رد المحتار على الدر المختار (5/ 223-226) (المذهب الحنفي)
(والاستصناع) هو طلب عمل الصنعة (بأجل) ذكر على سبيل الاستمهال، لا الاستعجال، فإنه لا يصير سَلَمًا (سلم) فتعتبر شرائطه (جرى فيه تعامل أم لا) وقالا: الأول استصناع (وبدونه) أي: الأجل (فيما فيه تعامل) الناس (كخف وقمقمة وطست) بمهملة، وذكره في المُغْرب في الشين المعجمة، وقد يقال: طسوت (صح) الاستصناع (بيعًا لا عدة) على الصحيح، ثم فرع عليه بقوله: (فيجبر الصانع على عمله ولا يرجع الآمر عنه) ولو كان عدة لما لزم (والمبيع هو العين لا عمله) خلافًا للبردعي (فإن جاء) الصانع بمصنوع غيره أو بمصنوعه قبل العقد فأخذه (صح) ولو كان المبيع عمله لما صح (ولا يتعين) المبيع (له) أي: للآمر (بلا رضاه، فصح بيع الصانع) لمصنوعه (قبل رؤية آمره) ولو تعين له لما صح بيعه (وله) أي: للآمر (أخذه وتركه) بخيار الرؤية، ومفاده أنه لا خيار للصانع بعد رؤية المصنوع له وهو الأصح، نهر، (ولم يصح فيما لم يتأمل فيه كالثوب إلا بأجل، كما مر) فإن لم يصح فسد إن ذكر الأجل على وجه الاستمهال وإن للاستعجال كـ على أن تفرغه غدًا كان صحيحًا....
قوله: (هو لغة: طلب الصنعة) أي: أن يطلب من الصانع العمل، ففي القاموس: الصناعة – ككتابة - حرفة الصانع، وعمله الصنعة اهـ فالصنعة عمل الصانع في صناعته، أي: حرفته، وأما شرعًا: فهو طلب العمل منه في شيء خاص على وجه مخصوص يعلم مما يأتي، وفي البدائع من شروطه: بيان جنس المصنوع، ونوعه وقدره وصفته، وأن يكون مما فيه تعامل، وأن لا يكون مؤجلًا وإلا كان سَلَمًا وعندهما المؤجل استصناع إلا إذا كان مما لا يجوز فيه الاستصناع، فينقلب سَلَمًا في قولهم جميعًا، قوله: (بأجل) متعلق بمحذوف حال من الاستصناع، لكن فيه مجيء الحال من المبتدأ، وهو ضعيف، ولا يصح كونه خبرًا؛ لأنه لا يفيد بل الخبر هو قوله: سلم، والمراد بالأجل ما تقدم وهو شهر فما فوقه، قال المصنف: قيدنا الأجل بذلك؛ لأنه إذا كان أقل من شهر كان استصناعًا، وإن جرى فيه تعامل، وإلا ففاسد إن ذكره على وجه الاستمهال، وإن كان للاستعجال بأن قال: على أن تفرغ منه غدًا أو بعد غد كان صحيحًا اهـ ومثله في البحر وغيره، وسيذكره الشارح.
قوله: (ذكر على سبيل الاستمهال...) إلخ، كان الواجب عدم ذكر هذه الجملة لما علمت من أن المؤجل بشهر فأكثر سلم، والمؤجل بدونه إن لم يجر فيه تعامل، فهو استصناع فاسد إلا إذا ذكر الأجل للاستعجال فصحيح، كما أفاده ط، وقد تبع الشارح ابن كمال، قوله: (سلم) أي: فلا يبقى استصناعًا كما في التتارخانية، فلذا قال الشارح: فتعتبر شرائطه أي: شرائط السلم؛ ولهذا لم يكن فيه خيار مع أن الاستصناع فيه خيار لكونه عقدًا غير لازم، كما يأتي تحريره، قوله: (جرى فيه تعامل) كخف وطست وقمقمة ونحوها، درر، قوله: (أم لا) كالثياب ونحوها، درر، قوله: (وقالا: الأول) أي: ما فيه تعامل استصناع؛ لأن اللفظ حقيقة للاستصناع، فيحافظ على قضيته، ويحمل الأجل على التعجيل، بخلاف ما لا تعامل فيه؛ لأنه استصناع فاسد، فيحمل على السلم الصحيح وله أنه دين يحتمل السلم وجواز السلم بإجماع لا شبهة فيه، وفي تعاملهم الاستصناع نوع شبهة، فكان الحمل على السلم أولى، هداية، قوله: (وبدونه) متعلق بقوله: "صح" الآتي، ومقابل هذا قوله بعد: "ولم يصح فيما لم يتعامل به"، قوله: (وذكره في المُغْرب في الشين المعجمة) هو خلاف ما في الصحاح والقاموس والمصباح، قوله: (وقد يقال) أي: في جمعه، وبيانه ما في المصباح: الطست، قال ابن قتيبة: أصلها طس، فأبدلت من أحد المضعفين تاء؛ لأنه يقال في جمعها: طساس، كسهم وسهام، وجمعت أيضًا على طسوس؛ لاعتبار الأصل، وعلى طسوت باعتبار اللفظ، قوله: (بيعًا لا عدة) أي: صح على أنه بيع، لا على أنه مواعدة، ثم ينعقد عند الفراغ بيعًا بالتعاطي؛ إذ لو كان كذلك لم يختص بما فيه تعامل، وتمامه في البحر.
قال في النهر: وأورد أن بطلانه بموت الصانع ينافي كونه بيعًا، وأجيب بأنه إنما بطل بموته لشبهه بالإجارة، وفي الذخيرة: هو إجارة ابتداء بيع انتهاء، لكن قبل التسليم لا عند التسليم، وأورد أنه لو انعقد إجارة لأجبر الصانع على العمل والمستصنع على إعطاء المسمى، وأجيب بأنه إنما لا يجبر؛ لأنه لا يمكنه إلا بإتلاف عين له من قطع الأديم ونحوه، والإجارة تفسخ بهذا العذر، ألا ترى أن الذراع له أن لا يعمل إذا كان البذر من جهته، وكذا رب الأرض اهـ ومثله في البحر والفتح والزيلعي، قوله: (فيجبر الصانع على عمله) تبع في ذلك الدرر، ومختصر الوقاية، وهو مخالف لما ذكرناه آنفًا عن عدة كتب من أنه لا جبر فيه، ولقول البحر: وحكمه الجواز دون اللزوم؛ ولذا قلنا للصانع أن يبيع المصنوع قبل أن يراه المستصنع؛ لأن العقد غير لازم اهـ ولما في البدائع، وأما صفته: فهي أنه عقد غير لازم قبل العمل من الجانبين بلا خلاف حتى كان لكل واحد منهما خيار الامتناع من العمل كالبيع بالخيار للمتبايعين، فإن لكل منهما الفسخ، وأما بعد الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع فكذلك حتى كان للصانع أن يبيعه ممن شاء، وأما إذا أحضره الصانع على الصفة المشروطة سقط خياره وللمستصنع الخيار، هذا جواب ظاهر الرواية، وروي عنه ثبوته لهما، وعن الثاني عدمه لهما، والصحيح الأول اهـ.
وقال أيضًا: ولكل واحد منهما الامتناع من العمل قبل العمل بالاتفاق، ثم إذا صار سَلَمًا يراعى فيه شرائط السلم، فإن وجدت صح وإلا لا اهـ وقال أيضًا: فإن ضرب له أجلًا صار سَلَمًا حتى يعتبر فيه شرائط السلم، ولا خيار لواحد منهما إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي عليه في السلم اهـ. وذكر في كافي الحاكم أن للصانع بيعه قبل أن يراه المستصنع، ثم ذكر أن الاستصناع لا يصح في الثوب، وأنه لو ضرب له أجلًا وعجل الثمن جاز وكان سلمًا، ولا خيار له فيه اهـ. وفي التتارخانية: ولا يجبر المستصنع على إعطاء الدراهم وإن شرط تعجيله، هذا إذا لم يضرب له أجلًا، فإن ضرب قال أبو حنيفة: يصير سلمًا، ولا يبقى استصناعًا حتى يشترط فيه شرائط السلم اهـ، فقد ظهر لك بهذه النقول أن الاستصناع لا جبر فيه إلا إذا كان مؤجلًا بشهر فأكثر، فيصير سلمًا، وهو عقد لازم يجبر عليه، ولا خيار فيه، وبه علم أن قول المصنف: فيجبر الصانع على عمله، لا يرجع الآمر عنه إنما هو فيما إذا صار سلمًا فكان عليه ذكره قبل قوله: وبدونه، وإلا فهو مناقض لما ذكر بعده من إثبات الخيار للآمر، ومن أن المعقود عليه العين لا العمل، فإذا لم يكن العمل معقودًا عليه كيف يجبر عليه، وأما ما في الهداية عن المبسوط، من أنه لا خيار للصانع في الأصح، فذاك بعدما صنعه، ورآه الآمر، كما صرح به في الفتح، وهو ما مر عن البدائع، والظاهر أن هذا منشأ توهم المصنف وغيره كما يأتي، وبعد تحريري لهذا المقام رأيت موافقته في الفصل الرابع والعشرين من نور العين إصلاح جامع الفصولين، حيث قال بعد أن أكثر من النقل في إثبات الخيار في الاستصناع: فظهر أن قول الدرر تبعًا لخزانة المفتي أن الصانع يجبر على عمله والآمر لا يرجع عنه سهو ظاهر اهـ فاغتنم هذا التحرير، ولله الحمد.
قوله: (والمبيع هو العين لا عمله) أي: أنه بيع عين موصوفة في الذمة، لا بيع عمل، أي: لا إجارة على العمل، لكن قدمناه أنه إجارة ابتداء بيع انتهاء، تأمل.
مطلب: ترجمة البردعي
قوله: (خلافًا للبردعي) بالباء الموحدة وسكون الراء وفتح الدال المهملة وفي آخره عين مهملة، نسبة إلى بردعة، بلدة من أقصى بلاد أذربيجان، وهو أحمد بن الحسين أبو سعيد من الفقهاء الكبار، قتل في وقعة القرامطة مع الحاج، سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وتمام ترجمته في طبقات عبد القادر.
قوله: (بمصنوع غيره) أي: بما صنعه غيره، قوله: (فأخذه) أي: الآمر، قوله: (بلا رضاه) أي: رضا الآمر أو رضا الصانع، قوله: (قبل رؤية آمره) الأولى قبل اختياره؛ لأن مدار تعينه له على اختياره، وهو يتحقق بقبضه قبل الرؤية، ابن كمال، قوله: (ومفاده...) إلخ، قدمنا التصريح بهذا المفاد عن البدائع، وعلله بأن الصانع بائع ما لم يره، ولا خيار له، ولأنه بإحضاره أسقط خيار نفسه الذي كان له قبله فبقي خيار صاحبه على حاله اهـ. وفي الفتح: وأما بعدما رآه فالأصح أنه لا خيار للصانع، بل إذا قبله المستصنع أجبر على دفعه له؛ لأنه بالآخرة بائع اهـ وهذا هو المراد من نفي الخيار في المبسوط، فقول المصنف في المنح: ولا خيار للصانع، كذا ذكره في المبسوط، فيجبر على العمل؛ لأنه باع ما لم يره... إلخ، صوابه أن يقول: فيجبر على التسليم؛ لأن الكلام بعد العمل، وأيضًا فالتعليل لا يوافق المعلل على ما فهمه، وهذا هو منشأ ما ذكره في متنه أولًا، وقد علمت تصريح كتب المذهب بثبوت الخيار قبل العمل، وفي كافي الحاكم الذي هو متن المبسوط ما نصه: والمستصنع بالخيار إذا رآه مفروغًا منه، وإذا رآه فليس للصانع منعه ولا بيعه، وإن باعه الصانع قبل أن يراه جاز بيعه، قوله: (وهو الأصح) وهو ظاهر الرواية، وعنه ثبوت الخيار لهما، وعن الثاني عدمه لهما، كما مر عن البدائع، قوله: (إلا بأجل كما مر) أي: بأجل مماثل لما مر في السلم من أن أقله شهر، فيكون سلمًا بشروطه، قوله: (فإن لم يصح) أي: الأجل لعقد السلم بأن كان أقل من شهر، قوله: (وإن للاستعجال) أي: بأن لم يقصد به التأجيل والاستمهال، بل قصد به الاستعجال بلا إمهال، وظاهره أنه لو لم يذكر أجلًا فيما لم يجر فيه تعامل صح، لكنه خلاف ما يفهم من المتن، ولم أره صريحًا، فتأمل.
الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (3/ 215-217) (المذهب المالكي)
(ويجوز) وفي نسخة بالفاء، وهي أنسب (فيما طبخ) من الأطعمة إن حصرت صفته (و) في (اللؤلؤ) كذلك (والعنبر والجوهر) وهو كبار اللؤلؤ، إلا أن يندر وجوده (والزجاج والجص والزرنيخ وأحمال الحطب) كملء هذا الحبل ويوضع عند أمين وأولى وزنا كقنطار (و) في (الأدم) بالفتح، أي: الجلد (و) في (صوف بالوزن لا بالجزاز) جمع جزة بكسر الجيم فيهما، وأما شراؤه لا على وجه السلم، فيجوز بالجزاز تحريًا، وبالوزن مع رؤية الغنم، وأن لا يتأخر الجز أكثر من نصف شهر، كما سيأتي للمصنف في القسمة (و) في نصول (السيوف) والسكاكين (و) في (تور) بالمثناة الفوقية: إناء يشبه الطشت (ليكمل) على صفة خاصة، وإطلاق التور عليه قبل كماله مجاز، كما أن إطلاق السلم على هذا الشراء مجاز، وإنما هو بيع معين يشترط فيه الشروع، ولو حكمًا، فهو من أفراد قوله: وإن اشترى المعمول منه واستأجره جاز إن شرع، ويضمنه مشتريه بالعقد، وإنما يضمنه بائعه ضمان الصناع، ومعنى كلامه أن ما وجد صانعًا شرع في عمل تور مثلًا فاشتراه منه جزافًا بثمن معلوم على أن يكمله له جاز، فإن اشتراه على الوزن لم يضمنه مشتريه إلا بالقبض، وهذا بخلاف شراء ثوب ليكمل فيمنع كما يأتي؛ لإمكان إعادة التور إن جاء على خلاف الصفة المشترطة أو المعتادة، بخلاف الثوب، إلا أن يكون عنده غزل يعمل منه غيره إذا جاء على غير الصفة، فإن اشترى جملة الغزل على أن ينسجه منع، كما إذا اشترى جملة النحاس ليعمله تورًا، وهذا إذا كان كل من الصانع والمصنوع منه معينًا، فإن كان الصانع معينًا دون المصنوع منه فهو ما أشار له بقوله: (و) جاز (الشراء من دائم العمل) حقيقة أو حكمًا ككون البائع من أهل حرفة ذلك الشيء لتيسره عنده، فأشبه المعقود عليه المعين في الصورتين والشراء إما لجملة يأخذها مفرقة على أيام كقنطار بكذا كل يوم رطلين أو يعقد معه على أن يشتري منه كل يوم عددًا معينًا، وليس لأحدهما الفسخ في الأولى دون الثانية (كالخباز) والجزار بنقد وبغيره، فلا يشترط تعجيل رأس المال ولا تأجيل المثمن، بل يشترط الشروع في الأخذ حقيقةً أو حكمًا، فأجازوا التأخير لنصف شهر، كما أشار لذلك بقوله: (وهو بيع) فإن مات البائع وجب الفسخ في الصورة الثانية لا الأولى (وإن لم يدم فهو سلم) فلا يعين العامل والمعمول منه، ويكون دينًا في الذمة كعقد على قنطار خبز يؤخذ من المسلم إليه بعد شهر قدره وصفته كذا، وقوله: (كاستصناع سيف أو سرج) تشبيه لا تمثيل وإلا لاقتضى أن الصانع إن كان دائم العمل كان بيعًا لا سلمًا مع أنه سلم مطلقًا، والحاصل أن دائم العمل حقيقةً أو حكمًا إن نصب نفسه على أن يؤخذ منه كل يوم مثلًا ما نصب نفسه له من وزن أو كيل أو عدد كالخباز واللبان والجزار والبقال يمكن فيه البيع تارة والسلم أخرى بشروطه، وإلا فالسلم بشروطه، ولو استديم عمله كالحداد والنجار والحباك (وفسد بتعيين المعمول منه) كاعمل من هذا الحديد بعينه، أو من هذا الخشب بعينه، أو من هذا الغزل بعينه؛ لأنه حينئذ ليس دينًا في الذمة (أو) تعيين (العامل) أو هما بالأولى، وهذا إذا لم يشتر المعمول منه، (و) أما (إن اشترى المعمول منه) وعينه ودخل في ضمانه (واستأجره) بعد ذلك على عمله (جاز إن شرع) في العمل ولو حكمًا كتأخيره لنصف شهر (عين عامله أم لا)...
قوله: (ويجوز فيما طبخ) أشار بهذا إلى أن المسلم فيه لا يشترط فيه أن يكون ذاتًا قائمة بعينها لا فساد لها بالتأخير، بل يجوز أن يكون مستهلكًا لا بقاء له لفساده بالتأخير، قوله: (ويجوز فيما طبخ) أي: سواء كان لحمًا أو غيره، قوله: (طبخ) ليس المراد خصوص ما كان مطبوخًا بالفعل حال العقد، بل المراد فيما يطبخ في المستقبل كخذ هذا الدينار سَلَمًا على خروف محمر آخذه منك في شهر كذا، أو كان مطبوخًا بالفعل حال العقد كالمربات التي لا تفسد بالتأخير، قوله: (كذلك) أي: إذا حصرته الصفة، قوله: (إلا أن يندر وجوده) أي: لكونه كبيرًا كبرًا خارجًا عن المعتاد، فلا يصح السلم فيه، وهذا داخل تحت قول المصنف الآتي: وما لا يوجد، قوله: (وأولى وزنًا) أي: كخذ هذا الدينار سلمًا على أربعة أحمال من الحطب كل حمل قنطاران، أو كل حمل ملء هذا الحبل، ولا بد من وصف الحطب من كونه حطب سنط أو طرفاء أو غير ذلك، قوله: (أي: الجلد) أي: فيجوز السلم في جلود الغنم والبقر والإبل ونحوها إذا شرط شيئًا معلومًا، والإدام في الأصل الجلد بعد الدبغ، والمراد هنا مطلق الجلد، سواء كان مدبوغًا أو غير مدبوغ، قوله: (لا بالجزز) أي: عددًا كخذ هذا الدينار سلمًا في أربع جزز من الصوف فيمنع؛ لاختلافهما بالصغر والكبر، قوله: (فيهما) أي: في الجمع والمفرد، قوله: (وأما شراؤه لا على وجه السلم) أي: والحال أنه على ظهر الغنم؛ بدليل ما ذكره من الشروط، وأما شراؤه مجزوزًا جزازًا، وبالوزن من غير شرط، قوله: (وتور ليكمل) صورته: وجدت نحاسًا يعمل طشتًا أو حلة أو تورًا أو غير ذلك فقلت له: كمله لي على صفة كذا بدينار، فيجوز إن شرع في تكميله بالفعل أو بعد أيام قلائل كخمسة عشر يومًا فأقل وإلا منع؛ لما فيه من بيع معين يتأخر قبضه، ومحل الجواز أيضًا إذا كان عند النحاس نحاس بحيث إذا لم يأت على الصفة المطلوبة كسره وأعاده وكمله مما عنده من النحاس كما يأتي، وقد جعل عج وعبق وشارحنا هذه المسألة تبعًا لابن الحاجب والتوضيح من باب اجتماع البيع والإجارة، وهو مغاير لأسلوب المصنف، ويصح أن يكون من باب السلم؛ بناء على مذهب أشهب المجوز في السلم تعيين المصنوع منه والصانع وهنا عين المصنوع منه، وهذه يمنعها ابن القاسم، وأنت إذا أمعنت النظر وجدتها لها شبه بالسلم نظرًا للمعدوم في حال العقد، ولها شبه بالبيع نظرًا للموجود، وليست من اجتماع البيع والإجارة، ولكن أقرب ما يتمشى عليه كلام المصنف قول أشهب الذي يجيز تعيين المعمول منه، انظر بن، قوله: (مجاز) أي: فهو مثل: { إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } [يوسف: 36]، قوله: (فهو من أفراد قوله: وإن اشترى المعمول منه...) إلخ، كذا قال عج، واعترضه شيخنا بأن بينهما فرقًا؛ لأنه هنا وقع العقد على المصنوع، ولم يدخل المعمول منه في ملك المشتري، والآتية دخل في ملكه المعمول منه بالعقد عليه، ثم استأجره، ونحوه لبن، كما تقدم، حيث قال: وليست هذه المسألة من اجتماع البيع والإجارة، بل لها شبه بالسلم وبالبيع كما مر، قوله: (ويضمنه مشتريه بالعقد) أي: إذا لم يكن فيه حق توفية كما يأتي، قوله: (ضمان الصناع) أي: فإن كان التلف منه أو ادعى هلاكه ولم تقم بينة بذلك، والحال أنه مما يغاب عليه ضمنه، وإلا فلا ضمان عليه، قوله: (فإن اشتراه على الوزن) أي: بأن قال له: كمله لي على صفة كذا وأنا أشتريه منك كل رطل بكذا، قوله: (إلا أن يكون عنده غزل...) إلخ، هذا تقييد للمنع في مسألة الثوب، قوله: (فإن اشترى جملة الغزل على أن ينسجه منع كما إذا اشترى جملة النحاس...) إلخ، إنما منع فيهما للنقص إذا نقض؛ لعدم إتيانه على الوصف المطلوب.
قوله: (كما إذا اشترى جملة النحاس ليعمله تورًا) هذا تقييد للجواز هنا في مسألة التور، والحاصل أن في كل من التور والثوب ثلاثة أحوال يتفقان في المنع إذا اشترى جملة ما عند البائع من الغزل والنحاس بدينار مثلًا، واتفق معه على أن يصنعه له تورًا أو ثوبًا، ويتفقان على الجواز إذا كان عند البائع جملة من النحاس أو الغزل غير ما اشترى باق على ملكه، بحيث إذا لم يأت ما اشتراه على الصفة المطلوبة يعمل له بدله من ذلك النحاس أو الغزل الذي في ملكه، ويختلفان في حالة وهو المنع في الثوب إذا كان عند البائع غزل لا يأتي ثوبًا على تقدير إذا لم يأت المبيع على الصفة المطلوبة والجواز في التور إذا كان عنده نحاس لا يأتي تورًا؛ لأنه إذا لم يأت على الصفة المطلوبة يمكن كسره وإعادته وتكميله بما عنده.
قوله: (من دائم العمل حقيقة) أي: وهو من لا يفتر عنه غالبًا، وقوله: "أو حكمًا" اعترضه شيخنا العدوي بأنه إن كان من أهل حرفته بالفعل رجع لما قبله، وإلا فلا يكفي، قال: والذي غر عبق التابع له الشارح أن بعضهم عبر بقوله: من أهل حرفته، وأراد به نفس المعنى الأول، فتوهم التغاير، فجمع بينهما، قوله: (وليس لأحدهما الفسخ في الأولى) أي: وهي ما إذا كان الشراء لجملة يأخذها مفرقة على أيام، وذلك للزوم البيع فيها، قوله: (دون الثانية) وهي ما إذا اشترى منه كل يوم عددًا معينًا، فالبيع فيها وإن كان جائزًا لكنه غير لازم فلكل منهما الفسخ، قوله: (كالخباز والجزار) يتأتى في كل منهما الصورتان المتقدمتان، قوله: (بنقد وبغيره) متعلق بالشراء من دائم العمل، والمراد بالنقد المعجل وبغيره المؤجل أي: جاز الشراء من دائم العمل بثمن معجل ومؤجل، قوله: (فلا يشترط...) إلخ، أي: فالشراء من دائم العمل مخالف للسلم في هذين الأمرين، قوله: (كما أشار لذلك) أي: لعدم اشتراط تعجيل الثمن وتأجيل المثمن بقوله: "وهو بيع"؛ إذ من المعلوم أن البيع لا يشترط فيه واحد من الأمرين، قوله: (أو حكمًا) أي: بأن يؤخر الشروع في الأخذ خمسة عشر يومًا، كما أشار له الشارح بقوله: "وأجازوا..." إلخ، قوله: (وهو بيع) صرح به مع قوله: "والشراء"؛ لأن الشراء يطلق على السلم، ووجه كونه بيعًا لا سلمًا: أنهم نزلوا دوام العمل منزلة تعين المبيع والمسلم فيه لا يكون معينًا، قوله: (وإن لم يدم) بأن كان انقطاعه أكثر من عمله أو تساوى عمله وانقطاعه، وحاصله أن الشراء من غير دائم العمل جائز، وهو سلم يشترط فيه ما يشترط في السلم من تعجيل رأس المال وضرب الأجل وعدم تعيين العامل والمعمول منه، فإن عينا أو أحدهما كان فاسدًا، قوله: (كاستصناع سيف) أي: كما أن استصناع السيف والسرج سلم، سواء كان الصانع المعقود معه دائم العمل أم لا، كأن تقول لإنسان: اصنع لي سيفًا أو سرجًا صفته كذا بدينار، فلا بد من تعجيل رأس المال وضرب الأجل، وأن لا يعين العامل ولا المعمول منه، قوله: (تشبيه) أي: بقوله: فهو سلم، بقطع النظر عن عدم دوام العمل، قوله: (وإلا لاقتضى أن الصانع) أي: صانع السيف والسرج، قوله: (يمكن فيه البيع) أي: أن عين العامل أو المعمول منه، كما لو قال له: أشتري منك قنطار خبز من هذا القمح أو من عملك، قوله: (والسلم أخرى) أي: إذا لم يعين العامل ولا المعمول منه، وفيه أنهم نزلوا دوام العمل منزلة تعيين المبيع، فالمسلم فيه وإن لم يعين حقيقة فهو معين تنزيلًا، وحينئذ لا يتأتى السلم عند دوام العمل، تأمل، قوله: (وإلا) أي: وإلا يكن دائم العمل لا حقيقةً ولا حكمًا بأن كان انقطاعه أكثر من عمله، أو تساوى عمله وانقطاعه، قوله: (فالسلم بشروطه) أي: من تعجيل رأس المال، وضرب أجل لقبض المسلم فيه، وعدم تعيين العامل والمعمول منه، قوله: (ولو استديم عمله) الأولى حذفه؛ لأن الموضوع أنه غير دائم العمل، فتأمل، قوله: (وفسد) أي: السلم، وقوله: بتعيين المعمول منه، أي: على ما قاله ابن القاسم، خلافًا لأشهب القائل: إن تعيين المعمول منه أو العامل لا يضر في السلم.
قوله: (أو تعيين العامل) قال في المدونة: فإن شرط عمل رجل بعينه لم يجز، وإن نقده؛ لأنه لا يدري أيسلم ذلك الرجل إلى ذلك الأجل أم لا، فذلك غرر اهـ وعلى هذا درج ابن رشد، وفي المدونة في موضع آخر ما يقتضي الجواز إذا عين العامل فقط؛ لقولها: من استأجر من يبني له دارًا على أن الجص والآجر من عند الأجير جاز، وهو قول ابن بشير اهـ مواق، قوله: (أو هما بالأولى) أي: فهذه الصور الثلاثة يفسد فيها السلم، وعلة الفساد في الأخيرتين: دوران المعقود بين الثمنية والسلفية فهو غرر؛ لأنه لا يدري أيسلم العامل إلى ذلك الأجل أم لا، وفي الأولى أن السلم لا يكون في شيء بعينه، بل في شيء في الذمة، قوله: (وهذا) أي: المنع فيما إذا عين المعمول منه أو العامل إذا لم يشتر... إلخ، قوله: (وإن اشترى المعمول منه...) إلخ، يعني: أنه إذا اشترى منه حديدًا مثلًا معينًا، واستأجره على أن يعمل له منه سيفًا بدينار، فإن ذلك جائز، سواء شرط تعجيل النقد أم لا؛ لأنه من باب اجتماع البيع والإجارة في الشيء وهو جائز، وسواء كان العامل معينًا أم لا، بشرط أن يشرع في العمل، وفهم من قوله: "واستأجره" أنه لو استأجر غير البائع لجاز من غير قيد الشروع، قوله: (وإن اشترى المعمول منه...) إلخ، الفرق بين هذه والتي قبلها وهي قوله: "وتور" ليكمل أن العقد فيما قبلها وقع على المصنوع على وجه السلم، ولم يدخل المعمول منه في ملك المشتري، وهذه وقع العقد فيها على المعمول منه على وجه البيع وملكه المشتري، ثم استأجره حال العقد على عمله، وهذه الثانية مسألة ابن رشد، والتي قبلها مسألة المدونة، ففي الأولى أربعة أحوال، وهي تعيين المعمول منه والعامل وعدم تعيينهما، وتعيين الأولى دون الثاني والعكس صحة العقد في حالة وفساده في ثلاثة، وفي الثانية حالتان فقط أن يعين العامل أو لا يعين، والعقد صحيح في كل منهما.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (4/ 184) (المذهب الشافعي)
(يشترط له) ليصح (مع شروط البيع) المتوقف صحته عليها، كما قاله الشارح، مشيرًا به إلى أن الكلام فيما ورد على الذمة لا مطلقًا، وإلا لاقتضى اشتراط رؤية المسلم فيه والصيغة، فلا يرد صحة سلم الأعمى دون شرائه (أمور) سبعة أخرى اختص بها؛ فلذا عقد لها هذا الكتاب (أحدها): (تسليم رأس المال) وهو الثمن (في المجلس) الذي وقع العقد به قبل التفرق منه أو لزومه؛ لما مر من أن لزومه كالتفرق؛ إذ لو تأخر لكان في معنى بيع الدين بالدين إن كان رأس المال في الذمة، ولأن في السلم غررًا، فلا يضم إليه غرر تأخير رأس المال، ولا بد من حلول رأس المال، كما قاله القاضي أبو الطيب كالصرف، ولا يغني عنه شرط تسليمه في المجلس، فلو تفرقا قبل قبض رأس المال أو ألزماه بطل العقد، أو قبل تسليم بعضه بطل فيما لم يقبض وفيما يقابله من المسلم فيه، وصح في الباقي بقسطه، قالا: كما لو اشترى شيئين فتلف أحدهما قبل القبض، فيؤخذ منه ثبوت الخيار، وبه صرح في الأنوار، وإن جزم السبكي بخلافه.