رد المحتار على الدر المختار (6/ 479) (المذهب الحنفي)
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 258) (المذهب المالكي)
(1) لا يجوز للمرتهن قبض الرهن إلا بـإذن الراهن:
(والقول) عند تنازع المرتهنين بأن قال واضع اليد على شيء: "هو رهن"، وقال ربه: "بل أمانة أو عارية" أو: "وضعتَ يدكَ عليه بلا إذني" (لمدعي نفي الرهنية)؛ لتمسكه بالأصل...
قوله: (والقول لمدعي نفي الرهنية) الحق في تصوير هذه المسألة ما صور به ح، وهو الذي في المواق عن المدونة، وهو أنهما تنازعا في سلعة معينة، وعند صاحبها دين لمن هي عنده، هل هي رهن أو وديعة، مع اتفاقهما على ثبوت الدين؟ ومدعي نفي الرهنية هو رب السلعة غالبًا، وقد يدعي نفيها من بيده ويدعي الإيداع لأجل أن يسقط الضمان عن نفسه فيما يضمنه المرتهن، وأما تصوير عبق لهذه المسألة فهو غير صواب، انظر بن؛ ولذا صورها شارحنا بما صور به ح، فقوله بأن قال واضع اليد على شيء، أي: معلومٍ لغيره، وعليه دين لربه.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (4/ 255) (المذهب الشافعي)
(1) لا يجوز للمرتهن قبض الرهن إلا بـإذن الراهن:
(والأظهر اشتراط إذنه) أي: الراهن (في قبضه)؛ لأن يده كانت عن غير جهة الرهن، ولم يقع تعرض للقبض عنه، والثاني: لا يشترط؛ لأن العقد مع صاحب اليد يتضمن الإذن في القبض، ولو رهن الأب ماله عند طفله أو عكسه اشترط فيه مضي ما ذكر وقصد الأب قبضًا إذا كان مرتهنًا وإقباضًا إذا كان راهنًا كالإذن فيه (ولا يبرئه ارتهانه عن الغصب) وإن لزم؛ لأنه وإن كان عقد أمانة الغرض منه التوثق، وهو لا ينافي الضمان، فإن المرتهن لو تعدى في المرهون ضمنه مع بقاء الرهن، فإذا كان لا يرفع الضمان فلأن لا يدفعه ابتداء أولى، وشمل كلامه ما لو أذن له بعد الرهن في إمساكه رهنًا، ومضت مدة إمكان قبضه، وكذا لا يبرأ المستعير بالرهن وإن منعه المعير الانتفاع؛ لما مر، ويجوز له الانتفاع بالمعار الذي ارتهنه لبقاء الإعارة، فإن رجع المعير فيه امتنع ذلك عليه، وللغاصب إجبار الراهن على إيقاع يده عليه؛ ليبرأ من الضمان، ثم يستعيده منه بحكم الرهن.
شرح منتهى الإرادات (2/ 108-109) (المذهب الحنبلي)
(1) لا يجوز للمرتهن قبض الرهن إلا بـإذن الراهن:
(ويعتبر فيه) أي: القبض (إذنُ ولي أمر) أي: حاكم (لمن جُنَّ ونحوه) كمن حصل له برسام بعد عقد رهن وقبل إقباضه؛ لأن ولايته للحاكم كما يأتي، وهو نوع تصرف في المال، فاحتيج إلى نظر في الأحظ، فإن كان الأحظ في إقباضه، كأن شرط في بيع والحظ في إتمامه أقبضه، وإلا لم يجز، فإن قبضه مرتهن بلا إذن راهن أو وليه ولم يكن قبضًا، وإن مات راهن قبل إقباضه قام وارثه مقامه، فإن أبى لم يجبر كالميت، وإن أحب إقباضه وليس على الميت سوى هذا الدين فله ذلك.
(وليس لورثة) راهن (إقباضه) أي: الرهن (ثم غريم) للميت (لم يأذن) فيه نصًّا؛ لأنه تخصيص له برهن لم يلزم، وسواء مات أو جُنَّ ونحوه قبل الإذن أو بعده؛ لبطلان الإذن بهما.
(ولراهن الرجوع) في رهن، أي: فسخه (قبله) أي: الإقباض (ولو أذن) الراهن (فيه) أي: القبض؛ لعدم لزوم الرهن إذن، وله التصرف فيه بما شاء، فإن تصرف بما ينقل الملك فيه، أو رهنه ثانيًا بطل الرهن الأول، سواء أقبض الثاني أو لا؛ لخروجه عن إمكان استيفاء الدين من ثمنه، وإن دَبَّرَه أو كاتَبَه أو أجَّرَه أو زوَّج الأمة لم يبطل؛ لأنه لا يمنع ابتداء الرهن، فلا يقطع استدامته كاستخدامه.
(ويبطل إذنه) أي: الراهن في القبض (بنحو إغماء) وحجْر لسفه (وخرس) وليس له كتابة ولا إشارة مفهومة، فإن كانت له كتابة أو إشارة مفهومة فكمتكلم.
رد المحتار على الدر المختار (6/ 479) (المذهب الحنفي)
(2) كيفية القبض:
(فإذا سلمه وقبضه المرتهن) حال كونه (محوزًا) لا متفرقًا، كثمر على شجر (مفرغًا) لا مشغولًا بحق الراهن كشجر بدون الثمر (مميزًا) لا مُشاعًا ولو حكمًا بأن اتصل المرهون بغير المرهون خلقة كالشجر وسيتضح (لزم) أفاد أن القبض شرط اللزوم، كما في الهبة، وصحح في المجتبى أنه شرط الجواز...
قوله: (وقبضه) أي: بإذن الراهن صريحًا أو ما جرى مجراه في المجلس وبعده بنفسه أو بنائبه، كأب ووصي وعدل، هندية ملخصًا، ولو قبضه المرتهن والراهن ساكت ينبغي أن يصير رهنًا فتنبه، قوله: (حال كونه) أي: الرهن، وهذه الأحوال مترادفة أو متداخلة، عيني، وأفاد بها أن الرهن بهذه الصفات ليس بلازم عند العقد، بل عند القبض، فلو اتصل أو اشتغل بغيره كان فاسدًا لا باطلًا، وكذا لو كان شائعًا.
وعند بعضهم يكون باطلًا، وهو اختيار الكرخي، فلو ارتفع الفساد عند القبض صار صحيحًا لازمًا، كما في الكرماني، قهستاني، قوله: (محوزًا) من الحَوْزِ: وهو الجمعُ وضمُّ الشيء، قاموس، وانظر ما في الدرر، قوله: (كثمر على شجر) مثال للمتفرق، وكزرع على أرض، أي: بدون الشجر والأرض؛ لأن الثمر والزرع لم يحازا في يد المرتهن، بمعنى أن يده لم تحوهما وتجمعهما؛ إذ لا يمكن حيازة ثمر بدون شجر ولا زرع بدون أرض، ط، قوله: (لا مشغولًا) أما الشاغل فرهنه جائز، كما في كثير من الكتب، وقيد بقوله: "بحق الراهن" احترازًا عما لو كان مشغولًا بملك غيره فلا يمنع، كما في العمادية، حموي.
أقول: وينبغي تقييد الشاغل الذي يجوز رهنه بغير المتصل؛ لما علمتَه من عدم جواز رهن الثمر أو الزرع، وكذا البناء وحده كما سيأتي، فافهم، قوله: (لا مشاعًا) كنصف عبد أو دار ولو من الشريك، وسيجيء تمام ذلك، وأنه يستثنى منه ما ثبت الشيوع فيه ضرورة، قوله: (ولو حكمًا إلخ) يستغنى عنه بقول المصنف: "محوزًا"، قوله: (خلقة) في التقييد به نظر سنذكره، قوله: (وسيتضح) أي: في أوائل الباب الآتي، قوله: (لزم) جواب "إذا"، قوله: (شرط اللزوم) مشى عليه في الهداية والملتقى وغيرهما.
قال في العناية: وهو اختيار شيخ الإسلام، وهو مخالف لرواية العامة.
قال محمد: لا يجوز الرهن إلا مقبوضًا، ومثله في كافي الحاكم ومختصر الطحاوي والكرخي اهـ ملخصًا.
وفي السعدية: أقول: سبق في كتاب الهبة أنه - عليه الصلاة والسلام – قال: «لا تجوز الهبة إلا مقبوضة»، والقبض ليس بشرط الجواز في الهبة، فليكن هنا كذلك، فليتأمل. اهـ.
وحاصله: أنه يمكن أن يفسر هنا أيضًا الجواز باللزوم، لا بالصحة، كما فعلوا في الهبة، فإنه لا يمكن الجمع بين كلامهم وبين الحديث إلا بذلك، قوله: (وصحح في المجتبى) وكذا في القهستاني عن الذخيرة.
قوله: (والتخلية) هي رفع الموانع والتمكين من القبض، قوله: (قبض حكمًا)؛ لأنها تسليم، فمن ضرورته الحكم بالقبض.
فقد ذكر الغاية التي يبنى عليها الحكم؛ لأنه هو المقصود.
وبه اندفع قول الزيلعي: الصواب أن التخلية تسليم؛ لأنه عبارة عن رفع المانع من القبض، وهو فعل المسلم دون المتسلم، والقبض فعل المتسلم اهـ، أفاده في المنح، والمراد أنه يترتب عليه ما يترتب على القبض الحقيقي، قوله: (على الظاهر) أي: ظاهر الرواية، وهو الأصح.
وعن أبي يوسف: أنه لا يثبت في المنقول إلا بالنقل، هداية.
شرح مختصر خليل للخرشي (5/ 239) (المذهب المالكي)
(2) كيفية القبض:
(ص): وصح مُشاع وحيز بجميعه إن بقي فيه للراهن.
(ش): يعني: أن المُشاع من ريع وحيوان وعرض وعقار يصح رهنه، كما يصح وقفه وهبته، وسواء كان الباقي للراهن، أو لغيره، على المشهور، لكن إن كان الباقي لغير الراهن اقتصر في الحوز على حصة الراهن، وإلا حيز جميع ماله، ما رهن وما لم يرهن؛ لئلا تجول يده في الرهن فيبطل، فالمعنى أن الجزء المُشاع يحاز بسبب حوز الجميع، أي: جميع الشيء الذي ارتهن بعضه مُشاعًا إن كان الفاضل منه بعد الجزء المرهون يملكه الراهن، أي: وحيز الجزء المُشاع المرهون بسبب حوز جميعه، أي: مع حوز جميعه، أي: جميع المُشاع لا جميع الجزء المرهون، أي: جميع المُشاع الذي للراهن، ما رهن وما لم يرهن؛ بدليل قوله: "إن بقي فيه للراهن" فالباء: للسببية، أو: بمعنى "مع"، على تقدير مضاف
(ص): ولا يستأذن شريكه.
(ش): أي: إن من له جزء مشاع في عرض، أو حيوان مما لا ينقسم، أو مما ينقسم له رهن حصته، أو بعضها من غير إذن شريكه؛ لأن الشريك يتصرف مع المرتهن، ولا يمنعه رهن الشريك من ذلك؛ لأن الرهن لم يتعلق بحصته، على المشهور، وبعبارة أي: ولا يجب على الشريك أن يستأذن شريكه عند رهن حصته، فلا ينافي الاستحباب، فلا يحتاج إلى قول ابن غازي، فليتأمل.
(ص): وله أن يقسم ويبيع ويسلم.
(ش): أي: وللشريك الذي لم يرهن حصته أن يقسم من غير إذن شريكه، ولا كلام له، ولا للمرتهن أيضًا؛ لأن حقه لم يتعلق إلا بحصته المرتهنة، وللشريك أيضًا أن يبيع منابه من غير إذن شريكه؛ لأن في تأخير البيع على الشريك ضررًا؛ لأن الغالب أن الدَّيْن الذي فيه الرهن مؤجل، وإذا باع الشريك غير الراهن حصته فإنه يسلم تلك الحصة للمشتري، على تفصيل، وهو أنه إن كان شريكه حاضرًا سلم المبيع له، وتقع الحكومة بينه وبين المشتري، وإن كان غائبًا رفع أمره للحاكم يأذن له في البيع ممن شاء، ووضع مال الغائب تحت يده، فالضمير في "وله" راجع لغير الرهن، كما قررنا، ويدل عليه قوله: "ويبيع"؛ إذ الراهن لا يجوز له البيع.
تنبيه:
وإذا كانت تنقص حصة الشريك الذي لم يرهن إذا بيعت مفردة فإنه يجبر الراهن على البيع، ثم إذا باعه بغير جنس الدين كان الثمن رهنًا، أي: ثمن حصة الراهن، وإن بيع بجنسه قضى منه الدين إن لم يأت الراهن برهن مثله، قاله الباجي.
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (3/ 46) (المذهب الشافعي)
(2) كيفية القبض:
(ويصح رهن المشاع) كرهن كله من الشريك وغيره، ولا يحتاج إلى إذن الشريك، ويقبض بتسليم كله كما في البيع، فيكون بالتخلية في غير المنقول، وبالنقل في المنقول، ولا يشترط إذن الشريك في القبض إلا فيما ينقل؛ لأنه لا يحصل قبضه إلا بالنقل كما مر، ولا يجوز نقله بغير إذن الشريك، فإن أبى الإذن فإن رضي المرتهن بكونه في يد الشريك جاز، وناب عنه في القبض، وإن تنازعا نصب الحاكم عدلًا يكون في يده لهما، ويؤجره إن كان مما يؤجر، وتجري المهايأة بين المرتهن والشريك كجريانها بين الشريكين.
الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (2/ 155) (المذهب الحنبلي)
(2) كيفية القبض:
وصفة قبضه كمبيع، فإن كان منقولًا فقبضه نقله أو تناوله، موصوفًا كان أو معينًا لعبد وثوب وصبرة، وإن كان مكيلًا فبكيله، وإن كان موزونًا فبوزنه، أو مذروعًا فبذرعه، أو معدودًا فبعدِّهِ، وإن كان غير منقول كعقار وثمر على شجر وزرع في أرض فبالتخلية بينه وبين مرتهنه، من غير حائل، ولو رهنه دارًا فخلى بينه وبينها، وهما فيها، ثم خرج الراهن صح القبض؛ لوجود التخلية.
المذهب المالكي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 243-244).
(4) يجوز أن يقوم الوكيل مقام موكله في قبض الرهن وفي سائر أحكام الرهن:
(وصح) الرهن (بتوكيل مكاتب الراهن في حوزه، وكذا أخوه) غير محجوره، وكذا ولده الرشيد (على الأصح لا) توكيل (محجوره) الصغير أو السفيه أو زوجته (ورقيقه) ولو مأذونًا أو أم ولد...
قوله: (بتوكيل) أي: بسبب توكيل، أو مع توكيل المرتهن مكاتب الراهن أو أخاه في حوزه له، فهو من إضافة المصدر لمفعوله؛ لأن المكاتَب أحرز نفسه وماله، فليس للسيد على ما في يده سبيل، كما أن أخاه غير محجوره كذلك، قوله: (وكذا ولده الرشيد) هو قول سحنون: لو كان الابن كبيرًا بائنًا عن الأب جاز للمرتهن، قال ابن رشد: قول سحنون في الابن صحيح مفسِّرٌ لقول مالك اهـ بن، قوله: (على الأصح) أي: عند الباجي، وهو قول ابن القاسم في المجموعة، خلافًا له في الموازية والعتبية، قوله: (ورقيقه) شمل المدبَّر ولو مرِضَ سيدُهُ، والمعتق لأجَل، ولو قرب الأجل، قوله: (ولو مأذونًا) أي: له في التجارة.
المذهب الشافعي: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (4/ 254).
(4) يجوز أن يقوم الوكيل مقام موكله في قبض الرهن، وفي سائر أحكام الرهن:
(وتجري فيه) أي: في كل من الإقباض والقبض (النيابة) كالعقد (لكن لا يستنيب) المرتهن في القبض (راهنًا) مقبضًا؛ لئلا يؤدي إلى اتحاد القابض والمقبض، فعلم أنه لو كان الراهن وكيلًا في عقد الرهن فقط أو وليًّا فرشد موليه أو عزل هو جاز للمرتهن أن يستنيبه في القبض من المالك؛ لانتفاء العلة، وما قيل من إنه كان الأولى له أن يقول: ولا عكسه؛ لأن الراهن لو قال للمرتهن: وكلتك في قبضه لنفسك لم يصح، وقد توقف فيه الأذرعي، فإنهم أطلقوا أنه لو أذن له في قبضه صح، وهو إنابة في المعنى رد بأن إذنه إقباض منه لا توكيل (ولا) يستنيب (عبده) أي: رقيق الراهن؛ لأن يده كيده، سواء المدبر والمأذون له وغيرهما، ولا يعارضه ما لو وكل رجل العبد في شراء نفسه من مولاه حيث يصح مع أنه لا يصح فيما لو وكل مولاه؛ لأن شراء العبد نفسه صحيح في الجملة؛ لتشوف الشارع إلى العتق، فلم ينظروا فيه إلى تنزيل العبد منزلة مولاه في ذلك (وفي المأذون له) في التجارة (وجه)؛ لانفراده باليد والتصرف كالمكاتب، ويرد باللزوم من جهة السيد في المكاتب، بخلاف المأذون (ويستنيب مكاتبه)؛ لاستقلاله باليد والتصرف كالأجنبي، ومثله المبعض إن كان بينه.
المذهب الحنفي: رد المحتار على الدر المختار (6/ 489-492).
(5) رهن المُشاع:
(لا يصح رهن مُشاع)؛ لعدم كونه مميزًا، كما مر (مطلقًا) مقارنًا أو طارئًا من شريكه أو غيره، بقسم أو لا، ثم الصحيح أنه فاسد يضمن بالقبض، وجوزه الشافعي.
وفي الأشباه: ما قَبِلَ البيعُ قَبِلَ الرهنُ إلا في أربعة: المُشاع، والمشغول، والمتصل بغيره، والمعلق عتقه بشرط قبل وجوده غير المدبَّر فيجوز بيعها لا رهنها، وفيها: الحيلة في جواز رهن المشاع أن يبيعه النصف بالخيار، ثم يرهنه النصف ثم يفسخ البيع.
قال المصنف: وفيه نظر، ولعله مفرع على الضعيف في الشيوع الطارئ.
قلت: بل ولا عليه؛ لأنه بالخيار، لا يخلو إما أن يبقى في ملكه، أو يعود لملكه.
وعلى كل يكون رهن المشاع ابتداء كما بسطه في تنوير البصائر، فتنبه.
قلت: والحيلة الصحيحة ما في حيل "منية المفتي": أراد رهن نصف داره مُشاعًا ببيع نصفها من طالب الرهن، ويقبض منه الثمن، على أن المشتري بالخيار، ويقبض الدار، ثم ينقض بحكم الخيار، فتبقى في يده بمنزلة الرهن بالثمن، واعتمده ابن المصنف في "زواهر الجواهر".
وفيها: الشيوع الثابت ضرورة لا يضر؛ لما في الولوالجية: ولو جاء بثوبين وقال: خذ أحدهما رهنًا والآخر بضاعة عندك، فإن نصف كل منهما يصير رهنًا بالدين؛ لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر، فيشيع الرهن فيهما بالضرورة فلا يضر...
قوله: (لا يصح رهن مُشاع) أي: إلا إذا كان عبدًا بينهما رَهَنَاه عند رجل بدين له على كل واحد منهما رهنًا واحدًا، فلو رهن كل نصيبه من العبد لم يجز، كما في القهستاني عن الذخيرة، وإلا إذا ثبت الشيوع فيه ضرورة كما يأتي آخر السوادة، قوله: (مطلقًا) يفسره ما بعده، وإنما لم يجز؛ لأن موجب الرهن الحبس الدائم، وفي المُشاع يفوت الدوام؛ لأنه لا بد من المهايأة، فيصير كأنه قال: رهنتك يومًا دون يوم، وتمامه في الهداية، قوله: (مقارنًا) كنصف دار أو عبد، قوله: (أو طارئًا) كأن يرهن الجميع ثم يتفاسخا في البعض، أو يأذن الراهن للعدل أن يبيع الرهن كيف شاء فباع نصفه اهـ منح.
وفي رواية عن أبي يوسف: أن الطارئ لا يضر، والصحيح الأول، كما في النهاية والدرر، وسيذكر الشارح آخر الرهن لو استحق كله أو بعضه، قوله: (من شريكه أو غيره)؛ لأن الشريك يمسكه يومًا رهنًا ويومًا يستخدمه، فيصير كأنه رهن يومًا دون يوم.
وأما إجارة المُشاع فإنما جازت عنده من الشريك دون غيره؛ لأن المستأجر لا يتمكن من استيفاء ما اقتضاه العقد إلا بالمهايأة، وهذا المعنى لا يوجد في الشريك، أفاده الأتقاني، أي: لأن الشريك ينتفع به بلا مهايأة في المدة كلها بحكم العقد والملك بخلاف غيره، قوله: (يقسم أو لا) بخلاف الهبة؛ لأن المانع فيها غرامة القسمة، أي: أجرة القسام وهي فيما يحتمل القسمة لا فيما لا يحتملها، معراج، قوله: (والصحيح أنه فاسد) وقيل: باطل لا يتعلق به الضمان، وليس بصحيح؛ لأن الباطل منه ما لم يكن مالًا أو لم يكن المقابل به مضمونًا، وما نحن فيه ليس كذلك؛ بناءً على أن القبض شرط تمام العقد، لا شرط جوازه اهـ عناية، وسيأتي آخر الرهن، وسيأتي أيضًا هناك أن كل حكم عرف في الرهن الصحيح فهو الحكم في الرهن الفاسد، لكنه مقيد بما إذا كان الرهن سابقًا على الدين، ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى، قوله: (ما قَبِلَ البيعُ قَبِلَ الرهنُ) أي: كل ما يصح بيعه صح رهنه، قوله: (والمشغول) أي: بحق الراهن كما قيده الشارح أول الرهن؛ احترازًا عن المشغول بملك غير الراهن فلا يمنع، كما في حاشية الحموي عن العمادية.
أقول: وكذا يمنع المشغول بالراهن نفسه؛ لما في الهداية: ويمنع التسليم كون الراهن أو متاعه في الدار المرهونة اهـ.
قال في المعراج: فإذا خرج منها يحتاج إلى تسليم جديد؛ لأنه شاغل لها كشغلها بالمتاع، وكذا متاعه في الوعاء المرهون يمنع التسليم.
والحيلة أن يودع أولًا ما فيه عند المرتهن، ثم يسلمه ما رهن اهـ، قوله: (والمتصل بغيره) صفة لموصوف محذوف، أي: والشاغل المتصل بغيره كالبناء وحده، أو النخل أو الثمر بدون الأرض أو الشجر كما سيذكره.
واحترز به عن الشاغل المنفصل، كما لو رهن ما في الدار أو الوعاء بدونهما، وسلم الكل فإنه يجوز، كما في الهداية والخانية، فافهم.
وأراد بالمتصل التابع لما في الهداية: رهن سرجًا على دابة أو لجامًا في رأسها، ودفع الدابة مع السرج واللجام لا يكون رهنًا حتى ينزعه منها، ثم يسلمه إليه؛ لأنه من توابع الدابة، بمنزلة الثمرة للنخيل حتى قالوا: يدخل فيه من غير ذكر اهـ، يعني: لو رهن دابة عليها سرج أو لجام يدخل في الرهن، معراج، وبهذا ظهر أن تقييده المتصل فيما مر وفيما يأتي بقوله: "خلقة" غير ظاهر، فتدبر. قوله: (والمعلق عتقه بشرط قبل وجوده) كما إذا قال لعبده: إن دخلت هذه الدار فأنت حر، فإنه يصح بيعه لا رهنه، ولعله لأن حكم الرهن الحبس الدائم إلى الاستيفاء، وحبس مثل هذا لا يدوم؛ لأنه قد يدخل الدار فيعتق فلا يمكن منه الاستيفاء اهـ ط.
أقول: وما ذكره الشارح نقله البيري عن شرح الأقطع، ثم نقل عن روضة القضاة: لو علق عتق عبده بصفة ثم رهنه جاز، خلافًا للشافعي اهـ تأمل. قوله: (غير المدبَّر) شمل المطلق والمقيد، حموي، أي: فكل منهما لا يجوز رهنه، وفيه نظر، فقد ذكر الشارح في بابه أن المقيد يباع ويوهب ويرهن، وصرح به أيضًا هناك الباقاني في شرح الملتقى، وهو من علق عتقه بموت سيده لا مطلقًا بل على صفة خاصة، كـ: إن مت من مرضي هذا أو في سفري أو نحوه، ولينظر الفرق بين المعلق عتقه بشرط غير الموت على ما ذكره، حيث لم يجز رهنه وبين المدبَّر المقيد حيث جاز، قوله: (فيجوز بيعها لا رهنها) أي: الأربعة المذكورة غير المدبر، فإن المطلق لا يجوز بيعه ولا رهنه، والمقيد يجوزان فيه.
قوله: (وفيها) أي: في الأشباه من الفن الخامس في الحيل، والمسألة مذكورة في حيل الولوالجية، آخر الكتاب، قوله: (أن يبيع منه) أي: من المرتهن بثمن قدر الدين الذي يريد الرهن به، قوله: (ثم يفسخ البيع) أي: بحكم الخيار، قوله: (قال المصنف) أي: في المنح، آخر هذا الباب.
ونصه قلت: وعندي في صحة هذه الحيلة نظر ظاهر؛ لما تقرر سابقًا من أن الصحيح أن الشيوع الطارئ مفسد كالمقارن، ويمكن أن تكون مفرعة على القول المقابل للصحيح، وهو أن الشيوع الطارئ غير مفسد، وفيه نظر اهـ والظاهر أنه أراد بالنظر الثاني ما ذكره الشارح بعدُ، فافهم، قوله: (إما أن يبقى في ملكه) أي: ملك البائع فيما إذا كان الخيار له؛ لأن خياره يمنع من خروج المبيع عن ملكه، فيكون رهنه النصف في مدة الخيار رهنًا لبعض ملكه، وهو رهن المشاع ابتداء، فافهم، قوله: (أو يعود لملكه) أي: البائع فيما إذا كان الخيار للمشتري؛ لأن المبيع يخرج به عن ملك البائع، ولا يملكه المشتري عنده ويملكه عندهما، فعلى قولهما يكون رهن المشاع ابتداء من الشريك، سواء فسخ البيع أو أجازه، وعلى قوله إن أجازه دخل في ملكه، وإلا عاد إلى ملك البائع، وعلى كل فرهنه النصف في مدة الخيار يكون رهن مشاع ابتداء من الأجنبي، وكان ينبغي للشارح أن يزيد أو يدخل في ملك المشتري بعد قوله: أو يعود لملكه، قوله: (كما بسطه في تنوير البصائر) أي: للشرف الغزي مُحَشِّي الأشباه، وحاصله مع الإيضاح ما قدمناه، قوله: (فتبقى في يده بمنزلة الرهن بالثمن) فإن أصابها عيب ذهب من الدين بحسابه، منح عن حيل الخصاف.
وحاصله: أن هذا ليس رهنًا حقيقة لا صحيحًا ولا فاسدًا، إذ لم يوجد عقده، وإنما هو بمنزلته؛ لأن حبس الدار حتى يقبض الثمن، كما إذا فسخ الإجارة فإن له حبس المأجور حتى يقبض الأجرة، ولما كان له في ذلك الحبس منفعة كان المحبوس مضمونًا عليه بقيمته إذا هلك، بخلاف الأمانات فإنها لا تضمن إلا بالاستهلاك، وبخلاف الرهن الحقيقي فإنه مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، فقد ظهر بما قررناه وجه قوله: "بمنزلة الرهن" أي: بمنزلته من حيث ثبوت حق الحبس فقط، لا من حيث إنه يضمن كضمان الرهن، والدليل على ذلك وعلى أنه ليس كسائر الأمانات: ما في خيارات جامع الفصولين: باع أرضًا بخيار، وتقابضا، فنقضه البائع في المدة تبقى الأرض مضمونة بالقيمة على المشتري وله حبسها بثمن دفعه إلى البائع اهـ.
وعليه، فلو هلكت وقيمتها مثل الثمن الذي قبضه البائع سقط، ولو أقل سقط منه بحسابه، وهذا ما ظهر لي، فافهم.
قوله: (وفيها...) إلخ، تأمله مع المسألة الآتية في المتن آخر هذا الباب، قوله: (ليس بأولى) أي: بكونه رهنًا.
المذهب المالكي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 235-236).
(5) رهن المُشاع:
(وصح مُشاع) أي: رهنه من عقار وعرْض وحيوان، كما يصح بيعه وهبته ووقفه، وسواء كان الباقي للراهن أو لغيره (وحيز) الجزء المشاع ليتم الرهن (بجميعه) أي: مع جميع ما يملكه الراهن الذي من جملته الجزء المرهون (إن بقي فيه) شيء (للراهن)؛ لئلا تجول يد الراهن في الرهن فيبطل، فإن كانت البقية لغير الراهن اكتفى المرتهن بحوز الجزء المرهون (ولا يستأذن) الراهن للجزء المشاع (شريكه) أي: ليس عليه ذلك؛ إذ لا ضرر على الشريك؛ لأنه يتصرف مع المرتهن؛ لعدم تعلق الرهن بحصته، هذا قول ابن القاسم المشهور، نعم يندب الاستئذان؛ لما فيه من جبر الخواطر (وله) أي: للشريك الذي لم يرهن (أن يقسم) بإذن الراهن (ويبيع) منابه ولو من غير إذن شريكه (ويسلم) للمشتري ما باعه له بغير إذن شريكه، فإن نقصت حصته ببيعها مفردة جبر الراهن على البيع معه وكان ثمنه رهنًا إن بيع بغير جنس الدين وإلا قضي الدين منه إن لم يأت برهن ثقة (وله) أي: للراهن (استئجار جزء غيره) أي: حصة الشريك غير الراهن، ولا يمنعه من ذلك رهن جزئه لكن لا يمكن من جولان يده عليه، كما أشار له بقوله: (ويقبضه) أي: أجرة الجزء المستأجر (المرتهن له) أي: للشريك الراهن المستأجر لا هو؛ لئلا تجول يده عليه فيبطل حوزه والمرتهن (ولو) رهن أحد الشريكين حصته من أجنبي و(أمَّنَا) أي: الراهن والمرتهن (شريكًا) أي: جعلا الشريك الذي لم يرهن أمينًا لهما على الرهن، ووضعا الحصة تحت يده (فرهن) الشريك الأمين (حصته للمرتهن) أيضًا أو لغيره (وأمَّنَا) أي: الأمين والمرتهن (الراهن الأول) على هذه الحصة الثانية وهي شائعة (بطل حوزهما) للحصتين معًا؛ لجولان يد الراهن الأول على ما رهنه؛ لأنه أمين على حصة شريكه الراهن الثاني وهي شائعة، فيلزم منه أن حصته تحت يده، والثاني يده جائلة أو لا على حصة شريكه بالاستئمان الأول، فلو جعلا حصة الثاني تحت يد أجنبي بطل رهن الثاني فقط....
قوله: (وصح مشاع) أي: صح رهن جزء مشاع كنصف وثلث وربع، خلافًا لمن قال: لا يصح رهن المشاع ولا هبته ولا التصدق به ولا وقفه، كالحنفية، قوله: (وسواء كان الباقي) أي: الجزء الباقي بلا رهن للراهن أو لغيره، لكن إن كان الباقي لغير الراهن اقتصر المرتهن في الحوز على حصة الراهن، وإن كان الباقي له حاز ماله كله ما رهن وما لم يرهن، كما قال المصنف بعد ذلك، قوله: (أي: مع...) إلخ، أشار إلى أن "الباء" بمعنى "مع"، ويصح جعلها للسببية، وأشار الشارح بجعل ضمير "جميعه" لما يملكه الراهن لا للمرهون منه الجزء؛ للإشارة إلى أن الراهن لو كان يملك النصف ورهن الربع فإنه يكتفي بحوز ما يملكه الراهن فقط وهو النصف، ولو جعل الضمير راجعًا للمرهون منه الجزء لاقتضى أنه لا بد من حوز الجميع في القرض المذكور، وليس كذلك.
قوله: (ولا يستأذن شريكه) أي: في رهنه لذلك الجزء المشاع، قوله: (لأنه) أي: الشريك يتصرف مع المرتهن، أي: ولا يمنعه من التصرف بالبيع وغيره رهن الشريك؛ لعدم.... إلخ.
قوله: (هذا قول ابن القاسم) ومقابله قول أشهب: يجب على الشريك إذا أراد رهن الجزء الشائع أن يستأذن شريكه في رهنه؛ لأنه يمنعه من بيعه ناجزًا، وابن القاسم يرى أن ذلك لا يمنع الشريك من بيع حظه، قوله: (نعم يندب...) إلخ، أي: كما صرح به المصنف في التوضيح، حيث قال: ينبغي أن يستأذنه على قول ابن القاسم، واعترض ابن غازي على المصنف حيث قال: تأمل ما هنا مع قوله في توضيحه: ينبغي أن يستأذنه، ورد عليه بأن غاية ما نفي المصنف هنا الوجوب، وهذا لا ينافي انبغاء استئذانه، كما في التوضيح، وليس المنفي هنا الوجوب والندب حتى تحصل المعارضة، وإنما ندب استئذان الشريك؛ لعدم تميز الأقسام، ومن ثم ذكر عج هنا أن ما غصب باسم أحد الشريكين مع الشيوع يوزع عليهما على الأصح، ولا يختص به من غصب باسمه كغصب حصة أحد شريكين في دابة أو عبد أو قمح، وذكر أيضًا خلافًا في براءة مدين أخذه منه ظالم، وقوي القول بعدم البراءة؛ لعدم تعيينه، وأما لو كان المأخوذ وديعة أو عارية فالبراءة لتعينها، قوله: (أن يقسم) أي: المشترك إن كان مما يقبل القسمة ويبقى الرهن كما هو بيد المرتهن، ولا يخرج من يده، قوله: (بإذن الراهن) هذا هو الصواب، دون قول عبق بغير إذن الراهن والمرتهن، قال في المدونة: إذا كان الشيء مما ينقسم من طعام ونحوه فرهن أحد الشريكين حصته منه جاز ذلك، فإن شاء الشريك البيع قاسمه فيه الراهن، والرهن كما هو بيد المرتهن لا يخرجه من يده، فإن غاب الراهن أقام الإمام من يقسم له، ثم تبقى حصة الراهن في الوجهين رهنًا، ويطبع على كل ما لا يعرف بعينه اهـ بن، وأجاب شيخنا بأن مراد عبق بقوله: بغير إذن الراهن، أي: بغير رضاه، أي: أنه لا تتوقف القسمة على رضاه، بل يجبره الحاكم على ذلك، وهذا لا ينافي أنه لا بد من حضور الراهن ومقاسمته له اهـ وبن قد التفت لظاهر العبارة، فاعترض بما ذكر، قوله: (ويبيع) أي: وله أن يبيع منابه، أي: قبل القسمة ولو بغير إذن شريكه، وأن يسلمها للمشتري ولو بغير إذن شريكه ولا يكون رهن الشريك مانعًا من ذلك؛ لأن الرهن لم يتعلق بحصته، وهذا بخلاف الدابة تكون مشتركة بين شخصين، فإنه لا يجوز لأحدهما بيع حصته منها وتسليمها للمشتري بغير إذن شريكه الحاضر أو اطلاع الحاكم إن غاب، كما في المدونة وغيرها، على ما قاله ابن عرفة؛ وذلك لأنه تصرف في حصة شريكه بغير إذنه؛ لأن كل جزء منها بينهما؛ ولهذا التعليل قال بعضهم بعدم صحة رهن المشاع وإن كان المشهور ما قاله المصنف من الصحة، فإن وقع وباع أحد الشريكين حصته في الدابة وسلمها للمشتري بغير إذن شريكه وتَلِفَتْ، فقال في الذخيرة: مقتضى القواعد أن يضمن البائع حصة الشريك؛ لأن أقل أحوال هذا الشريك البائع أن يكون كالمودع والمودع إذا وضع يد أجنبي على الأمانة بغير إذن ربها فإنه يضمن لتعديه، قوله: (لكن لا يمكن من جولان يده عليه) أي: على الجزء المستأجر، قوله: (ويقبضه المرتهن له) أي: ويقبض أجرته المرتهن ويسلمها له، وكذا يؤاجر له الجزء المرتهن ولا يؤاجره هو؛ لأنه في حكم الجولان، قوله: (ولو أمَّنَا شريكًا) أي: الشريك الثاني، قوله: (فرهن الشريك الأمين) أي: الذي هو الشريك الثاني، قوله: (للمرتهن) أي: الذي هو الأجنبي، قوله: (أي: الأمين) أي: وهو الراهن الثاني، وقوله: والمرتهن، أي: الذي هو الأجنبي، قوله: (بطل حوزهما) أي: حوز الراهن الأول والثاني، قال عبق: وفسدت العقدة، أي: عقدة الرهن من أصلها، وفيه نظر، بل الذي بطل إنما هو الحوز فقط؛ لجولان يد كل من الراهنين في حصته التي رهنها، فإذا قام المرتهن بحقه وطلب حوز الرهن حوزًا صحيحًا قبل المانع قضي له بذلك، كما يفيده التوضيح وغيره، انظر بن، إلا أن يحمل كلام عبق على ما إذا حصل مانع والحالة هذه.
قوله: (والثاني) أي: والراهن الثاني هو الأمين الأول، قوله: (بالاستئمان الأول) أي: وهي شائعة فيلزم منه أن حصته تحت يده، قوله: (بطل رهن الثاني) أي: لجولان يده في حصته بالاستئمان على حصة الأول وهي شائعة، فيلزم أن حصته تحت يده.
المذهب الشافعي: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (4/ 239).
(5) رهن المشاع:
(ويصح رهن المشاع) من الشريك وغيره وقبضه بقبض الجميع، كما في البيع فيكون بالتخلية في غير المنقول وبالنقل في المنقول، ولا يحتاج لإذن شريكه إلا في المنقول، فإن لم يأذن ورضي المرتهن كونه بيده جاز وناب عنه في القبض، وإلا أقام الحاكم عدلًا يكون في يده لهما، ويؤجره إن كان مما يؤجر وتجري المهايأة بين المرتهن والشريك كجريانها بين الشريكين، فعلم صحة رهن نصيبه من بيت معين من دار مشتركة من غير إذن شريكه كما يجوز بيعه، فلو اقتسماها فخرج المرهون لشريكه لزمه قيمته رهنًا؛ لأنه حصل له بدله.
المذهب الحنبلي: شرح منتهى الإرادات (2/ 104-105).
(5) رهن المشاع:
(و) يصح (رهن) كل (ما يصح بيعه) من الأعيان؛ لأن المقصود منه الاستيثاق الموصل للدين (ولو) كان الرهن... (مشاعًا) ولو نصيبه من معين في مشاع يقسم إجبارًا بأن رهن نصيبه من بيت من دار يملك نصفها؛ لأنه يصح بيعه فصح رهنه واحتمال حصوله في حصة شريكه في القسمة ممنوع؛ لأن الراهن لا يتصرف بما يضر المرتهن، وإذا رهنه المشاع فإن لم يكن منقولًا لم يحتج في التخلية لإذن شريكه، وإن كان ينقل ورضي الشريك والمرتهن بكونه بيد أحدهما أو غيرهما جاز (وإن لم يرض شريك ومرتهن بكونه) أي: المشترك (بيد أحدهما أو) بيد (غيرهما جعله حاكم بيد أمين أمانة أو بأجرة أو أجره) الحاكم عليهما فيجتهد في الأصلح لهما؛ لأن أحدهما ليس أولى به من الآخر، ولا يمكن جمعهما فيه فتعين ذلك؛ لأنه وسيلة لحفظه عليهما.
المذهب الشافعي: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (4/ 241-243).
(6) رهن ما يسـرع إليه الفساد:
(ولو رهن ما يسرع فساده) بمؤجل يحل بعد الفساد أو معه أو قبله بزمن لا يسع البيع (فإن أمكن تجفيفه كرطب) يجيء منه تمر أو عنب يجيء منه زبيب أو لحم طري يتقدد (فعل) ذلك التجفيف (عند خوف فساده) أي: فعله المالك، ومؤنته عليه كما قاله في المطلب؛ حفظًا للرهن، فإن امتنع أجبر عليه، فإن تعذر أخذ شيء منه باع الحاكم جزءًا منه وجفف بثمنه، ولا يتولاه المرتهن إلا بإذن الراهن إن أمكن وإلا راجع الحاكم، أما إذا كان يحل قبل فساده بزمن يسع البيع فإنه يباع (وإلا) أي: وإن لم يكن تجفيفه (فإن رهنه بدين حال أو مؤجل يحل قبل فساده) بزمن يسع بيعه عادة (أو) يحل بعد فساده أو معه، لكن (شرط) في هذه الصورة (بيعه) عند إشرافه على الفساد لا الآن وإلا بطل، قاله الأذرعي كالسبكي، واعترضا أنه مبيع قطعًا، وبيعه الآن أحظ لقلة ثمنه عند إشرافه، ويرد بأن الأصل في بيع المرهون قبل المحل المنع إلا لضرورة، وهي لا تتحقق إلا عند الإشراف (وجعل الثمن رهنًا) مكانه، وقضية هذا أنه لا بد من اشتراط هذا الجعل وهو كذلك؛ إذ مقتضى الإذن بالبيع لا يقتضي رهن الثمن بالدين المؤجل، وإنما يقتضي وفاء الدين من الثمن إن كان حالًّا، وتنظير الإسنوي في ذلك مردود بأنه من مصالح المرتهن؛ لئلا يتوهم أن من شرط بيعه انفكاك رهنه فوجب لرد هذا التوهم (صح) الرهن في الصور الثلاث؛ لانتفاء المحذور مع شدة الحاجة للشرط في الأخيرة، وبه فارق ما يأتي من أن الإذن في بيع المرهون بشرط جعل ثمنه رهنًا غير صحيح.
(ويباع) المرهون وجوبًا في تلك الثلاث بأن يرفعه المرتهن للحاكم عند امتناع الراهن ليبيعه (عند خوف فساده)؛ حفظًا للوثيقة، فإن أخره حتى فسد ضمنه (ويكون ثمنه) في الأخيرة (رهنًا) بلا إنشاء عقد عملًا بالشرط، ويجعل ثمنه رهنًا في الأولين بإنشاء العقد (فإن شرط منع بيعه) قبل الفساد (لم يصح) الرهن؛ لمنافاة الشرط لمقصود التوثق (وإن أطلق) فلم يشرط بيعًا ولا عدمه (فسد) الرهن (في الأظهر)؛ لتعذر الوفاء منه؛ لأن البيع قبل المحل لم يأذن فيه، وليس من مقتضى الرهن، والثاني: يصح ويباع عند الإشراف على الفساد؛ لأن الظاهر أن المالك لا يقصد إتلاف ماله، ونقله في الشرح الصغير عن الأكثرين، ومن ثم اعتمده الإسنوي وغيره، والمعتمد الأول، لا يقال: سيأتي أنه لا يصح بيع المرتهن إلا بحضرة المالك، فينبغي حمل الصورة الأولى عليه؛ لأنا نقول: بيعه ثم إنما امتنع في غيبة المالك لكونه للاستيفاء، وهو متهم بالاستعجال في ترويج السلعة، بخلافه هنا فإن غرضه الزيادة في الثمن ليكون وثيقة له.
(وإن) (لم يعلم هل يفسد) المرهون (قبل حلول الأجل) (صح) الرهن المطلق (في الأظهر)؛ لأن الأصل عدم فساده، والثاني: يجعل جهل الفساد كعلمه، ولو رهن الثمرة مع الشجر صح مطلقًا ما لم يكن مما لا يتجفف فله حكم ما يسرع إليه الفساد، فيصح تارة، ويفسق أخرى، ويصح في الشجر مطلقًا، ووجهه عند فساده في الثمرة: البناء على تفريق الصفقة، وإن رهن الثمرة مفردة، فإن كانت لا تتجفف فهي كما يتسارع فساده، وقد مر حكمه، وإلا جاز رهنها، وإن لم يبد صلاحها، ولم يشرط قطعها؛ لأن حق المرتهن لا يبطل باجتياحها، بخلاف البيع فإن حق المشتري يبطل، نعم إن رهنه بمؤجل يحل قبل جذاذه ولم يشرط القطع ولا عدمه لم يصح؛ لأن العادة الإبقاء إلى الجذاذ، فأشبه ما لو رهن شيئًا على أن لا يبيعه عند المحل إلا بعد أيام، ويجبر الراهن على مصالحها من نحو سقي وجذاذ وتجفيف، ولكل المنع من القطع قبل الجذاذ لا بعده، وما يخشى اختلاطه بالحادث كالذي يسرع فساده ورهن ما اشتد حبه كبيعه.
(وإن) (رهن) بمؤجل (ما لا يسرع فساده فطرأ ما عرضه للفساد قبل) حلول (الأجل كحنطة ابتلت) وإن تعذر تجفيفها (لم ينفسخ الرهن بحال) ولو طرأ ذلك قبل قبضه لأن الدوام أقوى من الابتداء، ألا ترى أن بيع الآبق باطل، ولو أبق بعد البيع وقبل القبض لم ينفسخ، فيباع حينئذ عند تعذر تجفيفه قهرًا على الراهن إن امتنع وقبض المرهون، ويجعل ثمنه رهنًا مكانه؛ حفظًا للوثيقة.
وهل يصح رهن القصب قبل بدو صلاحه قياسًا على رهن الثمرة قبل بدو صلاحها؟ أطلق الشارح في إفتاء له صحة ذلك وغيره امتناعه، وفصل الوالد - رحمه الله - في فتاويه، فقال: يصح إن كانت بدين حال وشرط قطعها وبيعها أو بيعها بشرط القطع أو مطلقًا أو مؤجلًا يحل مع الإدراك أو قبله أو بعده وشرط القطع والبيع، ولا يصح فيما عدا ذلك اهـ قال: وإطلاق الشارح محمول على هذا التفصيل، وهو مأخوذ مما تقرر، وما نوزع به من ظهور الفرق فإن المترقب هنا بدو الصلاح، فكيف يقاس على مترقب الفساد غير صحيح؛ إذ الجامع في الحالتين وجود مسوغ البيع، فالوجه ما ذكر من التفصيل.
المذهب الحنبلي: شرح منتهى الإرادات (2/ 105).
(6) رهن ما يسـرع إليه الفساد:
وصح رهن ما (يسرع فساده) كفاكهة رطبة وبطيخ، ولو رهنه (بمؤجل)؛ لأنه يصح بيعه (ويباع) أي: يبيعه حاكم إن لم يأذن ربه لحفظه بالبيع (ويجعل ثمنه رهنًا) مكانه حتى يحل الدين فيوفي منه، كما لو كان حالًّا، وكذا ثياب خيف تلفها وحيوان خيف موته، وإن أمكن تجفيفه كعنب ورطب جفف ومؤنته على راهن؛ لأنها لحفظه كمؤنة حيوان، وشرط أن لا يبيعه أو يجففه فاسد؛ لتضمنه فوات المقصود منه وتعريضه للتلف.
المذهب الحنفي: رد المحتار على الدر المختار (6/ 513-516).
(7) ويجوز أن يستعير شـيئًا يرهنه:
(وصح استعارة شيء ليرهنه فيرهن بما شاء) إذا أطلق ولم يقيد بشيء (وإن قيده بقدر أو جنس أو مرتهن أو بلد تقيد به) وحينئذ (فإن خالف) ما قيده به المعير - ضمن) المعير (المستعير أو المرتهن)؛ لتعدي كل منهما (إلا إذا خالف إلى خير بأن عين له أكثر من قيمته فرهنه بأقل من ذلك) لم يضمن لمخالفته إلى خير (فإن ضمن) المعير (المستعير تم عقد الرهن)؛ لتملكه بالضمان (وإن ضمن المرتهن يرجع بما ضمن وبالدين على الراهن) كما مر في الاستحقاق (فإن وافق وهلك عند المرتهن صار) المرتهن (مستوفيًا لدينه ووجب مثله) أي: مثل الدين (للمعير على المستعير) وهو الراهن؛ لقضاء دينه به (إن كان كله مضمونًا وإلا) يكن كله مضمونًا (ضمن قدر المضمون والباقي أمانة) وكذا لو تعيب فيذهب من الدين بحسابه، ويجب مثله للمعير.
(ولو افتكه) أي: الرهن (المعير أجبر المرتهن على القبول ثم يرجع) المعير (على الراهن)؛ لأنه غير متبرع لتخليص ملكه، بخلاف الأجنبي (بما أدى) بأن ساوى الدين القيمة، وإن الدين أزيد فالزائد تبرع، وإن أقل فلا جبر، درر، لكن استشكله الزيلعي وغيره، وأقره المصنف؛ فلذا لم يعرج عليه في متنه، مع متابعته للدرر، فتدبر.
(ولو هلك الرهن المستعار مع الراهن قبل رهنه أو بعد فكه لم يضمن، وإن استخدمه أو ركبه) ونحو ذلك (من قبل)؛ لأنه أمين خالف ثم عاد إلى الوفاق فلا يضمن، خلافًا للشافعي، لكن في الشرنبلالية عن العمادية: المستأجر أو المستعير إذا خالفا ثم عاد إلى الوفاق لا يبرأ عن الضمان، على ما عليه الفتوى اهـ.
بقي لو اختلفا فالقول للراهن؛ لأنه ينكر الإيفاء بماله، ولو اختلفا في قدر ما أمره بالرهن به فالقول للمعير، هداية.
اختلفا في الدين والقيمة بعد الهلاك فالقول للمرتهن في قدر الدين وقيمة الرهن. شرح تكملة.
(ولو مات مستعيره مفلسًا) مديونًا (فالرهن) باق (على حاله، فلا يباع إلا برضا المعير)؛ لأنه ملكه (ولو أراد المعير بيعه وأبى الراهن) البيع (بيع بغير رضاه إن كان به) أي: بالرهن (وفاء وإلا لا) يباع (إلا برضاه) أي: المرتهن (ولو مات المعير مفلسًا وعليه دين أمر الراهن بقضاء دين نفسه ويرد الرهن)؛ ليصل كل ذي حق حقه (وإن عجز لفقره فالرهن على حاله) كما لو كان المعير حيًّا (ولورثته) أي: ورثة المعير (أخذه) أي: الرهن (بعد قضاء دينه) كمورث (فإن طلب غرماء المعير من ورثته بيعه، فإن به وفاء بيع وإلا فلا) يباع (إلا برضا المرتهن) كما مر...
قوله: (وصح استعارة شيء ليرهنه)؛ لأن المالك رضي بتعلق دين المستعير بماله وهو يملك ذلك كما يملك تعلقه بذمته بالكفالة ط، قوله: (فيرهن بما شاء) أي: بأي جنس أو قدر، وكذا عند أي مرتهن وفي أي بلد شاء، كما في القهستاني، قوله: (إذا أطلق) أي: المعير؛ لأن الإطلاق واجب الاعتبار خصوصًا في الإعارة؛ لأن الجهالة فيها لا تفضي إلى المنازعة، هداية؛ لأن مبناها على المسامحة، معراج، قوله: (تقيد به) فليس له أن يزيد عليه ولا ينقص، أما الزيادة فلأنه ربما احتاج إلى فكاك الرهن فيؤدي قدر الدين وما رضي بأداء القدر الزائد، أو لأنه يتعسر عليه ذلك فيتضرر به، وأما النقصان فلأن الزائد على الدين يكون أمانة، وما رضي إلا أن يكون مضمونًا كله فكان التعيين مفيدًا، وكذلك التقييد بالحبس وبالمرتهن وبالبلد؛ لأن كل ذلك مفيد لتيسر البعض، بالإضافة إلى البعض، وتفاوت الأشخاص في الأمانة والحفظ اهـ من الهداية والاختيار.
تنبيه:
أفتى في الحامدية فيما لو قيد العارية بمدة معلومة ومضت المدة بأن للمعير أخذها من المستعير، قال: وبه أفتي في الخيرية والإسماعيلية، ومثله في فتاوى ابن نجيم قائلًا: وليس له مطالبته بالرهن قبل مضي المدة، فإذا مضت وامتنع من خلاصه من المرتهن أجبر عليه اهـ.
أقول: ولا يخالفه ما في الذخيرة: استعاره ليرهنه بدينه فرهنه بمائة إلى سنة فللمعير طلبه منه، وإن أعلمه أنه يرهنه إلى سنة اهـ؛ لأن الرهن هنا فاسد؛ لتأجيله كما مر، وكلامنا في تأجيل العارية، تأمل. قوله: (ضمن المعير المستعير أو المرتهن....) إلخ، أي: يضمنه قيمة الرهن إن هلك في يد المرتهن؛ لأنه تصرف في ملكه على وجه لم يؤذن له فيه فصار غاصبًا، وللمعير أن يأخذه من المرتهن ويفسخ الرهن، جوهرة، قوله: (فرهنه بأقل من ذلك) أي: بأقل مما عين له، لكن بشرط أن لا ينقص عن قيمة الرهن بل إما بمثلها أو بأكثر، كما أفاده الزيلعي.
وفي الذخيرة وغيرها: لو سمى له شيئًا فرهنه بأقل أو بأكثر فهو على ثلاثة أوجه: الأول: أن تكون قيمة الثوب مثل الدين المسمى، الثاني: أن تكون أكثر منه، وفيها إذا رهن بأكثر من الدين أو بأقل يضمن قيمته، الثالث: أن تكون أقل منه، فإن زاد على المسمى ضمن القيمة، وإن نقص فإن كان النقصان إلى تمام قيمة الثوب لا يضمن وإن إلى أقل ضمن قيمته اهـ ملخصًا، ونقله في النهاية، ثم قال: وبه يعلم أن المعير لا يضمن المستعير أكثر من القيمة في صورة من الصور، وكذا لا يضمنه جميع قيمة الثوب إذا كانت أكثر من الدين، وإنما يضمنه قدر الدين والزائد يهلك أمانة اهـ، قوله: (لتملكه بالضمان) فتبين أنه رهنه ملك نفسه اهـ تبيين، قال قارئ الهداية: ولي فيه نظر؛ لأن الملك فيه لم يستند إلى وقت القبض إذا القبض بإذن المالك، وإنما يستند إلى وقت المخالفة وهو التسليم إلى المرتهن وعقد الرهن كان قبله فيقتصر ملكه على وقت التسليم فلم يتبين أنه رهن ملكه؛ لأن ملكه بعد عقد الرهن اهـ أبو السعود، وط عن الشلبي.
أقول: قد يجاب بأن الرهن لا يلزم إلا بالتسليم؛ ولذا كان للمرتهن الرجوع عنه قبله، كما مر أول الرهن، فإذا توقف العقد على التسليم لم يعتبر سابقًا عليه، فكأنهما وجدا معًا عند التسليم الذي هو وقت المخالفة فلم يكن ملكه بعد عقد الرهن، هذا ما ظهر لي من فيض الفتاح العليم، فاغتنمه، قوله: (وإن ضمن المرتهن)؛ لأنه متعد بقبض مال غيره بلا إذنه، فهو كغاصب الغاصب، قوله: (كما مر في الاستحقاق) أي: قبيل هذا الباب، قوله: (صار المرتهن مستوفيًا لدينه) أي: إن كانت قيمة الرهن مثل الدين أو أكثر، وإن كانت أقل صار مستوفيًا لقدره، ويرجع بالفضل على الراهن اهـ مسكين، قوله: (أي: مثل الدين) كذا في الدرر، والأصوب أن يقال: أي: مثل الرهن، أي: صورة ومعنى إن كان مثليًّا، ومعنى فقط وهو قيمته إن كان قيميًّا؛ لئلا يلزم تشتيت الضمائر بعده، رحمتي ملخصًا، ومثله في شرح الطوري، قوله: (لقضاء دينه به) أي: لأن الراهن صار قاضيًا دينه بمال المعير وهو الرهن، قوله: (إن كان كله) أي: الرهن مضمونًا بأن كان مثل الدين أو أقل، قوله: (وإلا...) إلخ، أي: بأن كان أكثر من الدين، قوله: (بحسابه) أي: بقدر حصة العيب، إتقاني، قوله: (ويجب مثله) أي: ويجب للمعير على المستعير مثل ما ذهب من الدين بالعيب، قوله: (لتخليص ملكه) أي: لأنه يريد بذلك تخليص ملكه، فهو مضطر إليه، قوله: (بخلاف الأجنبي) أي: إذا قضى الدين؛ لأنه متبرع؛ إذ هو لا يسعى في تخليص ملكه ولا في تفريغ ذمته، فكان للطالب أن لا يقبل، هداية، قوله: (وإن أقل فلا جبر) أي: لا يجبر المرتهن على تسليم الرهن، درر عن تاج الشريعة؛ لأن الزيادة أمانة من جانب الراهن، كذا قيل، ولم نجد ذلك في كلام الشراح، وعزوه إلى تاج الشريعة فرية بلا مرية، كذا أفاده عزمي زاده، قوله: (لكن استشكله الزيلعي وغيره) أي: استشكل كون الزائد تبرعًا حيث قال: وهذا مشكل، لأن تخليص الرهن لا يحصل بإيفاء البعض فكان مضطرًّا؛ وهذا لأن غرضه تخليصه لينتفع به، ولا يحصل ذلك إلا بأداء الدين كله؛ إذ للمرتهن أن يحبسه حتى يستوفي الكل اهـ.
والإشكال ذكره جميع شراح الهداية مع جوابه بأن الضمان إنما وجب على المستعير باعتبار إيفاء الدين من ملكه، فكان الرجوع عليه بقدر ما تحقق الإيفاء اهـ، ونقلوه عن الإيضاح والخانية وغيرهما، وكأن الزيلعي لم يرتض بهذا الجواب فلم يذكره؛ ولذا قال في السعدية: إن للكلام فيه مجالًا، قوله: (فلذا لم يعرج عليه...) إلخ، أقول: يجب اتباع المنقول وإن لم يظهر للعقول مع أن الجواب لائح وهو تقصير المعير عن التقييد بالرهن بالقيمة من أول الأمر، فإذا ترك ما يدفع الإضرار كان في دفع الزائد مختارًا بهذا الاعتبار، فكن من ذوي الأبصار اهـ سائحاني، قوله: (مع متابعته للدرر) أي: إن عادته ذلك غالبًا، وقد نص في الدرر على أن الزائد تبرع، فدل عدم متابعته له أنه أقر الزيلعي على الاستشكال، قوله: (لم يضمن)؛ لأنه لم يصر قاضيًا دينه به، قوله: (وإن استخدمه أو ركبه....) إلخ "إن" هذه وصلية، أي: بأن كان عبدًا فاستخدمه أو دابة فركبها قبل أن يرهنهما ثم رهنهما بمال مثل قيمتهما، ثم قضى المال فلم يقبضهما حتى هلكا عند المرتهن فلا ضمان على الراهن، هداية، أي: ضمان التعدي لا ضمان قضاء الدين؛ لأن الراهن بعد ما قضى الدين يرجع بما أدى؛ لأن الرهن لما هلك في يد المرتهن صار مستوفيًا حقه من مالية الرهن، فيرجع المعير على الراهن بما وقع به الإيفاء اهـ كفاية ملخصًا، قوله: (ونحو ذلك) كأن لبس الثوب قوله: (من قبل) أي: من قبل الرهن، وكذا إن افتكه ثم استعمله فلم يعطب ثم عطب بعده من غير صنعه لا يضمن؛ لأنه بعد الفكاك بمنزلة المودع، لا بمنزلة المستعير؛ لانتهاء حكم الاستعارة بالفكاك، وقد عاد إلى الوفاق فيبرأ عن الضمان، هداية، قوله: (لكن في الشرنبلالية...) إلخ، هذا في المستأجر أو المستعير لشيء ينتفع به، وكلامنا في مستعير شيء ليرهنه وهو بمنزلة المودع لا المستعير، كما مر آنفًا، والمودع يبرأ بالعود إلى الوفاق.
وفرق بينهما في الهداية وشروحها بأن يد المستعير يد نفسه فلا يصير بالعود رادًّا على المالك لا حقيقة ولا حكمًا، بخلاف المودع؛ لأن يده كيد المالك، فبالعود إلى الوفاق يصير رادًّا عليه حكمًا.
قلت: وكذا المستأجر يده يد نفسه؛ لأنه يمسك العين لنفسه لا لصاحبها، قوله: (إذا خالفا) الأولى إفراد الضمير؛ لأن العطف بـ "أو" وليوافق ما بعده ط، وقد وجد كذلك في كثير من النسخ.
قوله: (بقي لو اختلفا) أي: في زمن الهلاك فقال المعير: هلك عند المرتهن، وقال المستعير: قبل الرهن أو بعد الافتكاك، عناية، قوله: (فالقول للراهن) أي: مع يمينه، معراج، والبينة للمعير؛ لأنه يدعي عليه الضمان، عناية، قوله: (لأنه ينكر...) إلخ، أي: لأن الراهن ينكر الإيفاء بمال المعير، قوله: (ولو اختلفا في قدر ما أمره بالرهن به) بأن قال المعير: أمرتك أن ترهنه بخمسة، وقال المستعير: بعشرة، فالقول للمعير؛ لأنه لو أنكر الأمر أصلًا كان القول له، فكذا إذا أنكر وصفًا فيه، والبينة للمستعير؛ لأنه المثبت، إتقاني، قوله: (اختلفا في الدين والقيمة...) إلخ، صورة المسألة ما في الخانية وغيرها: لو كان الراهن يدعي الرهن بألف، والمرتهن بخمسمائة، فإن كان الرهن قائمًا يساوي ألفًا تحالفا وترادَّا، ولو هالكًا فالقول للمرتهن؛ لأنه ينكر زيادة سقوط الدين اهـ، زاد الأتقاني: ولو اتفقا على أنه بألف، وقال المرتهن: قيمته خمسمائة، وقال الراهن: ألف، فالقول للمرتهن، إلا أن يبرهن الراهن؛ لأنه ادعى زيادة الضمان اهـ ملخصًا، وبه يظهر ما في العبارة من الإيجاز الشبيه بالألغاز، قوله: (مديونًا) زاده؛ لأنه لا يلزم من الإفلاس الدين، لكن إن قرئ قول المصنف: "مفلِّسًا" بتشديد اللام من المضاعف استغني عنه؛ لأن معناه حكم القاضي بإفلاسه، تأمل، قوله: (باق على حاله) أي: محبوسًا عند المرتهن، قوله: (وأبى الراهن) كذا في المنح، وصوابه: "المرتهن"، كما نبه عليه الرملي؛ لأن فرض المسألة: أن الراهن وهو المستعير قد مات، قوله: (بيع بغير رضاه...) إلخ؛ لأن حقه في الاستيفاء وقد حصل، زيلعي، قوله: (وإلا) أي: وإن لم يكن فيه وفاء لا يباع إلا برضاه؛ لأن له في الحبس منفعة، فلعل المعير قد يحتاج إلى الرهن فيخلصه بالإيفاء، أو تزاد قيمته بتغير السعر فيستوفي منه حقه، زيلعي، قوله: (أمر الراهن بقضاء دين نفسه) أي: يجبر على ذلك، وانظر لو كان الدين مؤجلًا هل يجبر أو ينظر؟ قوله: (بعد قضاء دينه) أي: دين الراهن، قوله: (كمورث) أي: كمورثهم؛ لقيامهم مقامه، قوله: (من ورثته) أي: ورثة المعير، قوله: (كما مر لما مر) أي: في مسألة موت المستعير.
المذهب المالكي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 238-239).
(7) ويجوز أن يستعير شـيئًا يرهنه:
(والمستعار له) أي: وصح رهن الشيء المستعار للرهن بمعنى الارتهان، فإن وفى الراهن ما عليه رجع الرهن لربه، وإلا بيع في الدين (ورجع صاحبه) وهو المعير (بقيمته) على المستعير يوم الاستعارة، وقيل: يوم الرهن (أو) يرجع (بما أدى من ثمنه) الذي بيع به في الدين قولان (نقلت) المدونة (عليهما) وعلى الأول يكون الفاضل عن القيمة ووفاء الدين للمستعير (وضمن) المستعير (إن خالف) ورهن في غير ما استعار له لتعديه كدراهم فرهنه في طعام أو عكسه، أي: تعلق به الضمان ولو لم يتلف أو قامت على تلفه بينة، وللمعير أخذه من المرتهن وتبطل العارية، وقال أشهب: لا يضمن، ويكون رهنًا في قدر الدراهم من قيمة الطعام، واختلف هل هو خلاف؟ قال ابن عرفة: وهو الصواب، أو وفاق؟ وإلى ذلك أشار بقوله: (وهل) يضمن (مطلقًا) سواء وافق المرتهن على التعدي أو خالف حلف المعير أم لا؛ نظرًا لتعديه، كما هو ظاهرها (أو) محل الضمان (إذا أقر المستعير) على نفسه (لمعيره) بالتعدي (وخالف المرتهن) أي: خالفهما في التعدي، وقال للمعير: إنما أعرته ليرهنه في عين ما رهن فيه ولم يتعد (ولم يحلف المعير) على تعدي المستعير، فإن وافق المرتهن على المخالفة أو حلف المعير عليها فلا ضمان، ويكون رهنًا فيما أقر به من الدراهم أي: قدرها من قيمة الطعام، وهو تأويل ابن يونس، فقول أشهب حينئذ: وفاق (تأويلان) محلهما حيث وافق المستعير المعير على أن الإعارة إنما وقعت على أن يرهن المعار في قدر من الدراهم، وخالفهما المرتهن؛ إذ لو اختلف المعير والمستعير لكان القول للمعير بيمينه ويضمن المستعير له قيمة سلعته وارتفع الخلاف....
قوله: (ورجع صاحبه بقيمته يوم الاستعارة) هذا القول هو الأقرب من القول بالرجوع بالثمن، كما في المج.
قوله: (وقيل: يوم الرهن) تظهر فائدة الخلاف فيما إذا كان يوم الرهن متأخرًا عن يوم الاستعارة وكانت القيمة يوم الرهن أزيد أو أنقص من القيمة يوم الاستعارة، قوله: (أو بما أدى) أي: أو بما أداه المستعير في دينه من ثمن الشيء المستعار، و"أو" في كلام المصنف لتنويع الخلاف، لا للشك؛ بدليل قوله بعد: نقلت عليهما، قوله: (نقلت المدونة عليهما) أي: رويت المدونة على كل من القولين فرواها يحيى بن عمر يتبعه بقيمته، ورواها غيره، ويتبع المعير المستعير بما أدى من ثمن سلعته، ولما اختصرها البراذعي اقتصر على القول الثاني، ولما اختصرها ابن أبي زيد اقتصر على القول الأول وهو الرجوع بالقيمة، قوله: (وعلى الأول) أي: وهو رجوع صاحبه بالقيمة، فإذا كانت قيمة الشيء المستعار خمسين، وباعه المستعير بمائة وفى بها دينه، يرجع صاحبه على القول الأول بخمسين، والخمسون الأخرى تكون للمستعير؛ لأنه إنما أسلفه نفس السلعة، وهي حينئذ إنما بيعت على ملك الراهن المستعير، وعلى القول الثاني يرجع عليه بالمائة بتمامها، ولو كانت القيمة مائة وباعه المستعير بخمسين فبالعكس، قوله: (كدراهم) أي: كاستعارته لرهنه في دراهم فرهنه في طعام.
قوله: (أي: تعلق به الضمان ولو لم يتلف) أي: أن للمعير تضمينه قيمته ولو لم يتلف لتعديه وله أخذه من المرتهن وتبطل العارية، كذا قال عبق، ونحوه للشيخ سالم وعج وابن عاشر، وفيه نظر؛ لأنه على هذا الكلام لا يصح تأويل الوفاق؛ لأن أشهب لا يقول بهذا التخيير، وأيضًا يكون المعير إذا نكل يخير فله أخذ شيئه، وإذا حلف لزمه إبقاؤه في الدراهم فيكون النكول أنفع له من الحلف، وهذا عكس القواعد فالصواب كما أفاده ح والمواق وخش وغيرهم أن المراد أن ضمان العداء يتعلق به حيث إذا هلك أو سرق أو ضاع يضمنه، عملًا بإقراره بالتعدي كان مما يغاب عليه أم لا، قامت على هلاكه بينة أم لا، وأما إذا كان قائمًا فلا سبيل إلى تضمينه، بل يأخذه ربه، وتبطل العارية مثل ما يأتي في الغصب من قوله: "وضمن بالاستيلاء" أي: تعلق به الضمان، وهذا هو الذي يدل عليه كلام ابن عبد السلام وابن عرفة وغيرهما اهـ بن، إذا علمت هذا تعلم أن الأولى للشارح أن يقول: أي: تعلق به الضمان إذا تلف ولو قامت... إلخ.
قوله: (سواء وافق المرتهن) أي: المعير والمستعير على التعدي، وقوله: "أو خالف" أي: أو خالفهما بأن قال للمعير: إنما أعرته ليرهن في عين ما رهن فيه ولم يتعد، قوله: (كما هو ظاهرها) أي: بناء على أن بين ابن القاسم وأشهب خلافًا، فابن القاسم يقول: إن المستعير يضمن مطلقًا، وأشهب يقول بعدم ضمانه مطلقًا، وهذا تأويل أبي محمد، قوله: (إذا أقر المستعير لمعيره بالتعدي) أي: ووافقه المعير على ذلك، قوله: (ولم يحلف المعير) أي: ونكل المعير عن اليمين على ما ادعاه من التعدي، قوله: (فقول أشهب حينئذ وفاق) أي: لأن قول أشهب: لا يضمن ويكون رهنًا في قدر الدراهم من قيمة الطعام محمولٌ على ما إذا وافق المرتهن على المخالفة أو خالفهما وحلف المعير، وقول ابن القاسم: إنه يضمن ليس على إطلاقه، بل محمولٌ على ما إذا أقر المستعير لمعيره بالتعدي وخالفهما المرتهن ولم يحلف المعير، فكلام ابن القاسم محمول على حالة، وكلام أشهب محمول على حالة أخرى، قوله: (تأويلان) الأول لابن أبي زيد، والثاني لابن يونس، وقد صوب ابن عرفة التأويل الأول، كما قال الشارح، قوله: (محلهما حيث وافق...) إلخ، أي: وحينئذ فقول المصنف: أو محل الضمان حيث أقر المستعير لمعيره، لا دخل له في التوفيق؛ إذ هو موضوع المسألة، ومصب التوفيق على الحال بعده، وهو قوله: وخالف المرتهن... إلخ، فقول الشارح: "أو خالف المرتهن" الأَوْلَى حذفه، فتأمل.
المذهب الشافعي: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (4/ 244-246).
(7) ويجوز أن يستعير شـيئًا يرهنه:
(ويجوز أن) (يستعير شيئًا ليرهنه) بدينه بالإجماع، وإن كانت العارية ضمنا كما لو قال لغيره: "ارهن عبدك على ديني" ففعل فإنه كما لو قبضه ورهنه؛ لأن الرهن توثق وهو يحصل بما لا يملكه؛ بدليل الإشهاد والكفالة، بخلاف بيع ملك غيره لنفسه لا يصح؛ لأن البيع معاوضة فلا يملك الثمن من لا يملك المثمن، وشمل كلامهم الدراهم والدنانير فتصح إعارتها لذلك، وهو المتجه كما قاله الإسنوي، وألحق بذلك ما لو أعارهما وصرح بالتزيين بهما أو للضرب على صورتهما وإن لم تصح إعارتهما في غير ذلك (وهو) أي: عقد العارية بعد الرهن لا قبله، خلافًا لما توهمه بعض العبارات (في قول عارية) أي: باق على حكمها وإن بيع؛ لأنه قبضه بإذنه لينتفع به (والأظهر أنه ضمان دين) من المعير (في رقبة ذلك الشيء) المرهون؛ لأنه كما يملك أن يلزم ذمته بدين غيره ينبغي أن يملك إلزام ذلك عين ماله؛ لأن كُلًّا منهما محل حقه وتصرفه، ولأن الانتفاع هنا إنما يحصل بإهلاك العين ببيعها في الدين، فهو مناف لوضع العارية، فعلم أنه لا تعلق للدين بذمته حتى لو مات لم يحل الدين، ولو تلف المرهون لم يلزمه الأداء، وإذا ثبت أنه ضمان (فيشترط ذكر جنس الدين) كذهب أو فضة (وقدره) كعشرة أو مائة (وصفته) كصحة وتكسر وحلول وتأجيل؛ لاختلاف الأغراض بذلك كما في الضمان، نعم ذكر القمولي في جواهره أنه لو قال له: "ارهن عبدي بما شئت" صح أن يرهنه بأكثر من قيمته، انتهى، ويؤيده ما يأتي في العارية من صحة لتنتفع به بما شئت، وبه يندفع ما نظر فيه بأنه لا بد من معرفة الدين (وكذا المرهون عنده) وكونه واحدًا أو متعددًا (في الأصح)؛ لما مر، فلو خالف شيئًا من ذلك ولو بأن عين له زيدًا فرهن من وكيله أو عكسه كما هو الأوجه، ويؤيده ما يأتي في الوكالة أنه لو وكله ليبيع من زيد فباع من وكيله لم يصح، أو عين له ولي محجور فرهن منه بعد كماله بطل، كما لو عين له قدرًا فزاد فإنه يبطل في الجميع، لا في الزائد فقط، خلافًا لبعض المتأخرين، لا إن نقص من جنسه، وكما لو استعاره ليرهنه من واحد فرهنه من اثنين أو عكسه، والثاني: لا يشترط؛ لضعف الغرض فيه، ولا يشترط شيء مما ذكر على قول العارية، ولو قال له المالك: "ضمنت ما لفلان عليك في رقبة عبدي" من غير قبول المضمون له كفى، وكان كالإعارة للرهن (فلو تلف في يد) الراهن ضمنه؛ لأنه مستعير الآن اتفاقًا، أو في يد (المرتهن فلا ضمان) عليهما؛ إذ المرتهن أمين، ولم يسقط الحق عن ذمة الراهن، ولو أعتقه المالك فكإعتاق المرهون فينفذ قبل قبض المرتهن له مطلقًا، وبعده من الموسر دون المعسر، ولو أتلفه إنسان أقيم بدله مقامه، كما قال الزركشي: إنه ظاهر كلامهم.
المذهب الحنبلي: شرح منتهى الإرادات (2/ 104-107).[بتصرف].
(7) ويجوز أن يستعير شـيئًا يرهنه:
(و) يصح (رهن) كل (ما يصح بيعه) من الأعيان؛ لأن المقصود منه الاستيثاق الموصل للدين (ولو) كان الرهن (نقدًا أو مؤجرًا أو معارًا) ولو لرب دين؛ لأنه يصح بيعه فصح رهنه (ويسقط ضمان العارية)؛ لانتقالها للأمانة إن لم يستعملها المرتهن....
ويشترط في الرهن (ملكه) أي: الراهن لرهن (ولو لمنافعه بإجارة أو) للانتفاع به (بإعارة) فيصح رهن مؤجر ومعار (بإذن مؤجر ومعير) وإن لم يعين الدين أو يصفه أو يعرف ربه، لكن إن شرط شيئًا من ذلك فخالفه لم يصح الرهن؛ لأنه لم يؤذن له فيه، إلا إذا أذن في رهنه بقدر، فزاد عليه، فيصح في المأذون به دون ما زاد كتفريق الصفقة (ويملكان) أي: المؤجر والمعير (الرجوع) عن إذن في رهن (قبل إقباضه) أي: المستأجر والمستعير الرهن؛ لأنه لا يلزم إلا بالقبض.
و (لا) يملك مؤجر الرجوع (في إجارة) عين (لرهن قبل) مضي (مدتها) أي: الإجارة للزومها (ولمعير) عينًا ليرهنها مستعير (طلب راهن) لمستعار (بفكه) أي: الرهن (مطلقًا) أي: عين مدة الرهن أو لا حالًّا كان الدين أو مؤجلًا في محل الحق وقبله؛ لأن العارية لا تلزم ضمن راهن نقصه وبأكثر قيمته كله لمالكه؛ إذ لو أسقط مرتهن حقه من رهن رجع ثمنه كله لربه، فإذا قضى به دين الراهن رجع به عليه، ولا يلزم من ضمان نقصه أن تكون زيادته لربه، كما لو كان باقيًا بعينه (والمنصوص) يرجع (بقيمته) يوم بيعه، أي: المتقوم لا ما بيع به كما لو تلف، صححه في الإنصاف (وإن تلف) رهن معار أو مؤجر بتفريط ضمنه راهن ببدله، وبلا تفريط (ضمن) الراهن (المعار لا المؤجر)؛ لأن العارية مضمونة، والمؤجرة أمانة إن لم يتعد أو يفرط.
(وإن بيع) رهن مؤجر أو معار في وفاء دين (رجع) مؤجر ومعير على راهن (بمثل مثلي)؛ لأنه فوته على ربه، أشبه ما لو أتلفه.
(و) رجع (بالأكثر من قيمة متقوم أو ما) أي: ثمن (بيع به) قدمه في التنقيح؛ لأنه إن بيع بأقل من قيمته ضمن راهن نقصه، وبأكثر قيمته كله لمالكه؛ إذ لو أسقط مرتهن حقه من رهن رجع ثمنه كله لربه، فإذا قضى به دين الراهن رجع به عليه، ولا يلزم من ضمان نقصه أن تكون زيادته لربه، كما لو كان باقيًا بعينه (والمنصوص) يرجع (بقيمته) يوم بيعه، أي: المتقوم، لا ما بيع به، كما لو تلف، صححه في الإنصاف (وإن تلف) رهن معار أو مؤجر بتفريط ضمنه راهن ببدله، وبلا تفريط (ضمن) الراهن (المعار لا المؤجر); لأن العارية مضمونة، والمؤجرة أمانة إن لم يتعد أو يفرط.
المذهب المالكي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 236).
(8) رهن المنافع:
(و) صح الشيء (المستأجر) أي: رهنه عند المستأجر له قبل مضي مدة الإجارة (و) الحائط (المساقى) أي: رهنه عند العامل (وحوزهما الأول) بالإجارة والمساقاة (كاف) عن حوز ثان للرهن، وأشعر قوله: "الأول" بأنه رهنه عندهما، فإن رهنه عند غيرهما جعل معهما أمينًا، أو يجعلانه عند رجل يرضيانه...
قوله: "وصح الشيء المستأجر" أي: رهنه) أي: فإذا استأجر زيد دارًا من ربها شهرًا فيجوز لربها إذا تداين من زيد دينًا أن يرهنه تلك الدار قبل انقضاء مدة الإجارة، قوله: (بأنه رهنه عندهما) أي: أن ما ذكر من المستأجر والحائط المساقى رهن عندهما، أي: عند المستأجر بالكسر وعامل المساقاة، قوله: (جعل معهما) أي: جعل المرتهن مع المستأجر والمساقي أمينًا يلازمهما في البيت المستأجر أو الحائط لأجل حوزه، وهل يكتفى بواحد ممن في الحائط أو لا بد من واحد غيرهم؟ قولان في خش وغيره، قوله: (أو يجعلانه) أي: المرتهن والمستأجر أو المساقي، وقوله: "عند رجل" أي: غيرهما يرضيانه ليحوزه لهما، ولا يكتفي بأمانتهما، بحيث يجعل تحت يد المستأجر أو عامل المساقاة؛ لأن قبضهما إنما هو لأنفسهما لا للمرتهن، فيلزم عدم حوز المرتهن للرهن، قال ابن عرفة وفي الجلاب: ومن ساقى حائطه من رجل، ثم رهنه من غيره فلا بأس، وينبغي للمرتهن أن يستخلف مع العامل في الحائط غيره، الصقلي عن الموازية: من ساقى حائطه، ثم رهنه فليجعل المرتهن مع المساقي رجلًا أو يجعلانه على يد عدل، قال مالك: وجعله بيد المساقي أو أجير له يبطل رهنه، ثم قال ابن عرفة: ورهن ما هو مؤجر في تقرر حوزه لمرتهنه لكونه بيد من استأجره ولغوه، ثالثها: إن لم يرض المستأجر بحوز مرتهنه جعل المرتهن يده مع المستأجر، الأول: للخمي عن ابن نافع، والثاني: لرواية محمد، والثالث: لاختياره، إذا علمت هذا تعلم أن ما قاله الشارح في المستأجر مبني على القول الأخير، وكذا على القول الثاني.
المذهب الحنبلي: شرح منتهى الإرادات (2/ 106-107). [بتصرف].
(8) رهن المنافع:
يشترط في الرهن (ملكه) أي: الراهن لرهن (ولو لمنافعه بإجارة أو) للانتفاع به (بإعارة) فيصح رهن مؤجر ومعار (بإذن مؤجر ومعير) وإن لم يعين الدين أو يصفه أو يعرف ربه، لكن إن شرط شيئًا من ذلك فخالفه لم يصح الرهن؛ لأنه لم يؤذن له فيه، إلا إذا أذن في رهنه بقدر فزاد عليه، فيصح في المأذون به دون ما زاد كتفريق الصفقة (ويملكان) أي: المؤجر والمعير (الرجوع) عن إذن في رهن (قبل إقباضه) أي: المستأجر والمستعير الرهن؛ لأنه لا يلزم إلا بالقبض.
و (لا) يملك مؤجر الرجوع (في إجارة) عين (لرهن قبل) مضي (مدتها) أي: الإجارة للزومها (ولمعير) عينًا ليرهنها مستعير (طلب راهن) لمستعار (بفكه) أي: الرهن (مطلقًا) أي: عين مدة الرهن أو لا، حالًّا كان الدين أو مؤجلًا، في محل الحق وقبله؛ لأن العارية لا تلزم ضمن راهن نقصه وبأكثر قيمته كله لمالكه؛ إذ لو أسقط مرتهن حقه من رهن رجع ثمنه كله لربه، فإذا قضى به دين الراهن رجع به عليه، ولا يلزم من ضمان نقصه أن تكون زيادته لربه، كما لو كان باقيًا بعينه (والمنصوص) يرجع (بقيمته) يوم بيعه أي: المتقوم لا ما بيع به كما لو تلف، صححه في الإنصاف (وإن تلف) رهن معار أو مؤجر بتفريط ضمنه راهن ببدله، وبلا تفريط (ضمن) الراهن (المعار لا المؤجر)؛ لأن العارية مضمونة، والمؤجرة أمانة إن لم يتعد أو يفرط.
(وإن بيع) رهن مؤجر أو معار في وفاء دين (رجع) مؤجر ومعير على راهن (بمثل مثلي)؛ لأنه فوته على ربه، أشبه ما لو أتلفه.
(و) رجع (بالأكثر من قيمة متقوم أو ما) أي: ثمن (بيع به) قدمه في التنقيح؛ لأنه إن بيع بأقل من قيمته ضمن راهن نقصه، وبأكثر قيمته كله لمالكه؛ إذ لو أسقط مرتهن حقه من رهن رجع ثمنه كله لربه، فإذا قضى به دين الراهن رجع به عليه، ولا يلزم من ضمان نقصه أن تكون زيادته لربه، كما لو كان باقيًا بعينه (والمنصوص) يرجع (بقيمته) يوم بيعه، أي: المتقوم، لا ما بيع به، كما لو تلف، صححه في الإنصاف (وإن تلف) رهن معار أو مؤجر بتفريط ضمنه راهن ببدله، وبلا تفريط (ضمن) الراهن (المعار لا المؤجر); لأن العارية مضمونة، والمؤجرة أمانة إن لم يتعد أو يفرط.
المذهب الشافعي: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (3/ 42-43).
المذهب المالكي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 231).
(10) رهن الدين:
رهن الدين فيجوز من المدين وغيره، وانظر تفصيل المسألة في الأصل...
قوله: (فيجوز من المدين وغيره) أي: فيجوز رهنه للمدين ولغيره، فـ "من" بمعنى "اللام"، فالأول كما لو كان لي دراهم دينًا على زيد، وله عليَّ طعام أو عرْض دينًا، فأجعل الدين الذي عليَّ رهنًا في الدين الذي عليه، والثاني: كما لو كان لي دين على زيد، وزيد له دين على عمرو، فيرهنني زيد دينه الذي على عمرو في ديني الذي عليه، بأن يدفع لي وثيقة الدين الذي له على عمرو، حتى يقضيني ديني، قوله: (في الأصل) مراد به شرح الشيخ عبد الباقي الزرقاني.
وحاصل ما في المسألة من التفصيل: أنه في القسم الأول وهو رهن الدين للمدين لا بد في صحة الرهن، سواء كان الدينان من بيع أو من قرض: أن يكون أجل الدين الرهن مثل أجل الدين الذي فيه الرهن أو يكون أبعد منه، فإن كان أجل الدين الرهن أقرب أو كان الدين الرهن حالًّا منع الرهن لأدائه لا سلفني وأسلفك إن كان الدينان من قرض ولأدائه لاجتماع بيع وسلف إن كانا من بيع؛ وذلك لأن دين الرهن إذا كان أقرب أجلا بقاؤه بعد حلوله عند المدين حتى يحل الدين المرهون فيه يعد سلفًا، وكذلك إذا كان الرهن حالًّا فبقاؤه عند المدين إلى حلول أجل المؤجل يعد سلفًا، وهو مصاحب للبيع أو القرض، وما في القسم الثاني وهو رهن الدين لغير المدين فالشرط في صحته قبضه بالإشهاد على حوزه ودفع الوثيقة للمرتهن، وأما الجمع بين من عليه الدين والمرتهن فشرط كمال، هذا هو الصواب.