رد المحتار على الدر المختار (25/ 379 - 383) (المذهب الحنفي)
(وشرطها: أن يكون المحل عقارًا)، سفلًا كان أو علوًّا، وإن لم يكن طريقه في السفل؛ لأنه التحق بالعقار بما له من حق القرار، درر.
قلت: وأما ما جزم به ابن الكمال في أول باب ما هي فيه من أن البناء إذا بيع مع حق القرار يلتحق بالعقار، فرده شيخنا الرملي، وأفتى بعدمها تبعًا للبزازية وغيرها، فليحفظ.
الشرح:
قوله: (وشرطها...) إلخ، المراد بالعقار هنا: غير المنقول، فدخل الكرم والرحى والبئر والعلو، وإن لم يكن طريقه في السفل، وخرج البناء والأشجار فلا شفعة فيهما إلا بتبعية العقار، وإن بيع بحق القرار، در منتقى، ويشترط كونه مملوكًا، كما علم مما قدمه، ويأتي، فخرج الوقف، وكذا الأراضي السلطانية لا العشرية والخراجية؛ إذ لا ينافي ذلك الملك، كما سنذكره قبيل الباب الآتي، وكون العقد معاوضة، وزوال ملك البائع عن المبيع فلا شفعة في بيع بخيار، وزوال حق البائع فلا شفعة في شراء فاسد، وملك الشفيع لما يشفع به وقت الشراء، وعدم الرضا من الشفيع بالبيع ولو دلالة، كما يعلم ذلك كله مما يأتي.
قوله: (وإن لم يكن طريقه في السفل) أي: طريق العلو المبيع.
قال في الذخيرة: فإن كان طريقه في السفل فالشفعة بسبب الشركة في الطريق، وإن في السكة العظمى فبسبب الجوار، وإن لم يأخذ صاحب العلو السفل بها حتى انهدم العلو، فعلى قول أبي يوسف بطلت؛ لأن الجوار بالاتصال، وقد زال، كما لو باع التي يشفع بها قبل الأخذ.
وعلى قول محمد: تجب؛ لأنها ليست بسبب البناء، بل بالقرار وحتى القرار باق، وإن كانت ثلاثة أبيات بعضها فوق بعض وباب كل إلى السكة فبيع الأوسط تثبت للأعلى والأسفل، وإن بيع الأسفل أو الأعلى فالأوسط أولى ا هـ ملخصًا.
قوله: (بما له من حق القرار)؛ لأن حق التعلي يبقى على الدوام وهو غير منقول، فتستحق به الشفعة كالعقار، زيلعي، وظاهره ترجيح قول محمد المار، قوله: (إذا بيع مع حق القرار) كالبناء في الأرض السلطانية أو أرض الوقف المحتكرة، قوله: (فرده شيخنا...) إلخ، اقتصر في الرد على الاستناد إلى النقل، وكان ينبغي إبداء الفرق بينه وبين مسألة العلو للإيضاح، ولعله أن البناء فيما ذكر ليس له حق البقاء على الدوام، بل هو على شرف الزوال، لما قالوا: إن الأرض المحتكرة إذا امتنع المحتكر من دفع أجرة المثل يؤمر برفع بنائه وتؤجر لغيره، وكذا يقال في السلطانية إذا امتنع من دفع ما عينه السلطان، بخلاف حق التعلي فإنه يبقى على الدوام، كما مر.
وبه اندفع ما ذكره ح من أن تعليلهم إلحاق العلو بالعقار بأن له حق القرار يؤيد ابن الكمال ا هـ فتأمل.
قوله: (تبعًا للبزازية وغيرها) ففي البزازية: ولا شفعة في الكردار، أي: البناء ويسمى بخوارزم: حق القرار؛ لأنه نقلي كالأراضي السلطانية التي حازها السلطان لبيت المال، ويدفعها مزارعة إلى الناس بالنصف، فصار لهم فيها كردار كالبناء والأشجار والكبس بالتراب فبيعها باطل، وبيع الكردار إذا كان معلومًا يجوز لكن لا شفعة فيه ا هـ ملخصًا، ونحوه في النهاية والذخيرة.
وفي التتارخانية عن السراجية: رجل له دار في أرض الوقف فلا شفعة له، ولو باع هو عمارته فلا شفعة لجاره. ا هـ.
مطلب: في الكلام على الشفعة في البناء نحو الأرض المحتكرة
هذا وقد انتصر أبو السعود في حاشية مسكين لابن الكمال، وجزم بخطأ من أفتى بأنه لا شفعة في البناء في الأرض المحتكرة كالطوري؛ إذ لا سند له في فتواه، ثم استدل بما في شرح المجمع الملكي لو بيع النخل وحده أو البناء وحده فلا شفعة؛ لأنهما لا قرار لهما بدون العرصة.
قال: فتعليله كالصريح في ثبوت الشفعة في البناء في المحتكرة؛ لما له من حق القرار. ا هـ.
واستدل قبل هذا أيضًا بما هو دليل عليه، لا له، كما تعرفه.
وأما ما في شرح المجمع فلا دليل فيه أيضًا؛ لأن التعليل المذكور لبيان الفرق بين بيع البناء أو النخل وحده وبين بيعه مع محله القائم فيه فإنه تثبت فيه الشفعة؛ لوجود حق القرار على الدوام، بخلاف بيع البناء أو الشجر وحده ولو في الأرض المحتكرة، كما علمته مما قررناه سابقًا.
ويمكن أن يكون مراد ابن الكمال بحق القرار المحل القائم فيه فلا يكون فيه مخالفة لغيره، وقوله: "إذ لا سند له في فتواه" عجيب، بعدما قدمناه من النقول، ومما يدل عليه قطعًا ما في الجامع الصغير أن بيع أرض مكة لا يجوز، وإنما يجوز بيع البناء فلا تجب الشفعة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها تجب، وهو قولهما، وعليه الفتوى؛ لأنه باع المملوك. ا هـ.
قال في شرح الوهبانية: ولا يخفى أن مفاد هذا الكلام أن الشفعة فيها إنما تثبت بناء على القول بأن أرضها مملوكة، لا أن مجرد البناء فيها يوجب الشفعة، فيكون حكمه مخالفًا لحكم غيره من الأبنية، كما توهمه عبارة ابن وهبان. ا هـ. أي: فإن عبارته توهم أن ثبوت الشفعة فيها لمجرد البناء فتجب، ولو قيل: إن أرضها غير مملوكة فيخالف حكم غيره من الأبنية، وليس كذلك، بل ثبوتها خاص بالقول بملكية أرضها ليكون البناء تابعًا للأرض، فلا يكون من بيع المنقول.
والعجب من أبي السعود حيث استدل بهذا الكلام، وجعله صريحًا فيما ادعاه مع أنه صريح بخلافه، كما لا يخفى، فإنه على القول بأن أرضها غير مملوكة فالبناء فيها له حق القرار على الدوام، ومع هذا لا شفعة فيه فكيف البناء في الأرض المحتكرة، لا يقال: يلزم من هذا عدم ثبوتها في العلو؛ لأنا نقول: البناء من المنقول بخلاف العلو، كما مر، وأشار إليه الزيلعي فيما يأتي، فاغتنم هذه الفوائد الفرائد.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (16/ 452) (المذهب الشافعي)
(لا تثبت في منقول) ابتداء كحيوان وثياب وإن بيع مع الأرض للخبر المار، ولأنه لا يدوم بخلاف العقار فيتأبد فيه ضرر المشاركة، وخرج بابتداء تهدم الدار بعد ثبوت الشفعة فيؤخذ نقضها بها (بل) إنما تثبت (في أرض وما فيها من بناء) وتوابعه الداخلة في مطلق البيع كأبواب منصوبة ورفوف مسمرة ومفتاح غلق مثبت وكل منفصل توقف عليه نفع متصل.
البحر الرائق شرح كنز الدقائق (21/ 332) (المذهب الحنفي)
قال رحمه الله: (وتجب للخليط في نفس المبيع) يعني: تثبت للشريك في نفس المبيع؛ لما روي أنه عليه الصلاة والسلام "قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة"، واعترض بأن الحديث وإن دل على بعض المدعى وهو ثبوت حق الشفعة للشريك الآخر إلا أنه يبقى بعضه الآخر وهو ثبوتها لغير الشريك أيضًا كالجار الملاصق؛ لأن اللام في الشفعة المذكورة للجنس لعدم العهد وتعريف المسند إليه فاللام الجنس يفيد قصر المسند إليه على المسند، فاقتضى انتفاء حق الشفعة من غير الشريك كالجار، والجواب: أن ثبوت حق الشفعة للجار أفاده حديث آخر، فظهر أن القصر غير حقيقي.
قال رحمه الله: (وتجب للخليط في نفس المبيع ثم في حق المبيع كالشرب والطريق إن كان خاصم ثم للجار الملاصق) يعني: يثبت بعد الأول للشريك في حق المبيع كالشرب والطريق، أما الطريق فقد تقدم دليله.
أما الجار: فلقوله عليه الصلاة والسلام: "الجار أحق بشفعة جاره"، وإنما وجبت مرتبة على الترتيب الذي ذكره هنا؛ لأنها وجبت لدفع الضرر الدائم الذي يلحقه.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (16/ 462) (المذهب الشافعي)
(ولا شفعة إلا لشريك) في العقار المأخوذ ولو ذميًّا ومكاتبًا مع سيده وغير آدمي كمسجد له شقص لم يوقف فباع شريكه حصته يشفع له ناظره فلا شفعة لغير شريك، كأن مات عن دار شريكه فيها وارثه فبيعت حصته في دينه فلا يشفع الوارث؛ لأن الدين لا يمنع الإرث، وكالجار للخبر المار عن البخاري لصراحته وعدم قبوله التأويل، بخلاف أحاديث إثباتها للجار، فإنه يمكن حمله على الشريك فتعين؛ جمعًا بين الأخبار، ولو قضى حنفي بها للجار لم ينقض، وحل الأخذ باطنًا وإن كان الآخذ شافعيًّا.
الإقناع لموسى الحجاوي (2/ 2) (المذهب الحنبلي)
رد المحتار على الدر المختار (25/ 437 ، 438) (المذهب الحنفي)
باب: ما تثبت هي فيه، أو لا تثبت
(لا تثبت قصدًا إلا في عقار ملك بعوض) خرج الهبة (هو مال) خرج المهر (وإن لم) يكن (يقسم) خلافًا للشافعي....
باب: ما تثبت هي فيه، أو لا
قوله: (لا تثبت قصدًا...) إلخ، قيد به؛ لأنها تثبت في غير العقار تبعًا له كالبناء والغرس والثمرة على ما مر، وكذا في آلة الحراثة تبعًا للأرض كما قدمناه عن شرح المجمع.
قوله: (ملك) بالتشديد أو التخفيف، صفة: عقار، وسيأتي محترزه، وهو ما بيع بخيار للبائع ونحوه.
قوله: (خرج الهبة) أي: التي لم يشترط فيها العوض، وهذه المحترزات أتى بها المصنف بعدُ، فالأولى حذفها ط.
قوله: (وإن لم يكن يقسم) أدرج لفظ "يكن"؛ ليفيد أن المراد ليس مما اتصف بكونه يقسم، أي: يقبل القسمة، وليس المراد أن نفي القسمة أعم من كونه قابلًا لها أو لا، تأمل.
قوله: (خلافًا للشافعي)؛ لأن من أصله أن الأخذ بالشفعة لدفع ضرر مؤنة القسمة، وذا لا يتحقق فيما لا يحتملها.
وعندنا لدفع ضرر التأذي بسوء المجاورة على الدوام، كفاية.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (16/ 446) (المذهب الشافعي)
"قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، وفي رواية له: "في أرض أو ربع أو حائط، ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه"، أي: لا يحل له ذلك حِلًّا مستوي الطرفين؛ إذ لا إثم في عدم استئذان الشريك.
والربع: المنزل، والحائط: البستان.
وقوله: "لم يقسم" ظاهر في أنه يقبل القسمة؛ إذ الأصل فيما نفي بـ "لم" كونه في الممكن، بخلاف ما نفي بـ "لا"، واستعمال أحدهما مكان الآخر تجوُّزٌ، أو إجمال، قاله ابن دقيق العيد.
شرح منتهى الإرادات (4/ 119 - 121) (المذهب الحنبلي)
الشرط الثاني: كونه أي: الشقص المبيع مشاعًا، أي: غير مفرز من عقار بفتح العين ينقسم، أي: تجب قسمته بطلب من له فيه جزء إجبارًا؛ لحديث جابر مرفوعًا: "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" رواه الشافعي، ولحديث أيضًا: "إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" رواه أبو داود، ولأن الشفعة إنما ثبتت فيما تجب قسمته لمعنى وهو: أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به، فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته، أو يطلب الداخل المقاسمة فيتضرر الشريك بمنع ما يحتاج إلى إحداثه من المرافق، وهذا لا يوجد في المقسوم، فلا شفعة لجار في مقسوم محدود؛ لما تقدم، وحديث أبي رافع مرفوعًا: "الجار أحق بصقبه" رواه البخاري وأبو داود، قال في القاموس: أحق بصقبه أي: بما يليه ويقرب منه، وحديث الحسن عن سمرة مرفوعًا: "جار الدار أحق بالدار" رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح" أجيب عن الأول: بأنه أبهم ولم يصرح به فلا يجوز حمله على العموم في مضمر؛ لأن العموم مستعمل في المنطوق به دون المضمر والثاني: أنه محمول على أنه أحق بالفناء الذي بينه وبين الجار ممن ليس بجار، أو يكون مرتفقًا به، وأجيب عن الثاني: باختلاف أهل الحديث في لقاء الحسن لسمرة، ومن أثبت لقاءه له قال: إنه لم يرو عنه إلا حديث العقيقة، ولو سلم لكان عنه الجوابان المذكوران، وحديث "الجار أحق بشفعة جاره" قال أحمد: منكر، وقال ابن معين: لم يروه غير عبد الملك، وقد أنكر عليه، أو أنه أريد بالجار في الأحاديث: الشريك؛ فإنه جارٌ أيضًا؛ لأن اسم الجوار يختص بالقريب، والشريك أقرب من اللصيق، كما أطلق على الزوجة لقربها، ولا شفعة في طريق مشترك لا ينفذ ببيع دار فيه أي: في الطريق الذي لا ينفذ إن لم يكن التوصل إلى الدار إلا منه لضرر المشتري؛ لأنها تبقى لا طريق لها، ولو كان نصيب مشتر منها أي: الطريق أكثر من حاجته لتبعض الشفقة على المشتري لو وجبت في الزائد وفيه ضرر، فإن كان لها أي: الدار باب آخر إلى شارع، وأمكن فتح باب لها إلى شارع وجبت الشفقة في الطريق المشترك غير النافذ، حيث أمكنت قسمته كغيره من الأراضي، وكذا أي: كالطريق المشترك الذي لا ينفذ دهليز بالكسر ما بين الباب والدار وصحن أي: وسط الدار مشتركان، فإذا بيع بيت من دار لها دهليز وصحن، فإن لم يمكن الاستطراق إلى المبيع إلا منهما فلا شفعة فيهما، وإن كان له باب آخر وأمكن فتح باب له إلى شارع وجبت فيهما؛ لما تقدم ومن أرضه بجوار أرض لآخر ويشربان من نهر أو بئر واحد فلا شفعة بذلك ولا شفعة فيما أي: عقار لا تجب قسمته كحمام صغير وبئر وطرق ضيقة وعراص ضيقة ورحى صغيرة وعضادة نصًّا؛ لحديث: "لا شفعة في فناء ولا طريق ولا مثقبة"، والمثقبة: الطريق الضيق بين دارين لا يمكن أن يسلكه أحد، رواه أبو عبيد في الغريب، وعن عثمان: "لا شفعة في بئر ولا نخل"، ولأن إثبات الشفعة فيه يضر بالبائع؛ لأنه لا يمكنه التخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة، فإن كان البئر تمكن قسمته بئرين يرتقي الماء منهما وجبت الشفعة، وكذا إن كان مع البئر بياض أرض بحيث تحصل البئر في أحد النصيبين، وكذا الرحى إن أمكنت قسمته بأن كان له حصن بحيث يحصل الحجر في أحد القسمين أو فيها أربعة أحجار دائرة يمكن أن ينفرد كل واحد بحجرين، ولا شفعة فيما ليس بعقار أي: أرض كشجر وبناء مفرد وحيوان وجوهر وسيف ونحوهما كسفينة وزرع وثمر وكل منقول؛ لأنه لا يبقى على الدوام ولا يدوم ضرره، بخلاف الأرض، ويؤخذ غراس وبناء بالشفعة تبعًا لأرض؛ لحديث قضائه صلى الله عليه وسلم في كل مشترك لم يقسم، ربعةً أو حائطًا، ولا يؤخذ ثمر ظاهر وزرع بشفعة لا تبعًا ولا مفردًا؛ لأنه لا يدخل في البيع تبعًا فلا يؤخذ بالشفعة كقماش الدار، وعكسه البناء والغراس؛ إذ الشفعة بيع حقيقة إلا أن للشفيع سلطان الأخذ بغير رضا المشتري وما بيع من علو مشترك دون سفله فلا شفعة فيه مطلقًا، وبالعكس إذا باع الشريك العلو وحصته من السفل، فللشريك الشفعة في السفل فقط.
مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج (9/ 209) (المذهب الشافعي)
ثم شرع في بيان الركن الثالث، وهو المأخوذ بالشفعة، وقال: (وإنما تثبت) الشفعة للشريك القديم (فيما ملك) أي: في شيء ملكه الشريك الحادث (بمعاوضة) محضة كالبيع، أو غير محضة كالمهر.
أما البيع فبالنص، والباقي بالقياس عليه؛ بجامع الاشتراك في المعاوضة مع لحوق الضرر، فلا تثبت الشفعة فيما ملك بغير معاوضة، كإرث وهبة بلا ثواب ووصية وفسخ.
أما المملوك بالإرث، فلأنه قهري فلم يضر بالشريك، بخلاف المشتري فإنه كان من حقه ألا يدخل على الشريك ضررًا، فلما لم يفعل تسلط الشريك عليه، وأما ما ملك بالهبة والوصية والفسخ فلأنه لا عوض فيها فتؤخذ به.
رد المحتار على الدر المختار (25/ 402 - 405) (المذهب الحنفي)
باب طلب الشفعة:
(ويطلبها الشفيع في مجلس علمه) من مشتر أو رسوله أو عدل أو عدد (بالبيع)، وإن امتد المجلس كالمخيرة هو الأصح، درر، وعليه المتون، خلافًا لما في جواهر الفتاوى أنه على الفور، وعليه الفتوى (بلفظ يفهم طلبها كطلبت الشفعة ونحوه) كأنا طالبها أو أطلبها (وهو) يسمى (طلب المواثبة) أي: المبادرة....
باب طلب الشفعة:
قوله: (من مشتر) متعلق بعلمه ح، قوله: (أو عدل أو عدد) أي: لو كان المخبر فضوليًّا، والمراد بالعدد عدد الشهادة رجلان أو رجل وامرأتان، وأفاد عدم اشتراط العدالة في العدد وكذا في المشتري؛ لأنه خصم، ولا تشترط العدالة في الخصوم، ومثله رسوله، كما في التتارخانية.
وفيها إن كان الفضولي واحدًا غير عدل، فإن صدقه ثبت الشراء، وإن كذبه لا وإن ظهر صدق الخبر عند أبي حنيفة. ا هـ.
قال في الدرر: وقالا: يكفي واحد حرًّا كان أو عبدًا صبيًّا أو امرأة إذا كان الخبر صدقًا، قوله: (بالبيع) متعلق بعلمه، قوله: (وإن امتد المجلس) ما لم يشتغل بما يدل على الإعراض، درر البحار.
قوله: (كالمخيرة) أي: كخيار المخيرة، وهي التي قال لها زوجها: أمرك بيدك، قوله: (هو الأصح) واختاره الكرخي، قوله: (وعليه المتون) أي: ظاهرها؛ ذلك لأنهم عبروا بالمجلس، قوله: (خلافًا لما في جواهر الفتاوى...) إلخ، أشار إلى عدم اختياره؛ لمخالفته لظاهر المتون، لكن هذا القول مناسب لتسميته طلب المواثبة، ولظاهر الحديث الآتي، وظاهر الهداية اختياره، ونسبه إلى عامة المشايخ، قال في الشرنبلالية: وهو ظاهر الرواية، حتى لو سكت هنية بغير عذر ولم يطلب أو تكلم بكلام لغو بطلت شفعته، كما في الخانية والزيلعي وشرح المجمع ا هـ، وقوله: وعليه الفتوى من كلام الجوهري، وهذا ترجيح صريح مع كونه ظاهر الرواية، فيقدم على ترجيح المتون بمشيهم على خلافه؛ لأنه ضمني.
فروع:
أخبر بكتاب والشفعة في أوله أو وسطه وقرأه إلى آخره بطلت، هداية.
سمع وقت الخطبة فطلب بعد الصلاة إن بحيث يسمع الخطبة لا تبطل، وإلا ففيه اختلاف المشايخ، ولو أخبر في التطوع فجعله أربعًا أو ستًّا فالمختار أنها تبطل، لا إن أتم ما بعد الظهر أربعًا في الصحيح، ولو ستًّا تبطل، ولا تبطل إن أتم القبلية أربعًا، وسلامه على غير المشتري يبطلها، ولو عليه لا، كما لو سبح أو حمدل أو حوقل أو شمت عاطسًا، تتارخانية، أي: على رواية اعتبار المجلس، كفاية وشرنبلالية.
مطلب: لو سكت لا تبطل ما لم يعلم المشتري والثمن
وفي الخانية: أخبر بها فسكت، قالوا: لا تبطل ما لم يعلم المشتري والثمن، كالبكر إذا استؤمرت ثم علمت أن الأب زوجها من فلان صح ردها. ا هـ.
أقول: وبه أفتى المصنف التمرتاشي في فتاواه فليحفظ، قوله: (بلفظ يفهم طلبها) متعلق بقوله: يطلبها، والمراد: أيُّ لفظٍ كان، حتى حكى ابن الفضل: لو قال القروي: شفعة شفعة كفى، تتارخانية، قوله: (طلب المواثبة) سمي به تبركًا بلفظه صلى الله عليه وسلم: "الشفعة لمن واثبها"، أي: طلبها على وجه السرعة، أتقاني، قوله: (أي: المبادرة) مفاعلة من الوثوب على الاستعارة، لأن من يثب هو من يسرع في طي الأرض بمشيه، أتقاني.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (17/ 30) (المذهب الشافعي)
(والأظهر أن) (الشفعة) أي: طلبها وإن تأخر التملك (على الفور)؛ لخبر ضعيف فيه، ولأنه خيار ثبت بنفسه لدفع الضرر فكان كالرد بالعيب، وقد لا يجب في صور علم أكثرها من كلامه كالمبيع بمؤجل، أو وأحد الشريكين غائب، وكأن أخبر بنحو زيادة فترك ثم بان خلافه، وكالتأخير لانتظار إدراك زرع وحصاده، أو ليعلم قدر الثمن أو ليخلص نصيبه المغصوب كما نص عليه، والأوجه: أن محله إذا لم يقدر على نزعه إلا بمشقة أو لجهله بأن له الشفعة أو بأنها على الفور وهو ممن يخفى عليه ذلك، وكمدة خيار شرط الغير، وكتأخير الولي أو عفوه فإنه لا يسقط حق المولى.
ومقابل الأظهر أقوال:
أحدها: يمتد إلى ثلاثة أيام.
وثانيها: يمتد مدة تسع التأمل في مثل ذلك الشقص.
وثالثها: أنها على التأبيد، ما لم يصرح بإسقاطها أو يعرض به، كبعه لمن شئت.
شرح منتهى الإرادات (4/ 124 - 126) (المذهب الحنبلي)
الشرط الرابع: أخذ جميع الشقص المبيع؛ دفعًا لضرر المشتري بتبعيض الصفقة في حقه بأخذ بعض المبيع، مع أن الشفعة على خلاف الأصل؛ دفعًا لضرر الشركة، فإذا أخذ البعض لم يندفع الضرر، فإن طلب الشفيع بعضه، أي: المبيع مع بقاء الكل، أي: كل المبيع سقطت شفعته؛ لما تقدم، ولأن حق الأخذ إذا سقط بالترك في البعض سقط في الكل كعفوه عن بعض قود يستحقه، وإن تلف بعضه، أي: المبيع كانهدام بيت من دار بيع بعضها بأمر سماوي كمطر أو بفعل آدمي مشتر أو غيره أخذ الشفيع باقيه، أي: المبيع إن شاء بحصته، أي: المبيع بعد ما تلف من ثمنه، أي: ثمن جميع الشقص، فإن كان المبيع نصف الدار وقيمة البيت المنهدم منها نصف قيمتها أخذ الشفيع الشقص فيما بقي من الدار بنصف ثمنه، ثم إن بقيت الأنقاض أخذها مع العرصة وما بقي من البناء وإن عدمت أخذ ما بقي من البناء مع العرصة بالحصة؛ لأنه تعذر عليه أخذ كل المبيع بتلف بعضه فجاز له أخذ الباقي بحصته، كما لو كان معه شفيع آخر.
وإن نقصت القيمة مع بقاء صورة المبيع، كانشقاق الحائط وبوران الأرض، فليس له الأخذ إلا بكل الثمن، وإلا ترك فلو اشترى دارًا أي: شقصًا منها بألف تساوي ألفين فباع بابها أو هدمها فبقيت بألف أخذها الشفيع بخمسمائة بالحصة من الثمن نصًّا، وهي أي: الشفعة بين شفعاء على قدر أملاكهم فيما منه الشقص المبيع؛ لأنها حق يستفاد بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك، كالغلة فدار بين ثلاثة نصف وثلث وسدس باع صاحب النصف نصيبه فهو بينهما على ثلاثة، لصاحب الثلث اثنان، ولصاحب السدس واحد، ومع ترك البعض من الشركاء حقه من الشفعة، لكن للباقي الذي لم يترك أن يأخذ بالشفعة إلا الكل أي: كل المبيع أو يترك الكل، حكى ابن المنذر الإجماع عليه، ولأن في أخذ البعض إضرارًا بالمشتري، وكذا إن غاب بعض الشركاء فليس للحاضر إلا أخذ الكل أو تركه نصًّا؛ لأنه لا يعلم له مطالب سواه، ولا يمكن تأخير حقه إلى قدوم الغائب؛ لما فيه إضرار المشتري، فلو كان الشفعاء ثلاثة فحضر أحدهم وأخذ جميع الشقص ملكه، ولا يؤخر بعض ثمنه ليحضر غائب فيطالب لوجوب الثمن عليه بالأخذ، فإن أصر على الامتناع من إيفائه فلا شفعة له، كما لو أبى أخذ جميع المبيع والغائب من الشفعاء على حقه من الشفعة للعذر للأول فإن حضر ثان بعد أخذ أول قاسمه إن شاء أو عفا ويبقى، فإن قاسمه ثم حضر الثالث قاسمهما إن أحب أو عفا فيبقى للأولين وإن أراد الثاني بعد أخذ الأول جميع الشقص الاقتصار على قدر نصيبه وهو الثلث فله ذلك؛ لأنه أسقط بعض حقه ولا ضرر فيه على مشتر والشفيع دخل على أن الشفعة تتبعض عليه فإذا قدم الثالث فله أن يأخذ من الثاني ثلث ما بيده فيضمه إلى ما بيد الأول ويقتسمانه نصفين، فتصح قسمة الشقص من ثمانية عشر.
ولا يطالبه، أي: لا يطالب الغائب حاضرًا بما أخذه أي: الحاضر من غلته، أي: الشقص من ثمر وأجر ونحوهما؛ لأنه انفصل ملكه كما لو انفصل في يد مشتر قبل أخذه بالشفعة، وإن ترك الأول الأخذ توفرت لصاحبيه، فإذا قدم الأول أخذ الجميع أو ترك على ما تقدم، وإن أخذ الأول جميع الشقص ثم رده لعيب فيه توفرت على صاحبيه لرجوعه لمشتر بالسبب الأول، بخلاف عوده إليه بنحو هبة، وإن لم يقدم الثالث حتى قاسم الثاني الأول، فأخذ بحقه من الشفعة بطلب القسمة، وإن لم يقدم الثالث حتى غاب أحد شريكيه أخذ من الحاضر ثلث ما بيده، ثم إن قضى له على الغائب أخذ ثلث ما بيده، وإلا انتظره ولو كان المشتري للشقص شريكًا في العقار وثم شريك آخر أخذ أي: استقر لمشتر من الشقص المشفوع بحصته نصًّا فلا يؤخذ منه؛ لتساويهما في الشركة، كما لو كان المشتري غيرهما، فإن عفا مشتر عن شفعته ليلزم به أي: الشقص جميعه غيره من الشركاء لم يلزمه أخذ جميعه، ولم يصح الإسقاط لاستقرار ملكه على قدر حقه كالحاضر من شفيعين إذا أخذ الجميع وحضر الآخر وطلب حقه منها فقال: خذ الكل أو دعه، ولشفيع فيما بيع على عقدين الأخذ بالشفعة بهما أي: العقدين؛ لأنه شفيع فيهما، وله الأخذ بأحدهما أيهما أراد؛ لأن كُلًّا منهما بيع مستقل بنفسه وهو يستحقهما ويشاركه أي: الشفيع مشتر إذا أخذ بالعقد الثاني فقط أي: دون الأول؛ لاستقرار ملك المشتري فيه فهو شريك في البيع الثاني، فإن أخذا بالبيعين أو بالأول لم يشاركه؛ لأنه لم تسبق له شركة، وإن بيع شقص على أكثر من عقدين فلشفيع الأخذ بالجميع وببعضها، ويشاركه مشتر إن أخذ بغير الأول بنصيبه مما قبله، وإن اشترى اثنان حق واحد صفقة واحدة أو اشترى واحد حق اثنين صفقة واحدة أو اشترى واحد من آخر شقصين من عقارين صفقة واحدة فللشفيع في الأولتين أخذ حق أحدهما أي: أحد المشتريين أو البائعين؛ لأن الصفقة مع اثنين بائعين أو مشتريين بمنزلة عقدين، فإن باع اثنان من اثنين فهي أربعة عقود للشفيع الأخذ بالكل وبما شاء منهما، وإن اشترى لنفسه وغيره بالوكالة أو باع أحد الشركاء عن نفسه وعن شريكه بالوكالة فهو بمنزلة عقدين لتعدد من وقع له العقد أو منه، ولشفيع فيما إذا باع شريكه شقصين من عقارين صفقة واحدة أخذ الشقصين من أحد العقارين دون الآخر؛ لأن الضرر قد يلحقه بأرض دون أخرى، ولشفيع أخذ شقص مشفوع بيع مع ما لا شفعة فيه، كثوب أو فرس أو خاتم بثمن واحد فيأخذه بحصته أي: قسطه من الثمن، ويقسم الثمن المسمى على قيمتهما أي: قيمة الشقصين أو قيمة الشقص وقيمة ما معه نصًّا، فلو كانت قيمة الشقص مائة وقيمة ما معه عشرين أخذ الشفيع الشقص بخمسة أسداس ما وقع عليه العقد.
الإقناع لموسى الحجاوي (2/ 6) (المذهب الحنبلي)
(وإن كان الشفعاء جماعة) من الشركاء (استحقوها على قدر الأملاك)؛ لأنه حق مستحق بالملك، فقسط على قدره كالأجرة والثمرة، فلو كانت أرض بين ثلاثة لواحد نصفها ولآخر ثلثها ولآخر سدسها، فباع الأول حصته أخذ الثاني سهمين والثالث سهمًا، وهذا ما صححه الشيخان، وهو المعتمد.
وقيل: يأخذون بعدد الرؤوس، واعتمده جمعٌ من المتأخرين.
وقال الإسنوي: إن الأول خلاف مذهب الشافعي.
رد المحتار على الدر المختار (25/ 454) (المذهب الحنفي)
(و) يبطلها (موت الشفيع قبل الأخذ بعد الطلب أو قبله) ولا تورث، خلافًا للشافعي، ولو مات بعد القضاء لم تبطل (لا) يبطلها (موت المشتري)؛ لبقاء المستحق.
الشرح:
قوله: (ويبطلها موت الشفيع...) إلخ؛ لأنها مجرد حق التملك، وهو لا يبقى بعد موت صاحب الحق، فكيف يورث؟ درر.
قوله: (ولو مات بعد القضاء لا تبطل)؛ لما تقدم متنًا أنها تملك بالأخذ بالتراضي وبقضاء القاضي.
قوله: (لا موت المشتري) وكذا البائع، خانية، ولا تباع في دين المشتري ووصيته، ولو باعها القاضي أو الوصي أو أوصى المشتري فيها بوصية فللشفيع أن يبطله ويأخذ الدار لتقدم حقه؛ ولهذا ينقض تصرفه في حياته، هداية.
شرح منتهى الإرادات (4/ 131) (المذهب الحنبلي)
وتبطل أي: تسقط شفعة بموت شفيع قبل طلب مع قدرة أو إشهاد مع عذر؛ لأنها نوع خيار شرع للتمليك، أشبه الإيجاب قبل قبوله، ولأنه لا يعلم بقاؤه على الشفعة لاحتمال رغبته عنها، فلا ينتقل إلى الورثة ما شك في ثبوته، ولا تسقط الشفعة بموت شفيع بعد طلبه أي: المشتري بها أو بعد إشهاد به أي: الطلب، حيث اعتبر الإشهاد لمرض شفيع ونحوه، وتكون الشفعة إذا مات بعد ذلك لورثته كلهم بقدر إرثهم؛ لأن الطلب ينتقل به الملك للشفيع على المذهب، وعلى مقابلة مقرر للحق فوجب أن يكون موروثًا فعلى الأول ليس لهم ولا لبعضهم رد؛ لانتقال الملك إلى مورثهم بطلبه، وعلى الثاني إذا عفا بعضهم توفر على الباقين، وليس لهم إلا أخذ الكل أو تركه كالشفعاء إذا عفا بعضهم، فإن عدموا أي: ورثته من مات بعد طلبه أو اشهاد عليه فلإمام الأخذ بها لأنه حق مستقر لميت لا وارث له فملك الإمام أخذه كسائر حقوقه، قلت: القياس أنه ملكه على ما تقدم، وعلى وكيل بيت المال إعطاؤه الثمن؛ لأنه مخير.