله الرد (وإلا لا)، وبه أفتى صدر الإسلام وغيره، ثم قال: (وتصرفه في بعض المبيع) قبل علمه بالغبن (غير مانع منه) فيرد مثل ما أتلفه، ويرجع بكل الثمن على الصواب. اهـ ملخصًا...
قوله: (لا رد بغبن فاحش) في البحر عن المصباح: غبنه في البيع والشراء غَبْنًا، من باب ضرب، مثل: غبنه فانغبن، وغبَنه أي: نقَصه، وغُبن بالبناء للمفعول فهو مغبون، أي: منقوص في الثمن أو غيره، والغبينة اسم منه.
قوله: (هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين) هو الصحيح، كما في البحر، وذلك كما لو وقع البيع بعشرة مثلًا، ثم إن بعض المقومين يقول: إنه يساوي خمسة، وبعضهم ستة، وبعضهم سبعة، فهذا غبن فاحش؛ لأنه لم يدخل تحت تقويم أحد، بخلاف ما إذا قال بعضهم: ثمانية، وبعضهم تسعة، وبعضهم: عشرة، فهذا غبن يسير، قوله: (وبه أفتى بعضهم مطلقًا) أي: سواء كان الغبن بسبب التغرير أو بدونه، لكن هذا الإطلاق لم يذكره في القنية، وإنما حكى في القنية الأقوال الثلاثة، فيفهم منه أن هذا غير مقيد بالتغرير أو بدونه، ولكن نقل في الفتح أن الإمام علاء الدين السمرقندي ذكر في تحفة الفقهاء: أن أصحابنا يقولون في المغبون: إنه لا يرد، لكن هذا في مغبون لم يُغرّ، أما في مغبون غُرّ يكون له حق الرد؛ استدلالًا بمسألة المرابحة اهـ أي: بمسألة ما إذا خان في المرابحة فإن ذلك تغرير يثبت به الرد. قوله: (ويفتى بالرد) ظاهره الإطلاق، أي: سواء غره أو لا، بقرينة القول الثالث، قوله: (أو غره الدلال) قال الرملي: مفهومه أنه لو غره رجل أجنبي غير الدلال لا يثبت له الرد، بقي ما لو غر المشتري البائع في العقار، فأخذه الشفيع، هل للبائع أن يسترد منه؟ ينبغي عدمه؛ لأنه لم يغره، وإنما غره المشتري، وتمامه في حاشيته على البحر، قوله: (وبه أفتى صدر الإسلام وغيره) وهو الصحيح كما يأتي، وظاهر كلامهم أن الخلاف حقيقي، ولو قيل: إنه لفظي، ويحمل القولان المطلقان على القول المفصل، لكان حسنًا، ويدل عليه حمل صاحب التحفة المتقدم ط.
قلت: ويؤيده أيضًا عدم التصريح بالإطلاق في القولين الأولين، وحيث كان ظاهر الرواية محمولًا على هذا القول المفصل، يكون هو ظاهر الرواية؛ إذ لم يذكروا أن ظاهر الرواية عدم الرد مطلقًا، حتى ينافي التفصيل؛ فلذا جزم في التحفة بحمله على التفصيل، وحينئذ لم يبق لنا إلا قول واحد، هو المصرح بأنه ظاهر الرواية، وبأنه المذهب، وبأنه المفتى به، وبأنه الصحيح، فمن أفتى في زماننا بالرد مطلقًا فقد أخطأ خطأً فاحشًا؛ لما علمت من أن التفصيل هو المصحح المفتى به، ولا سيما بعد التوفيق المذكور، وقد أوضحت ذلك بما لا مزيد عليه في رسالة سميتها [تحبير التحرير في إبطال القضاء بالفسخ بالغبن الفاحش بلا تغرير].
قوله: (فيرد مثل ما أتلفه) أي: مع رد الباقي كما في القنية، ونصها: قال الغزال: لا معرفة لي بالغزل، فأتني بغزل أشتريه، فأتى رجل بغزل لهذا الغزال، ولم يعلم به المشتري، فجعل نفسه دلَّالًا بينهما، واشترى ذلك الغزل له بأزيد من ثمن المثل، وصرف المشتري بعضه إلى حاجته، ثم علم بالغبن وبما صنع، فله أن يرد الباقي بحصته من الثمن، قال - رضي الله عنه -: والصواب أن يرد الباقي ومثل ما صرف في حاجته، ويسترد جميع الثمن، كمن اشترى بيتًا مملوءًا من بر، فإذا فيه دكان عظيم فله الرد وأخذ جميع الثمن قبل إنفاق شيء منه، وبعده يرد الباقي، ومثل ما أنفق، ويسترد الثمن، كذا ذكره أبو يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. اهـ.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 115) (المذهب المالكي)
ولما تكلم على العيوب الذاتية تكلم على ما هو كالذاتي، وهو التغرير الفعلي، وهو أن يفعل البائع فعلًا في المبيع يظن به كمالًا، وليس كذلك، وأنه كالمشترط بقوله: (وتصرية الحيوان) ولو آدميًّا كأمة لرضاع، أي: ترك حلبها ليعظم ضرعها، فيظن به كثرة اللبن (كالشرط) المصرح به فله الرد بذلك؛ لأنه غرر فعليّ، بخلاف القولي كأن يقول شخص لآخر: عامِلْ فلانًا فإنه ثقة مليء، وهو يعلم خلاف ذلك...
قوله: (تكلم على ما هو) أي: شرع يتكلم على ما هو كالذاتي، وقوله: (وهو) أي: العيب الذي هو كالذاتي (التغرير الفعلي) أي: ظهور الحال بعد التغرير الفعلي، لا نفس التغرير الفعلي، كما هو ظاهر عبارته، قوله: (وأنه كالمشترط) أي: وبين أنه كالمشترط، وهو عطف على "تكلم..." إلخ.
قوله: (وتصرية الحيوان) أي: ولو حمارة؛ لأن زيادة لبنها يزيد في ثمنها لتغذية ولدها، قوله: (كالشرط) أي: كشرط المشتري كثرة اللبن صراحة، ثم يتخلف ذلك المشروط، قوله: (وهو يعلم خلاف ذلك) أي: فلا يضمن ذلك الشخص القائل ما عامل به الآخرُ فلانًا، على المشهور، ومحل عدم الضمان ما لم يقل: عامِلْه وأنا ضامن له، وإلا ضمن ما عامله فيه، ومن الغرور القولي: قول صيرفي نقد دراهم بغير أجر: هي طيبة، وهو يعلم خلاف ذلك، وإعارة شخص لآخر إناءً مخروقًا، وهو يعلم به، وقال: إنه صحيح، فتلف ما وضع فيه بسبب الخرق، فلا ضمان في جميع ذلك، على المشهور، ومحل عدم الضمان بالغرور القولي ما لم ينضم له عقد إجارة فيما يمكن فيه، وإلا ضمن كصيرفي نقد بأجرة وأخبر أنه جيد مع علمه برداءته، وكإجارة إناء فيه خرق وأخبر المؤجر أنه سالم مع علمه بخرقه، فتلف ما وضع فيه، قاله عج، وتلخص من كلامه: أن الصيرفي إذا نقد بغير أجرة فلا ضمان عليه، غر أم لا، وكذا إن كان بأجرة ولم يغر بأن أخطأ مثلًا، بخلاف ما إذا كان بأجرة وغر بأن علم أنه زائف، وقال: إنه جيد، فإنه يضمن، والذي ذكره خش في كبيره أن الصواب عدم ضمانه مطلقًا ونقل ذلك في باب الإجارة عند قول المصنف، ولم يغر بفعل، انظر حاشية شيخنا.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (3/ 467) (المذهب الشافعي)
(ولهم الخيار) فورًا (إذا عرفوا الغبن) ولو قبل قدومهم؛ للخبر المار، ولو لم يعرفوا الغبن حتى رخص السعر، وعاد إلى ما باعوا به، ففي ثبوت الخيار وجهان، أوجههما: عدمه كما في زوال عيب المبيع وإن قيل بالفرق بينهما، وظاهر عبارته أن ثبوته لهم غير متوقف على وصولهم البلد، وما اقتضاه صنيع الروضة من توقفه عليه، وهو ظاهر الخبر، جرى على الغالب، ولو تلقاهم للبيع عليهم كان كالشراء منهم على أصح الوجهين، خلافًا للأذرعي ومن تبعه، ولو ادعى جهله بالخيار أو كونه على الفور وهو ممن يخفى عليه صدق وعذر.
قال القاضي أبو الطيب: لو تمكن من الوقوف على الغبن واشتغل بغيره فكعلمه بالغبن، فيبطل خياره بتأخير الفسخ.
شرح منتهى الإرادات (2/ 41-44) (المذهب الحنبلي)
القسم (الثالث): من أقسام الخيار (خيار غَبْن يخرج عن عادة) نصًّا؛ لأنه لما لم يرد الشرع بتحديده، فرجع فيه إلى العرف، كالقبض والحرز، فإن لم يخرج عن عادة فلا فسخ؛ لأنه يتسامح به (ويثبت) خيار غبن ولو وكيلًا قبل إعلام موكله في ثلاثة صور:
إحداها: (لركبان) جمع: راكب، يعني: القادم من سفر، ولو ماشيًا (تلقوا) أي: تلقاهم حاضر عند قربهم من البلد (ولو) كان المتلقي (بلا قصد) نصًّا؛ لأنه شرع لإزالة ضررهم بالغبن.
ولا أثر للقصد فيه (إذا باعوا) أي: الركبان (أو اشتروا) قبل العلم بالسعر (وغبنوا)؛ لحديث: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار» رواه مسلم، وصح الشراء مع النهي؛ لأنه لا يعود لمعنى في البيع، وإنما هو للخديعة، ويمكن استدراكها بالخيار، أشبه المصراة.
الصورة الثانية المشار إليها بقوله (والمسترسل غبن وهو) مِن: استرْسَلَ: إذا اطمأن واستأنَسَ، وشرعًا: (مَنْ جَهِلَ القيمة) أي: قيمة المبيع (ولا يحسن يماكس من بائع ومشتر)؛ لأنه حصل له الغبن؛ لجهله بالبيع، أشبه القادم من سفر، ويقبل قوله بيمينه في جهل القيمة إن لم تكذبه قرينة، ذكره في الإقناع، وقال ابن نصر الله: الأظهر احتياجه للبينة.
الصورة الثالثة أشير إليها بقوله (وفي نَجْش، بأن يزايده) أي: المشتري (من لا يريد شراء) ليغره، من نجشتُ الصيد إذا أثرته، كأن المناجش يثير كثرة الثمن بنجشه، قال في شرحه: وظاهره أنه لا بد أن يكون المزايد عالمًا بالقيمة والمشتري جاهلًا بها (ولو) كانت المزايدة (بلا مواطأة) مع بائع؛ لما تقدم في الصورة الأولى، (ومنه) أي: النجش: قول بائع (أُعْطِيتُ) في السلعة (كذا، وهو) أي: البائع (كاذب) ويحرم النجش؛ لتغريره المشتري؛ ولهذا يحرم على بائع سوم مشتر كثيرًا ليبذل قريبًا منه، ذكره الشيخ تقي الدين، وإذا أخبره أنه اشتراها بكذا وكان زائدًا عما اشتراها به لم يبطل البيع وكان له الخيار، صححه في الإنصاف (ولا أرش) لمغبون (مع إمساك) مبيع؛ لأن الشرع لم يجعله له، ولم يفت عليه جزء من مبيع يأخذ الأرش في مقابلته (ومن قال) من بائع ومشتر (عند العقد: لا خلابة) أي: خديعة (فله الخيار إذا خلب) أي: خدع، ومنه: "إذا لم تغلب فأخلب"؛ لما روي «أن رجلًا ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يُخدع في البيوع، فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة» متفق عليه، وهي بكسر الخاء: الخديعة.
(والغَبْن محرم)؛ لما فيه من التغرير بالمشتري (وخياره) أي: الغبن (ك) خيار (عيب في عدم فورية)؛ لثبوته لدفع ضرر متحقق، فلم يسقط بالتأخير بلا رضى كالقصاص (ولا يمنع الفسخ) لغبن (تعيبه) أي: حدوث عيب بالمبيع عند مشتر (وعلى مشتر الأرش) لعيب حدث عنده إذا رده، كالمعيب، أي: قديمًا إذا تعيب عنده ورده (ولا) يمنع الفسخ (تلفه) أي: المبيع (وعليه) أي: المشتري (قيمته) لبائعه؛ لأنه فوته عليه، وظاهره ولو مثليًّا (وللإمام جعل علامة تنفي الغبن عمن يغبن كثيرا)؛ لأنه مصلحة (وكبيع) في غبن (إجارة)؛ لأنها بيع المنافع (لا نكاح) فلا فسخ لأحد الزوجين إن غبن في المسمى؛ لأن الصداق ليس ركنًا في النكاح.
وإذا فسخ) مؤجر غر فأجر بدون أجر المثل (في أثنائها) أي: مدة الإجارة (رجع) على مستأجر (بالقسط من أجرة المثل) لما مضى و (لا) يرجع بالقسط (من) الأجر (المسمى)؛ لأنه لا يستدرك به ظلامة الغَبْن؛ لأنه يلحقه فيما يلزمه من ذلك – أي: المسمى - لمدته بخلاف ما لو ظهر على عيب بمؤجرة ففسخ، فيرجع بقسطه من المسمى؛ لأنه يستدرك بذلك ظلامته؛ لأنه يرجع بقسطه منها معيبًا، فيرتفع عنه الضرر بذلك، نقله المجد عن القاضي.
القسم (الرابع: خيار التدليس) من الدَّلَس – بالتحريك - بمعنى: الظلمة، كأن البائع بفعله الآتي صير المشتري في ظلمة (بما يزيد به الثمن) ولو لم يكن عيبًا (كتصرية اللبن) أي: جمعه (في الضرع)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر» متفق عليه، (و) ك (تحمير وجه وتسويد شعر) رقيق (وتجعيده) أي: الشعر (و) ك (جمع ماء الرحى) التي تدور بالماء (وإرساله) أي: الماء (عند عرض) ها لبيع ليشتد دوران الرحى إذن، فيظنه المشتري عادة فيزيد في الثمن، فإذا تبين لمشتر ذلك فله الخيار كالمصراة؛ لأنه تغرير لمشتر، أشبه النجش، وكذا تحسين وجه الصبرة أو الثوب وصقل وجع المتاع ونحوه، بخلاف علف الدابة حتى تمتلئ خواصرها، فيظن حملها، وتسويد أنامل عبد أو ثوبه، ليظن أنه كاتب أو حداد، وكبر ضرع الشاة خلقة، بحيث يظن أنها كثيرة اللبن فلا خيار به؛ لأنه لا يتعين للجهة التي ظنت (ويحرم) تدليس (ك) تحريم (كتم عيب)؛ لحديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بينه له» رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وحديث: «من غشنا فليس منا»، وحديث: «من باع عيبًا لم يبينه لم يزل في مقت من الله، ولم تزل الملائكة تلعنه» رواه ابن ماجه، (ويثبت لمشتر) بتدليس (خيار الرد، ولو حصل) التدليس في مبيع (بلا قصد) كحمرة وجه الجارية لخجل أو تعب ونحوه؛ لأنه لا أثر له في إزالة ضرر المشتري، فإن علم مشتر بتدليس فلا خيار له؛ لدخوله على بصيرة، وكذا لو دلسه بما لا يزيد به الثمن كتسبيط الشعر؛ لأنه لا ضرر بذلك على المشتري (ومتى علم) مشتر (التصرية خيّر ثلاثة أيام منذ علم) بها؛ لحديث: «من اشترى مصراة فهو بالخيار فيها ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر» رواه مسلم (بين إمساك بلا أرش)؛ لظاهر الخبر (و) بين (رد مع صاع تمر سليم إن حلبها)؛ للخبر (ولو زاد) صاع التمر (عليها) أي: المصراة (قيمة) نصًّا؛ لظاهر الخبر.
(وكذا لو ردت) مصراة (بغيرها) أي: التصرية، كعيب قياسًا عليها، ويتعدد الصاع بتعدد المصراة، وله ردها بعد رضاه بالتصرية، بعيب غيرها (وإذا عدم) التمر بمحل رد المصراة (ف) عليه (قيمته)؛ لأنها بدل مثله عند إعوازه (موضع عقد)؛ لأنه محل الوجوب (ويقبل رد اللبن) المحلوب من مصراة إن كان (بحاله) لم يتغير (بدل التمر) كردها به قبل الحلب إن ثبتت التصرية (و) خيار (غيرها) أي: المصراة (على التراخي ك) خيار (معيب)؛ لما تقدم في الغبن.
(وإن صار لبنها) أي: المصراة (عادة سقط الرد) بالتصرية؛ لزوال الضرر (كعيب زال) مع مبيع قبل رد؛ لأن الحكم يدور مع علته (و) كأمة (مزوجة) اشتراها و (بانت) قبل ردها فيسقط، فإن كان الطلاق رجعيًّا فلا (وإن كان) وقت عقد (بغير مصراة لبن كثير فحلبه ثم ردها بعيب رده) أي: اللبن إن بقي (أو) رد (مثله إن عدم) اللبن؛ لأنه مبيع، فإن كان يسيرًا لم يلزمه رده ولا بدله، وما حدث بعد البيع فلا يرده وإن كثر؛ لأنه نماء منفصل (وله) أي: المشتري (رد مصراة من غير بهيمة الأنعام) كأمة وأتان (مجانًا)؛ لأنه لا يعتاض عنه عادة، قال في الفروع: كذا قالوا، وليس بمانع، قال (المنقح: بل قيمة ما تلف من اللبن) إن كان له قيمة، قلت: القياس بمثله، كباقي المتلفات.
البحر الرائق شرح كنز الدقائق (7/ 169) (المذهب الحنفي)
إذا كان الغبن يسـيرًا، لا يخرج عن العادة، فلا شـيء عليه:
وحاصل مسائل الغبن أن منها ما يعفى فيه يسير الغبن دون فاحشه، وهو تصرف الأب والجد والوصي والمتولي والمضارب ووكيل بشراء شيء بغير عينه، وما يعفى فيه يسيره وفاحشه في تصرف الوكيل بالبيع، وبشراء شيء بعينه والمأذون له صبيًّا أو عبدًا والمكاتب وشريك العنان والمفاوض، وما لا يعفى فيه يسيره وفاحشه في تصرف الوكيل بالبيع ممن لا تقبل شهادته، وفي بيع رب المال مال المضاربة، وفي الغاصب إذا ضمن القيمة مع يمينه ثم ظهرت العين وقيمتها أكثر، وفيما إذا أوصى بثلث ماله وتصرف في مرض موته بغبن فإنه يكون من الثلث ولو يسيرًا، وفي تصرف المريض المستغرق بالدين، وفي بيع المريض من وارثه.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 60) (المذهب المالكي)
إذا كان الغَبْن يسـيرًا، لا يخرج عن العادة، فلا شـيء عليه:
(واغتفر غرر يسير) إجماعًا؛ (للحاجة) أي: للضرورة، كأساس الدار، فإنها تشترى من غير معرفة عمقه ولا عرضه ولا متانته، وكإجارتها مشاهرة مع احتمال نقصان الشهور، وكجبة محشوة أو لحاف والحشو مغيب، وشرب من سقاء ودخول حمام مع اختلاف الشرب والاستعمال (لم يقصد) أي: غير مقصود، أي: لم تكن العادة قصده، فخرج بقيد اليسارة: الكثير، كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، فلا يغتفر إجماعًا، وبقيد عدم القصد: بيع الحيوان بشرط الحمل، على ما مر.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (5/ 32) (المذهب الشافعي)
إذا كان الغبن يسـيرًا، لا يخرج عن العادة، فلا شـيء عليه:
وما تقرر من أن "مطلقًا" حال من البيع، المراد به: البيع بقيد الإطلاق بأن لم ينص له على صفة ثمن، كبع هذا، أو كبعه بألف، فمعنى الإطلاق في هذا: الإطلاق في صفاته، فاندفع قوله: فإن صورته إلى آخره، وكذا ما رتبه عليه (ولا) البيع (بنسيئة) ولو بأكثر من ثمن المثل؛ لأن المعتاد غالبًا الحلول مع الخطر في النسيئة (ولا بغبن فاحش، وهو ما لا يحتمل غالبًا) في المعاملة كدرهمين في عشرة؛ إذ النفوس تشح به، بخلاف اليسير كدرهم فيها.
نعم، قال ابن أبي الدم: العشرة إن سومح بها في المائة فلا يتسامح بالمائة في الألف، فالصواب الرجوع للعرف، ويوافقه قولهما عن الروياني: إنه يختلف بأجناس الأموال، لكن قوله في البحر: إن اليسير يختلف باختلاف الأموال، فربع العشر كثير في النقد والطعام، ونصفه يسير في الجواهر والرقيق ونحوهما، محل نظر، وهو محمول على عرف زمنه؛ إذ الأوجه اعتبار العرف المطرد في كل ناحية بما يتسامح به فيها.